- تصاعدت الخلافات بين الفنانين مثل أحمد العوضي ومحمد عادل إمام حول الإيرادات، مما استدعى تدخل نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي لتهدئة الأوضاع، مع استمرار التراشق الإعلامي بينهما.
- انعكست هذه الصراعات سلباً على الصناعة، حيث يركز الفنانون على الأرقام بدلاً من الجودة، ويسعى المنتجون مثل هشام عبد الخالق لضمان الشفافية في إعلان الإيرادات.
تشهد الساحة السينمائية والدرامية في المصرية معارك محتدمة لا تدار تفاصيلها داخل أروقة السينمات أو عبر شاشات التلفزيون، كما كان معتاداً في العقود الماضية، بل انتقلت رقعتها بالكامل إلى منصات التواصل الاجتماعي، وبأرقام إيرادات ومشاركات نجاح تشبه إلى حد كبير الفقاعات الهوائية التي سرعان ما تتلاشى أمام الحقائق الميدانية.
فبين تصريحات حاسمة بالصدارة يطلقها فنانون مثل محمد عادل إمام وأحمد العوضي، حول إيرادات شباك التذاكر السينمائي، وسجالات سابقة حول الألقاب ونسب الأعلى مشاهدة بين فنانات، مثل مي عمر وياسمين عبد العزيز، تحول الموسم الفني من تنافس إبداعي مشروع يعتمد على جودة النص وعمق الأداء وجماليات الصورة، إلى ما يشبه بورصة لتزييف النجاح وصناعة الوعي الزائف؛ إذ تعلن يومياً وفي ساعات الصباح الأولى أرقام فلكية غير دقيقة، وتوزع شارات المركز الأول والترند مجاناً وعلى أوسع نطاق، حتى أصبحت الكعكة الفنية الواحدة تتسع لعدة ملوك يتوجون جميعاً بالنصر في اللحظة نفسها، ما يخلق حالة من البلبلة لدى الجمهور والوسط الفني على حد سواء.
لم تعد هذه الأزمة مجرد استعراض إعلامي أو مبالغات تسويقية معتادة، بل تحولت هذه البروباغندا اللحظية إلى ظاهرة تهدّد أركان صناعة السينما والدراما المصرية؛ فعندما تستبدل المعايير النقدية والفنية للجودة بالحروب الرقمية، واللجان الإلكترونية، وبيانات الإيرادات المشكوك في صحتها، يُسحق المنتج الفني ويتراجع مستواه الإبداعي ليتحول إلى سلعة رقمية رخيصة.
وقد تجلت أبعاد هذه الأزمة أخيراً عندما كتب أحمد العوضي، الذي يعرض له حالياً فيلم "شمشون ودليلة"، منشوراً عبر حسابه الشخصي على "فيسبوك"، منتقداً تضخيم الأرقام بقوله إنه لا يفهم سبب المبالغة والزيادة في الإيرادات "بالأونطة"، ليرد عليه بطريقة غير مباشرة الفنان محمد عادل إمام، المشارك في السباق السينمائي بفيلم "صقر وكناريا"، بالكشف عن بعض الأرقام والإحصائيات وتأكيده استمرار تصدره لشباك التذاكر، معيداً نشر صورة له من كواليس العمل، معلّقاً بأن نجاحه يتسبب "في إزعاج كثيرين"، ما أشعل فتيل المواجهة بين جمهوري الفنانين.
هذه السجالات المتصاعدة، دفعت نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي إلى التدخل السريع والودي غير رسمي، مطالباً الطرفين بحذف المنشورات، التي تسببت في حالة من التلاسن والتطاول والسباب المتزايد عبر منصات التواصل الاجتماعي بين المعسكرين المتنافسين. شدّد النقيب في تصريحات إعلامية على أن هذا التراشق لا يليق بمكانة الفنانين ولا بالوسط الفني، محذراً من أن النقابة قد تضطر إلى التدخل الرسمي واتخاذ إجراءات حاسمة، ليستجيب الممثلان ويحذفا المنشورات.
ما يعمق فهم هذه الحالة هو أن الحرب الكلامية حول الإيرادات والأجور بين العوضي وإمام، جذورها تمتد إلى الموسم الدرامي الرمضاني الماضي، حينما تنافس الاثنان عبر عملين دراميين، هما "علي كلاي" للعوضي، و"الكينج" لإمام؛ إذ شرع كل منهما في إطلاق تصريحات صحافية وإعلامية حول كونه الأعلى أجراً والأكثر مشاهدة في الشارع المصري والمنصات.
وعلى الرغم من هذا الصراع العلني والمستتر، حاول الثنائي الحفاظ على الدبلوماسية أمام وسائل الإعلام للحفاظ على صورتيهما، فصرّح إمام في لقاءاته بأن أجور النجوم متغيرة، وتُتحدد وفقاً لمدى نجاح أعمالهم الأخيرة، وأن أحداً لا يعلم بالدقة الأجر الحقيقي لجميع زملائه، حتى يدّعي الصدارة المطلقة، بينما خرج العوضي هو الآخر بتصريحات إيجابية تجاه إمام، إلا أن الصراع المكتوم ظل يطفو على السطح بين الحين والآخر.
امتدت هذه الصراعات لتشمل الدراما التلفزيونية في الموسم الرمضاني نفسه، فشهدت الساحة مشادات وتلاسنات حادة بين الممثلة مي عمر التي قدمت مسلسل "الست موناليزا"، وياسمين عبد العزيز التي نافست بمسلسل "وننسى اللي كان"، فسارعت كل منهما إلى نشر أرقام وقوائم إحصائية غير رسمية منسوبة إلى المنصات الرقمية لترسيخ فكرة أنها الأكثر مشاهدة، ما أدى إلى تصاعد الخلافات الإلكترونية بين المتابعين والجمهور وصولاً إلى التلاسن المباشر. ورغم محاولة مي عمر تهدئة الأجواء لاحقاً بنشر تهنئة لياسمين عبد العزيز بمناسبة عرض فيلمها الجديد "خلي بالك من نفسك"، إلا أن عبد العزيز فضلت تجاهل التهنئة تماماً ولم ترد عليها.
هذا الوضع القائم ينعكس مباشرة وسلباً على صناعة السينما والدراما برمتها في مصر، حيث يتحول الفن من رسالة إنسانية وثقافية إلى مجرد سلعة رقمية مشكوك في مصداقيتها وأرقامها. في هذا السياق، تؤكد الناقدة خيرية البشلاوي أن الساحة تشهد تحولاً خطيراً بعدما أصبح اهتمام الفنان منصباً كلّيٍاً تقريباً، على حجم الإيرادات والأرقام اللحظية، من دون إعطاء أي اعتبار لمدى جودة العمل الفني وصلاحيته ومدى الأثر الثقافي والجمالي الذي يتركه لدى الجمهور، موضحة أن هذا الانشغال تحول إلى صراع يجعل الفنان يفقد كثيراً من قيمته وهيبته ومكانته.
بدوره، يعبر الفنان أحمد السقا، الذي خاض السباق السينمائي أخيراً بفيلم "خلي بالك من نفسك"، عن أسفه الشديد لما آلت إليه الأمور، مؤكداً لـ "العربي الجديد" أن هذه السجالات أخذت طابع الخناقات المرفوضة التي يتمنى عدم تكرارها مجدداً في الوسط الفني. يشير السقا إلى أن الجمهور أصبحت لديه انطباعات سلبية ومحبطة بوجود ضغائن ومشاعر غير صحية بين صناع الفن بسبب هذه الصراعات.
وعلى الجانب التنفيذي والإنتاجي، يوضح المنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، لـ"العربي الجديد" أن الأرقام والإيرادات التي يعلنها بعض الفنانين، عبر حساباتهم الشخصية، هي في غالبها أرقام عارية تماماً عن الصحة، كاشفاً عن وجود خطة عمل وتنسيق مرتقب بالاتفاق مع وزير المالية، تهدف إلى وضع آلية ضابطة ومعتمدة لإعلان الإيرادات السينمائية رسمياً بشفافية تامة.
ويشير إلى أن غرفة صناعة السينما تنأى بنفسها عن التدخل في تفاصيل الإيرادات وتصريحات النجوم، إلا في حالة تحقق شرط جوهري يتمثل في موافقة واجتماع كافة دور العرض السينمائي على تفويض الغرفة، حصرياً، لتكون هي الجهة الوحيدة المعتمدة والمنوط بها تجميع الإيرادات اليومية والشهرية وإعلانها، بما يضمن الشفافية المطلقة ويمنع التلاعب والمبالغة.