"فردوس" جو هوليس... الحديقة ليست نائمة

18 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:12 (توقيت القدس)
يطرح "فردوس" سؤالاً عن إمكانية أن نعيد اكتشاف الطبيعة في عصرالتغيير المناخي(فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- "فردوس" يستعرض حياة جو هوليس الذي يعيش في عزلة بجبال كارولينا الشمالية منذ 1972، حيث بنى حديقة نادرة تضم أكثر من 1000 نوع من النباتات، مما يثير تساؤلات حول الرغبة الإمبريالية في ترويض الطبيعة.
- الفيلم يبرز التناقض بين رفض هوليس للعالم الحديث واعتماده على علم النبات الغربي، ويستخدم لغة بصرية غنية لتسليط الضوء على قضايا البيئة والاكتفاء الذاتي.
- يوثق الفيلم إرث هوليس المهدد وصراعه لنقل حلمه للأجيال القادمة، خاصة بعد حريق 2023 الذي دمر مكتبته، مما يعكس فكرة انقراض المعرفة.

في مشهد افتتاح الفيلم الوثائقي "فردوس" (Paradise)، تتراقص أوراق الأشجار النادرة في حديقة جو هوليس، بينما يظهر هذ الأخير كما لو أنه شبح يتحرك بينها. جسده المنحني يمثّل مرور الزمن. هذا المشهد الافتتاحي هو استعارة سينمائية كبرى يبنيها المخرج غاريت آر. مارتن (Garrett R. Martin)، مصوّراً الرجل الأبيض الذي هرب من الحضارة ليصنع فردوسه الخاص، لكن الكاميرا تُظهر أن هذا الفردوس مبني على أسطورةٍ ذات جذور مثيرة للتساؤلات. "فردوس" ليس فيلماً عن الطبيعة، بل عن الرغبة الإمبريالية في ترويضها. يتحول هوليس إلى بطل وحيد (Lone Hero) على طريقة أفلام مثل Into the Wild أو Captain Fantastic، لكن بطبقة من التناقض، إذ يرفض العالم الحديث، لكنه يستخدم علم النبات الغربي وكتباً أكاديمية ليصنع جنته.
صدر الفيلم في يناير/كانون الثاني 2025 على منصات البث الرئيسية، وحقق صدىً نقدياً لامس قضايا البيئة والاكتفاء الذاتي وصراع الإنسان المعاصر ضد آليات الحضارة الاستهلاكية. ما جعل "فردوس" مميزاً هو أنه توثيق لحياة هولس وبيان بصري يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة، هوليس هو ذاك الرجل الذي عاش منعزلاً في جبال ولاية كارولينا الشمالية لأكثر من 50 عاماً، ما زال يبحث عن الجنة المفقودة أو يحاول إعادة تشكيلها عبر حديقته النادرة.
يبدأ الفيلم بلقطات مهيبة للجبال الشرقية في أمبركا، حيث يعيش هوليس منذ عام 1972 في كوخ خشبي بناه بيديه، محاطاً بحديقته الفريدة التي تضم أكثر من 1000 نوع نادر من النباتات الطبية والغذائية. عبر مشاهد الأرشيف والمقابلات الحميميّة، نتعرف إلى فلسفة هوليس: "الجنة هي المكان الذي تجد فيه كل ما تحتاجه من دون أن تأخذه من الآخرين".
يستخدم مارتن لغة بصرية تعتمد على التقاط التفاصيل الدقيقة: أوراق النباتات تتنفس تحت المطر، وجذور الأعشاب تتشابك تحت التربة، وعيون هوليس المتعبة تُراقب مواسم التغير. الكاميرا تتحرك كأنها جزء من الغابة، تُبرز التناقض بين ضعف الجسد البشري (خاصة مع تدهور صحة هوليس بسبب السرطان) وقوة الطبيعة التي لا تتوقف عن العطاء.
يُوثق العمل إرث هولس المهدد. المشاهد الأكثر إثارة هي تلك التي يُحاول فيها هوليس، رغم مرضه، تدريب مجموعة من الشباب على إدارة الحديقة، خوفاً من أن تندثر معه. الحوارات بينه وبين المتدربين تكشف عن صراع الأجيال ومعاناة هولس مع صعوبة نقل حلم الجنة إلى عالم لم يعد يؤمن بالبساطة.
هوليس هو شامان حديقته، كما تُظهره المشاهد وهو يحضر الأدوية العشبية. يلعب الوثائقي على أسطورة الرجل الحكيم (The Wise Man) الذي يعرف أسرار الطبيعة. صورةٌ تكرّسها السينما الغربية منذ أفلام مثل The Last Trapper، حتى الأدوات التي يستخدمها هوليس من مجاهر إلى كتب عن الطب الصيني تُظهر تناقضاً، إذ يرفض الحداثة، لكنه يعتمد على منتجاتها لبناء عالمه.
في منتصف "فردوس"، نرى لقطات صادمة لحريق عام 2023 الذي أتى على مكتبة هوليس التي جمعها على مدى 40 عاماً ومختبره للأعشاب. هذه اللحظة رأى فيها المخرج استعارة لفكرة انقراض المعرفة. ردة فعل هوليس الصامتة يُظهر أن مقاومته لا تكمن في البكاء على الماضي، بل في الزراعة من جديد.

مارتن معروف بأفلامه التي تدرس علاقة الإنسان بالطبيعة، مثل The River Runs On، عن صراع نشطاء البيئة مع الحكومة، وفي "فردوس" يستخدم الأسلوب نفسه، حيث أصوات الرياح والحيوانات تخلق شعوراً بالبراءة، لكن التعليق الصوتي يُذكّر بأن هذه الجنة بناها رجلٌ أبيض بامتيازات مادية، فهو اشترى الأرض بـ500 دولار في السبعينيات.
يختتم الفيلم بمشهد هوليس جالساً على كرسيه المهترئ، يُؤدي أغنية شعبية عن الموت (I’ll Fly Away)، بينما تُظهر الكاميرا بذوراً جديدة تُزرع في التربة. السؤال الذي يطرحه "فردوس" ليس فقط عن مصير حديقة هوليس، بل عن إمكانية أن نعيد اكتشاف الجنة بوصفها فعل مقاومة في عصر التغير المناخي والانفصال عن الأرض والطبيعة والفطرة البشريّة.

المساهمون