فن وسط الخراب: اللوحات التي رُسمت في غرف مظلمة

04 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:09 (توقيت القدس)
محمد حرب في ختام ورشة "الصورة والصوت" في غزة، نوفمبر 2025 (صفحة الفنان على فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يسلط فيلم "فن وسط الخراب" الضوء على تحديات الفنانين في غزة، حيث يواصلون الإبداع رغم الظروف القاسية مثل انقطاع الكهرباء وشح المواد، ويعكس تجربة الفنانين الفلسطينيين في بيئة مهددة.

- الفعالية في مركز HEART في ليدز تتضمن معرضاً لمطبوعات خمسة فنانين من غزة، وعرض ثلاثة أفلام قصيرة تتناول تأثير الحرب على الإبداع الفني، مما يتيح للجمهور البريطاني فرصة للاطلاع على تجربة فنية غالباً ما تبقى محجوبة.

- تُعرض أفلام قصيرة مثل "ناجي العلي - فنان ذو رؤية" و"بلا كلمات" و"الفن وسط الخراب"، مما يطرح تساؤلات حول دور الفن الفلسطيني في زمن الحرب، ويؤكد على أثر الفن حتى في أحلك الظروف.

في فيلمه الوثائقي "فن وسط الخراب"، يتعامل المخرج والفنان الفلسطيني محمد حرب مع اللحظة الراهنة مباشرةً. يوثّق الفيلم الظروف التي يعمل فيها الفنانون الغزيون اليوم، وكيف يواصلون الرسم رغم انقطاع الكهرباء وشحّ المواد والدمار الذي طاول المراسم والبيوت. في أحد المشاهد، يشرح حرب كيف اضطر إلى حرق إطارات القماش لتسخين الماء، ليبدو الوثائقي شهادةً يومية على معنى أن تواصل عملك الإبداعي في فضاء يتهدد البقاء نفسه. هذه الصورة القاسية لا تقدّم مدخلاً بصرياً لتجربة الفنانين الفلسطينيين وحسب، بل تُشكل خلفية ضرورية للفعالية الفنية التي يحتضنها مركز هيدينغلي لريادة الأعمال والفنون (Headingley Enterprise and Arts Centre)، المعروف اختصاراً باسم HEART، في مدينة ليدز البريطانية.

تأتي الفعالية، التي تُنظم تحت عنوان "الفن وسط الخراب: الصمود والمقاومة"، ضمن برنامج مهرجان ليدز الفلسطيني السينمائي، وفي سياق رغبة متزايدة لدى مؤسسات ثقافية أوروبية في تقديم مساحة لعرض الأعمال الفلسطينية التي باتت تواجه صعوبات هائلة في الوصول إلى الجمهور العالمي. تمتد الفعالية حتى 19 ديسمبر/كانون الأول الحالي، وتجمع بين معرض لمطبوعات خمسة فنانين من غزة، وعرض ثلاثة أفلام قصيرة تتناول أثر الحرب على الإبداع الفني واستمرارية الممارسة البصرية في بيئة محاصرة.

يضم المعرض أعمال محمد حرب وأيمن عيسى وعبد الناصر عامر وميسرة بارود ومحمد الفرا. وبسبب استحالة نقل اللوحات الأصلية من غزة، لجأ المنظمون إلى طباعة نسخ عالية الجودة تُعرض وتباع لصالح الفنانين. هذا الحل التقني، الذي صار شائعاً في سياقات الكوارث والحصار، يتيح للجمهور البريطاني الاطلاع على تجربة فنية غالباً ما تبقى محجوبة بحكم عزلة المكان وتقييد الحركة، وفي الوقت نفسه يضمن دعماً مادياً مباشراً للفنانين الذين فقد بعضهم مصادر رزقهم بالكامل. يتراوح المزاج البصري للأعمال المعروضة بين التجريد والتوثيق، وبين التعبير الرمزي والاستعارة.

محمد حرب، الذي يظهر في الفيلم المصاحب للفعالية، يميل إلى بناء مشهد بصري يستند إلى ذاكرة المكان أكثر من استناده إلى وصفه. خطوطه اللينة ومساحاته الحمراء والرمادية تشي بتوتر داخلي يتجاوز الحاضر، كأنه يستبق لحظة الانهيار ليبحث عن صيغة تحفظ ما تبقى من أثر إنساني.

أما عبد الناصر عامر، أحد الوجوه البارزة في المشهد التشكيلي في غزة، فينحاز إلى الجسد باعتباره الموقع الأول للعنف. تظهر أجساد شبه منكسرة، لكنها تحافظ على وضعية الصمود، وكأنها تستدعي دور الفن في إعادة بناء الذات قبل أي شيء.

في المقابل، يتخذ ميسرة بارود مساراً بصرياً أشد قتامة. لوحاته أحادية اللون تبدو كأنها خرائط لمدن في طور التحلل، إذ تتكاثف الطبقات اللونية فوق بعضها إلى درجة تحجب المعنى، قبل أن تفتحه في ومضات سريعة.

بينما يذهب محمد الفرا إلى مشاهد الحياة اليومية، مثل الانتظار عند الحواجز والوجوه المرهقة والبيوت التي فقدت بعض جدرانها. في أعماله يكاد الخط أن يتحول إلى نبض، كما لو كان يسجل إيقاعاً خافتاً لحياة تستمر رغم كل شيء.

أما أيمن عيسى، فيشتغل على البنية الهندسية للمكان وتأثيرها على الذاكرة، مستحضراً تكرار الأشكال والخطوط بوصفه جزءاً من إيقاع الحياة في غزة، ومعبراً عن الزمن عبر البنية الحاشدة للأحجام والألوان.

إلى جانب المعرض، يقدّم المركز مساء السادس من ديسمبر عرضاً لثلاثة أفلام قصيرة تُكمل السرد الذي تقدّمه الأعمال البصرية. يأتي في مقدّمتها فيلم "ناجي العلي - فنان ذو رؤية" للمخرج قاسم عبيد، وهو وثائقي حول سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني صاحب شخصية "حنظلة". يلقي الفيلم الضوء على مسيرة العلي، وعلى الدور الذي لعبته رسومه في تشكيل الوعي السياسي الفلسطيني، وصولاً إلى اغتياله عام 1987. اختيار هذا الوثائقي تحديداً يعكس رغبة المنظمين في الربط بين جيلين من الفنانين، جيل عاش المنفى وعبر عن فلسطين من الخارج، وجيل يعيش التجربة في داخلها، تحت القصف والحصار.

الفيلم الثاني هو "بلا كلمات" الذي يتابع الفنانة ملك مطر وهي تعمل على لوحة ضخمة تستعيد فيها مشاهد من طفولتها وشبابها في غزة. حضور مطر، التي أصبحت خلال سنوات الحرب من أبرز الأصوات الفلسطينية في المشهدين الفني والإعلامي، يضيف طبقة أخرى للفعالية، فالفيلم لا يتوقف عند عرض عملية الرسم، بل يقدّم مقاربة حدسية للعلاقة بين الفن والذاكرة والجرح الشخصي.

أما الفيلم الثالث، "الفن وسط الخراب" لمحمد حرب، فيأتي امتداداً للمعرض وليس مجرد عرض منفصل. يستعيد الوثائقي ظروف إنتاج الأعمال التي يراها الجمهور مطبوعة على الجدران، واللوحات التي رُسمت في غرف مظلمة، وعلى ضوء الهواتف المحمولة، وفي مساحات فقدت نوافذها وجدرانها. تُظهر الكاميرا الفنانين وهم يبحثون عمّا تبقى من أقلام وألوان، وفي لحظات كثيرة تبدو عملية الرسم كأنها فعل مقاومة أكثر من كونها ممارسة فنية.

لا تكتفي هذه التظاهرة بتقديم أعمال أو أفلام، بل تطرح سؤالاً أوسع عن موقع الفن الفلسطيني في زمن الحرب، هل يمكن للوحة أن تصمد في مواجهة الخراب؟ وهل يمكن للإبداع أن يحفظ شيئاً من الذاكرة الجماعية حين تنهار البنية المادية للحياة؟ تبدو الإجابة، كما يقدمها الفنانون الخمسة والأفلام المصاحبة، ممكنة وإن جاءت منقوصة؛ فالفن هنا لا يعد بإنقاذ شيء، لكنه يضمن ألا يمر كل شيء من دون أثر.

المساهمون