فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان... سؤال القدر يتحول ملحمة سينمائية

19 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 01 أغسطس 2026 - 10:12 (توقيت القدس)
مات دايمون وزندايا في "الأوديسة" (يونيفرسال إيمجز)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تجسيد التراجيديا في السينما: فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان يعيد إحياء ملحمة هوميروس من خلال تصوير بصري وموسيقي مذهل، يعكس رحلة يوليسيس وتحدياته، ويبرز دور الفن في مواجهة الهاوية كما أشار نيتشه.

- التقنيات السينمائية والإخراج: استخدم نولان تقنيات تصوير متقدمة وكاميرات محمولة لتقديم مشاهد درامية حية، مع احترام تتابع الفصول في الملحمة الأصلية، بميزانية ضخمة بلغت 250 مليون دولار.

- التحديثات الثقافية والجدل: أثار الفيلم جدلاً بتقديم هيلانة كسمراء أفريقية، مما يعكس التنوع الثقافي، ويبرز الصراعات الحالية حول الممرات البحرية، مع تجنب الفلاش باك بجعل تيليماك محور الأحداث.

هل ينبغي السفر بريح مؤاتية، توجّه الشراع المرفوع، أم بمجداف تحرّكه يد بشرية؟ بحثاً عن الجواب، شاهدت تراجيديا بصرية حربية وعجائبية، فيها هدية مسمومة، وحرائق وجثث، وكائنات دموية مفترسة عملاقة، وعواصف سببها قدَرٌ عدواني. خرجتُ سالماً غانماً. بحسب نيتشه، "يَسمح لنا الفن بالتحديق في الهاوية، بينما نظلّ على قيد الحياة" (النقد الأدبي ونظرياته من أفلاطون إلى ما بعد الاستعمار، بيلاجيا غوليمارين، سلسلة عالم المعرفة، عدد 514، ص 77).

زعم هوميروس أن "وحدها الأشعار تحفظ الحكايات وتخلّدها". في "الأوديسة" (2026) لكريستوفر نولان، كرّر مات دايمون (يوليسيس) جملة هوميروس على شاشة تزيد مساحتها على 100 متر مربع، في زمن مجد العينين. أخذت السينما مشعل حفظ وبثّ الحكايات مُصوّرة، وأشهر حكاية تلك التي رواها هوميروس. تحوّل صرح الأدب الغربي إلى صرح سينمائي موسوعي، سيجد فيه كل مشاهد ما يناسبه.

حكاية شقاء رجل وامرأة لا يستحقان الشقاء. إنها التراجيديا. لو كانا يستحقان الشقاء، لضحكنا منهما، ولصار الفيلم كوميدياً. وصلت هيلانة أسبرطة إلى حضن الأمير باريس. إنها النزوة الأعلى كلفة في التاريخ البشري. أعتقد أن عظمة المدينة التي خُرّبت، صنعت مجد الملحمة، وليس خدعة الحصان. أحرقت المدينة التي صمدت عشر سنوات في ليلة واحدة. ماذا بعد النصر؟ تفرّق المنتصرون. رحل الجنود، الذين أطاعوا الإله، باكراً إلى عائلاتهم، لكن الرجل الذي أنهى الحرب لم يرجع بعد. أين هو؟

وجه عنيد. رحلة طويلة. حيلة دمّرت مدينة صمدت عشر سنوات حصار. حرب بلا غنيمة. القصة؟ رحلة ذهاب وعودة بلا غنيمة. البطل؟ شخصية نبيلة، عرضة لخطأ لا يغتفر. رجل عاشق ترك الزوجة الفاتنة الوفية عرضة لغواية الذئاب. تأسّست الميثولوجيا اليونانية على تعارض الإرادة والقدر. أنهى يوليسيس حرب طروادة بذكائه، واختار طريق العودة. من يقرر وجهته ومصيره: الريح المؤاتية التي تهبّ وتوجّه مركبه، أم ذراعه التي تجدّف؟ هل نقود أنفسنا، أم تقودنا الريح التي تهبّ؟ من يقرر لنا: الذكاء الفردي أم القدر؟ هل يلتقي الحظ والبوصلة؟

تكتيكياً، يكمن السرّ في قدرة يوليسيس على توجيه الأشرعة تجاه الريح، والانحناء للعاصفة، لأن في اتباع الريح فقداناً للبوصلة. ريح لا رياح. رجال يوليسيس غاضبون. أوقف المجاديف، وفتح الشراع للريح تقود المركب بلا بوصلة، فتاه مهندس الحصان، وجاع وتحطّم. هذا فعل الطبيعة. إليكم فعل السياسة: فَقَد يوليسيس معظم رجاله في الحرب والبحر، ثم فَقَد ولاء الرجال لأنهم رفضوا تحدّيه لإله البحر. لا يتحكّم الرجال في المستقبل. هذا عمل الآلهة. تقدّم الملحمة حكاية جموع لا حكاية فرد.

انعكست علاقة الزعيم بالرب على علاقته بجنوده، الذين خافوا العقاب السماوي. لا بُدّ من زعيم يُظهر احترامه للإله. هذه ضرورة دور الدين في القيادة والزعامة. من ساءت علاقته بالرب ساءت طاعة رجاله له. هذا درس سياسي ميكيافيلي عن البُعد الأخلاقي للقيادة. هذا موضوع جدل سياسي وعقدي لا فني. تعيش الزوجة الوفية المهجورة دراما الانتظار. تنسج طوال النهار ما تفكّكه في المساء. تقتل الوقت كي لا يقتلها. تهجو الملكة زمن الانتظار. يذبل الجمال واللحم بسبب الحرمان. أي خسارة. كسبت الزوجة رهان الانتظار. تكسب الرهان "بأن يظهر الحدث صحة رأيك". (موسوعة لالاند، ص 943).

تستحق التراجيديا نهاية سعيدة في السينما. الملحمة قديمة، والقصة معلومة بالكتابة والسماع. ما الجديد في الفيلم؟ جعل هيلانة، التي اشتعلت حرب طروادة بسببها، سمراء أفريقية، لا شقراء أوروبية. خلّف هذا جدلاً فورياً. في هذا صدى للمنتخبات الكروية الأوروبية غير الشقراء. تقوم التراجيديا على التشاؤم من الحياة (نيتشه).

بالنظر إلى مصائب الربع الأول من القرن الـ20، نحن نعيش في عصر الشك. "تظهر التراجيديا في عصر الشك لا في عصر الإيمان" (النقد الأدبي ونظرياته، ص 88). يعيش العالم الشك حالياً. يبدو أن السياق الكوني الحالي مطابق لحروب المدن اليونانية على صعيد عيش الحروب. هذا حال جميع البشر في كل زمان. هناك تصادٍ بين ملحمة الأوديسة واللحظة التاريخية الحالية. كانت هيلانة ذريعة مينيلاوس، حاكم مدينة أسبرطة، للسيطرة على طروادة ومضيقها وطرقها التجارية. تجري الآن حروب من أجل الممرات البحرية، لا جديد. هذا مشترك قديم ممتد في الحاضر. ما الجديد؟

كيف عالج نولان (السيناريست والمخرج) طول الزمن لتجنّب التفكّك؟ بدأ من ذروة التوتر. أعلى نقطة في التكثيف المتصاعد. تحكي الأوديسة الشعرية وقائع 20 عاماً. لبدء السرد الفيلمي، اختار نولان العام الـ18. أمامه عامان، وخلفه 18 عاماً. تمّ البدء بلحظة بلوغ الأمير تيليماك سن الرشد، وتزايد وجع الانتظار لدى الملكة، وطمع رجال الحاشية في كرسي العرش الفارغ. قرر تيليماك تغيير الوضع. هناك إرادة جديدة، وروح متعطشة للأخبار الجديدة. حيلة فنية لتجنّب حفرة الفلاش باك: يريد تيليماك أن يعرف. يحقّق في مسار أبيه. يسأل، وتتحوّل الأجوبة التي يلقاها إلى مقاطع مُصوّرة من حبكة الملحمة.

صار تيليماك وهو يحقّق محور الأحداث كي لا تتشتّت. احترم المخرج تتابع الفصول. لا يريد الإثارة بخرق الأحداث. لم يحذف الكثير، لذلك امتد الفيلم 172 دقيقة. يستمع تيليماك إلى الأجوبة بالترتيب، في مقاطع تلتزم التتابع الكرونولوجي. عجوز يحكي عن الأب للابن. الأم تحكي خطياً بالترتيب في حوارات قصيرة، ذات نَفَس شعري. منذ غادر الملك العاصمة إيثاكا، انكشفت طبيعة الحاشية لولي العهد تيليماك.

يكتشف الشاب الشروط الثقيلة للقيام بمهام العرش. كان الشخص الأحقر والأجبن في العاصمة، الأكثر وقاحة، وهو الذي هرب من التجنيد. أرسل أبوه ابن الراعي مكانه للحرب، ومات وهو يدّعي الشجاعة. هذه حبكة رواية يوسف القعيد "الحرب في بر مصر" (1978)، المُصوّرة في "المواطن مصري" (1991) لصلاح أبو سيف. لا نصيب للفلاحين في مجد الحرب.

هذا كله مستخرج من نص، فيه شخصيات تفعل، عمره 2500 عام. القصة معروفة. السؤال: كيف صوّر نولان الملحمة؟ ماذا أضاف بأسلوبه المكرّس؟ بدأ استهلالاً مسرحياً شفوياً. هذه تحية للشاعر الأعمى الذي لم يكن يكتب. ضرب الراوي الأسود واقفاً فوق مائدة الطعام المستطيلة، فنبّه الجمهور إلى الراوي، الذي يشرع في الحكي. خصّص الروائي الألباني إسماعيل كاداريه روايتين لتمجيد شفاهية الملحمة، قبل أن تحلّ الرواية محلها، والرواية عبارة عن ملفات تقارير واستجوابات وقصاصات وشايات، كملفات المخابرات عن المشبوهين.

تقدّم الملحمة حكاية جموع لا حكاية فرد. ظهر ذلك في الإخراج. يندر أن يكون هناك شخص واحد في الكادر. عمل نولان لتظهر شخصيتين على الأقل، تتواصلان بالنظرة والحركة في كل مشهد. هذا يصعب التقاطه في محاولات تصوير قليلة. صوّر ستانلي كوبريك بعض اللقطات المشهدية 70 مرة. الإخراج تنظيم بصري مشهدي: "التصوير يجعل الشكل أنموذجياً. إنه ينحته. صانع الفيلم يسمح لنا بأن نشاهد مولد عالم على أنه حقيقي وجميل حقيقة، وجمال فن التصوير، ويكشف حقيقة وجمال العالم المرئي لنا عبر العصور" (موسوعة تاريخ السينما الصامتة، 1977، ص 433).

يتولّد جمال فن التصوير عن التركيب (Composition). يصوّر نولان، غالياً، أكثر من خمس شخصيات، تتنقّل وتتحدّث في كادر واحد ولقطة ممتدة. يتطلّب هذا التصوير المشهدي تنسيقاً مسرحياً لحركات الشخصيات، وتواصلها فيما بينها. يتم تنظيم وتركيب وتنظيم الجموع المتحرّكة، وإعادة تصوير اللقطات. يصير هذا أصعب حين تكون الكاميرا محمولة متحرّكة، لا ثابتة. هذا يفسّر الميزانية الضخمة للفيلم: 250 مليون دولار أميركي (سيحقّق الفيلم ضعف ميزانيته العملاقة، فالجمهور متعطش إلى الجديد، مع نهاية مباريات كأس العالم).

تصعب صناعة الدراما بكادر فيه شخصية واحدة. لتجنّب تفكّك اللقطات والمونتاج الشذري، تطارد الكاميرا المحمولة سفينة ملعونة، وجزراً عجيبة مميتة، ومشاهد افتراس مريعة، وحركة عجائب مدهشة تتحدّى الملل. رحلة بين جزر ذات طوبوغرافيا عجائبية، في عالم سحرة وخنازير وعماليق. تتجسّس الكاميرا في جغرافيا خطرة، تعبرها وجوه الرجال متجمّدة بسبب الماء الهائج البارد والمالح. رجال ملعونون حوّلهم الجوع إلى خنازير. كائنات عملاقة، ونبوءات مميتة تطارد رحلة بحرية تقود الجنود المنهكين إلى راعي غنم بعين واحدة. لا يرى الرعاة إلا جهة واحدة.

النتيجة؟ حركة مستمرة. خدمت اللعنة حركة الكاميرا، التي تعرض كادرات ذات منسوب درامي عالي. الخطر في كل مكان، والملل في الدرجة صفر. النتيجة بصرياً: يبحر يوليسيس على شاشة مساحتها أكثر من 100 متر مربع، مع صوت مدوٍّ يهبّ من كل الجهات. يشعر المشاهد كأنه يجدف في المركب وسط ضجيج العالم. ميز نيتشه (مولد التراجيديا، ص 79) بين "فن أبولو البصري وفن ديونيس اللابصري، أي الموسيقى".

السينما جمعتهما في فن واحد. هكذا صار المشاهد جزءاً من المشهد، والموج يهاجمه، والريح تصفعه، في كادرات عملاقة ذات منسوب درامي عالٍ، جرى تصويره بضعف قوة الصورة التقليدية: 70 ملم. هذا تطلّب شاشات عملاقة خاصة للعرض، كلّف بعضها مليون دولار أميركي، تعرض سرد تراجيديا يوليسيس بكاميرا نولان. ليت هوميروس حيّ ويبصر ليتفرّج.