"فلانة" لزهراء غندور: بأي ذنب "تُقتل" النساء؟

15 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:03 (توقيت القدس)
"فلانة": بحثٌ وثائقي عن مصير مفقودات (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يسلط فيلم "فلانة" للمخرجة زهراء غندور الضوء على معاناة النساء العراقيات المهمشات، مستندًا إلى قصة اختفاء صديقة طفولتها نور، ويكشف عن مقابر سرية للضحايا الإناث.
- يركز الفيلم على حياة، خالة المخرجة، التي تتواطأ في ازدراء البنات، ويعرض قصة ليلى التي عاشت في مأوى بعد طردها من منزلها، مما يعكس قسوة النظام الاجتماعي.
- يُعرض الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي، ويقدم نظرة على الصدمات النفسية الجماعية، مستكشفًا المشهدين الاجتماعي والقانوني في العراق باستخدام تصوير بسيط وموسيقى مؤثرة.

 

في المؤتمر الصحافي، المنعقد بعد العرض العالمي الأول لفيلمها "فلانة"، في الدورة الـ50 (4 ـ 14 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان تورنتو السينمائي، أوضحت المخرجة والممثلة العراقية زهراء غندور (1991) أن الجالية العراقية في كندا والولايات المتحدة لا تنقل سوى صورة إيجابية عن بلدها، مُتجنّبةً أي ذكر للانتهاكات والعنف ضد النساء. "فلانة" (يُستخدم المصطلح المُنكَّر في العراق للإشارة إلى نساء وشابات مجهولات الهوية والمصائر، نُسيت أسماؤهن، أو اعتُبرت غير جديرة بالذكر في عائلاتهن، لكن المخرجة تسعى إلى استعادتهن، ومنحهن صفة واسماً) قصة شخصية مرتبطة باختفاء صديقة طفولة تُدعى نور، "تبخّرت" حين كانتا في العاشرة، بعد محادثة عائلية.

في بحثها لكشف مصير "فلانات" عديدات، اكتشفت غندور الغبن الواقع بحق فتيات عراقيات عديدات، يتعرّضن للرفض والعنف والإقصاء من عائلاتهن، لمجرد كونهن إناثاً فقط. في محادثات مع خالتها حياة، التي عملت قابلةً لولادات عدّة في عائلتها، ذُكرت نور، وشُرحت أسباب اختفائها. لكنها ليست سوى فتاة بين أخريات منسيات ومنبوذات ومقتولات في العراق. شخصية خفية، لن تحقق في اختفائها السلطات، لكنها تظلّ شبحاً يخيّم على مجتمع أبوي، يكافئ الذكور، ويعاقب الإناث.

على بُعد كيلومترات قليلة من بغداد، هناك أرض تُدفن فيها الضحايا الإناث، بشواهد قبور مُجهَّلة، في ما يُعرف بمقابر المنبوذات، لا يُسمح لأمّهاتهن بزيارتها. تُدفن الجثث ليلاً وسرّاً، كي لا يتمكّن الأقارب من اكتشاف القبور وتدميرها.

الجزء الأول من "فلانة" يتموضع في منزل العائلة، حيث تعيش حياة (كانت وما زالت تعمل قابلة، وتمارس عملها في إحدى غرف النوم بالمنزل). تساعد نساء عديدات في عائلتها على الولادة. هي بلا زوج ولا أطفال، والمخرجة تعتبرها أمّاً ثانية. عبر رصد مهامها اليومية ومتابعتها، يتطوّر حوار صريح، يكشف معلومات مهمّة. حياة شخصية متناقضة أيضاً، ومتواطئة إلى حدّ ما في نمط ازدراء البنات. ورغم أن والدة زهراء تفضّل عدم الظهور في الفيلم، هناك تلميحات إلى شعور أوّلي بالرفض تجاه ابنتها، التي بقيت في رعاية حياة فترة من الوقت.

في رحلتها البحثية، تكشف زهراء غندور حياة مبنية على الخوف والأمل، وفجوة بين زمنين، وأسراراً مظلمة وراء هجر العائلات لبناتها، والانفصال المؤلم بين الأمهات وبناتهن. مصيرٌ عانته بنفسها.

 

 

مثّلت غندور في أفلام، كـ"القرار" (2017) لمحمد الدراجي، و"بغداد في خيالي" (2019) لسمير جمال الدين، الذي تناول مسألة شائكة أخرى: قضية المنفيين العراقيين مثليي الجنس. في أول تجربة إخراجية، تُنشئ علاقة مع خالتها، عبر لقطات ثابتة تتيح حواراً، لكنها تستخدم أيضاً ظلالاً وانعكاسات ضبابية على الزجاج لتصوير شخصيات نساء مجهولات الهوية، منبوذات من المجتمع، مجازياً. مع أن الوثائقي أعطى انطباعاً، في البداية، بتقديمه ما يشبه البانوراما، بالإضاءة على أربع نساء منبوذات، ركّز في النهاية على حياة، موضوعاً رئيسياً. لاحقاً، وسّع منظوره ليشمل ليلى، شابة عاشت بشكل شبه كامل في مأوى، بعد أن طردها والدها من منزلها وهي في العاشرة من عمرها. أخبرت القاضي أنّ والديها استماتا لمنع عودتها إلى عائلتها، ومنذ ذلك الحين تعيش في مركز، يصوّره الوثائقي سجناً أكثر منه مأوى. كاميرات مراقبة، وساعات عمل مُقيّدة، وحرّاس أمن، واعتداءات، كلّها عوامل تُعيد إحياء معاناة هؤلاء الشابات، اللواتي عانين رفض عائلاتهن.

في مقابلة، روت غندور أن ليلى كانت، في البداية، حذرة من تصويرها، بعد مشاركتها تجربتها أخيراً في تقرير تلفزيوني عراقي، تلقّت بعد بثّه إهانات ومضايقات على مواقع التواصل الاجتماعي، لسردها قصتها، ولمظهرها الخارجي. هذا الابتعاد عن بيئتها العائلية، يسمح لـ"فلانة" بالتنفّس، وبطريقة ما، الانفتاح ليس فقط على ناجية شابة تمكّنت من مغادرة الملجأ، بل أيضاً على بغداد، مُقدّماً منظوراً أنثوياً آخر، تمثيلاً لمدينة خضعت هي الأخرى لقرارات تعسّفية، تركت بصماتها على حروب وصراعات، وساهمت في تعزيز أنظمة أبوية، دفعت الأمهات إلى التخلّي عن بناتهنّ حديثات الولادة.

"فلانة"، المشارك في مسابقة "آفاق السينما العربية"، بالدورة 46 (12 ـ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان القاهرة السينمائي، وثائقي يعرض مشكلة اجتماعية مروّعة، من منظور شخصي. تربط غندور الماضي بالحاضر، مُستكشفةً المشهدين الاجتماعي والقانوني المُعقّدين في العراق. بتصويرٍ بسيط، وموسيقى مؤثرة، يُبرز الفيلم شهادات واقعية، وأرشيفات شخصية، مُقدّماً تأمّلاً حسّاساً وقوياً في آنٍ واحد، عن الصدمات النفسية الجماعية، والقدرة على الصمود. ورغم أنه لا يقدّم إحصاءات أو وجهات نظر أوسع، مُفضّلاً التركيز على شهادتي حياة وليلى، يطرح نهجاً أكثر تأمّلياً بهذه النبرة الحميمة الرصدية. لا يهدف إلى تقديم تحقيق أو استقصاء صحافي، بل إلى محاولة الإمساك بأثر غياب، وفهم الآثار السيكولوجية للشعور بالرفض من مُكوّن مجتمعي أساسي: النساء.

المساهمون