فضائيات عراقية فوق المحاسبة بخطاب طائفي وتحريضي

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:42 (توقيت القدس)
تظاهرة لأنصار "عصائب أهل الحق" في بغداد، 16 يونيو 2025 (مرتضى السوداني/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يتواصل الجدل في العراق حول أداء بعض الفضائيات المرتبطة بفصائل مسلّحة، حيث تبث محتوى تحريضي ضد مسؤولين حكوميين، مما يثير أزمة سياسية واسعة.
- يواجه الإعلام العراقي تحديات بسبب تداخل الإعلام مع العمل الحزبي المسلّح، واتهامات بازدواجية المعايير، مما يعمّق الانقسام الاجتماعي ويقوّض الثقة بالعملية السياسية.
- رغم وجود قوانين لمحاسبة الجهات الإعلامية، إلا أن تطبيقها يحتاج لصرامة أكبر لحماية السلم الاجتماعي ومنع استخدام الإعلام كأداة نفوذ خارج القانون.

لليوم السادس على التوالي، يتواصل الجدل السياسي والإعلامي بشأن أداء فضائيات عراقية مرتبطة بفصائل مسلّحة، في ظل تصاعد الانتقادات لعدم خضوعها للمساءلة القانونية، على خلاف ما تتعرض له مؤسسات إعلامية أخرى عند ارتكابها مخالفات مهنية. تفجّر هذا الجدل عقب بث قنوات عدّة، أبرزها "العهد" التابعة لمليشيا "عصائب أهل الحق"، محتوى وُصف بالتحريضي ضد ضباط ومسؤولين في مؤسسات حكومية، متهمةً إياهم بالمسؤولية عن إدراج حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله (الحوثي) على قائمة الإرهاب الأسبوع الماضي، في خطوة أثارت أزمة سياسية واسعة قبل تراجع الحكومة عنها ووصفها بـ"خطأ في النشر".

عقب نشر القرار في صحيفة الوقائع العراقية، شنت فضائيات عراقية حملات إعلامية تضمنت التشهير بضباط في جهازي الأمن والاستخبارات وموظفين في وزارات المالية والعدل والبنك المركزي، عبر نشر صورهم وأسمائهم وتفاصيل شخصية عنهم، مرفقة بعبارات تتضمن تحريضاً مباشراً وتهديدات غير معلنة.

في العراق أكثر من 70 قناة فضائية تبث على مدار الساعة، غالبيتها مملوكة أو مرتبطة بأحزاب سياسية وقوى نافذة وفصائل مسلّحة، ويُهيمن الخطاب السياسي الموجّه على جزء كبير من محتواها، ما يعمّق التداخل بين الإعلام والعمل الحزبي المسلّح. في المقابل، تواجه هيئة الإعلام والاتصالات، المسؤولة عن تنظيم العمل الإعلامي في العراق، انتقادات واسعة لامتناعها عن اتخاذ إجراءات ضد القنوات التي تبث خطاباً طائفياً أو تحريضياً، وسط اتهامات لها بازدواجية المعايير في التعامل مع المؤسسات الإعلامية بحسب انتماءاتها السياسية.

وفي هذا السياق، قال أستاذ كلية الإعلام في الجامعة المستنصرية، غالب الدعمي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن عدداً من القنوات العراقية يبث محتوى يتضمن "خطاباً طائفياً وتحريضياً يمثل تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي، وانتهاكاً واضحاً لقوانين البث الإعلامي والمعايير المهنية المعتمدة محلياً ودولياً". وأضاف أن "استمرار بعض المنابر الإعلامية في تبني خطاب الكراهية، بدوافع سياسية أو تحت تأثير جهات تمتلك نفوذاً غير رسمي، يُسهم في تعميق الانقسام الاجتماعي ويقوّض الثقة بالعملية السياسية والدستورية"، مؤكداً أن البيئة الإعلامية العراقية "باتت بحاجة إلى ضبط قانوني ومهني أكثر صرامة، لا سيما تجاه الجهات التي تستخدم الإعلام أداة ضغط وتوجيه للرأي العام".

من جهته، وصف السياسي العراقي المستقل طلال الجبوري ما يجري بأنه "يمثل خطراً حقيقياً على السلم الاجتماعي والأمن الوطني"، ونبّه إلى أن استمرار هذه الممارسات من دون محاسبة "يوجه رسالة خطيرة مفادها أن التحريض والكراهية باتا مباحين، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام الإعلام أداة نفوذ خارج إطار القانون".

في الجانب القانوني، أوضح الخبير سالم حواس أن القوانين العراقية "توفر إطاراً واضحاً لمحاسبة الجهات الإعلامية التي تبث خطاباً تحريضياً أو تكشف معلومات حساسة"، مشيراً إلى المادة 226 من قانون العقوبات العراقي التي تجرّم التحريض على الكراهية الطائفية أو العرقية أو الدينية، إلى جانب المادة 45 من قانون الإعلام لعام 2013 التي تحظر بث أي محتوى يهدد الأمن القومي أو الوحدة الوطنية. وأضاف أن القوانين ذات الصلة بحماية المعلومات السرية تمنع نشر أي بيانات تخص أجهزة الدولة أو موظفيها من دون تصريح رسمي، وتفرض عقوبات تتراوح بين الغرامات المالية، والإيقاف المؤقت للبث، وصولاً إلى الملاحقة الجنائية في حال ثبوت نية التحريض أو المساس بأمن الدولة.

بدوره، حذّر عضو نقابة الصحافيين العراقيين، أحمد الموسوي، من "حالة تفلّت واضحة" في بعض القنوات المملوكة لفصائل مسلّحة، لافتاً إلى تورّطها في "بث برامج تستضيف شخصيات تتبنى خطاب التخوين والتحريض ضد مكونات عراقية، مع تلميع جهات أخرى"، وشدد على أن استمرار هذا الواقع من دون تدخل حازم من الجهات المنظمة "يهدد بتوسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف الاستقرار الوطني".

ويعكس هذا الجدل المتصاعد أزمة أعمق في المشهد الإعلامي العراقي، حيث يتقاطع الإعلام مع النفوذ السياسي والعسكري، في وقت تتعالى فيه المطالب بإخضاع جميع القنوات الفضائية لمعايير موحّدة من المحاسبة، بعيداً عن الانتماءات الحزبية أو الحماية السياسية، حمايةً للسلم الأهلي وحرية الإعلام في آن واحد.

المساهمون