استمع إلى الملخص
- تعرضت لانتقادات بسبب ارتباطها بالسلطة السياسية وغنائها لكل من عبد الناصر والسادات، مما أثار جدلًا حول موقفها السياسي، لكنها أثرت بشكل كبير في الساحة الفنية والسياسية.
- مسيرتها تميزت بتداخل الفن والسياسة، حيث انتقلت من صوت للثورة إلى جزء من السلطة، مما جعلها رمزًا للاستمرارية والولاء في النظام السياسي المصري.
ربما لم يحمل صوت نسائي عربي روح الثورة والحماسة كما حملها صوت المطربة المصرية فايدة كامل (1932 - 2011). ومع اشتعال حرب السويس عام 1956، حاول معظم المطربين والمطربات مواكبة الحدث وتقديم إسهام فني في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر، لكن أغنية "دع سمائي" كشفت عن "صوت بارودي" يتفجر بالكلمات كما تتفجر القنابل.
صحيح أن الحماسة بدأت بكلمات الشاعر كمال عبد الحليم، وتضاعفت بلحن الموسيقار علي إسماعيل، لكنها بلغت ذروتها الاستثنائية مع صوت فايدة المتوعد وأدائها الذي يشبه الإنذار الصارم: هذه أرضي أنا.. وأبي ضحى هنا.. وأبي قال لنا.. مزقوا أعداءنا.
بدأت فايدة حياتها الفنية قبل ذلك بعدة سنوات، ونالت تقديراً معتبراً من أهل الفن، غير أن هذه الأغنية نقلتها إلى منطقة "المدفعية الغنائية"، لتصبح ركناً أساسياً من أركان الغناء الوطني الثوري الذي رغبت فيه الدولة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر. لم تتأخر فايدة الصاعدة، ولم تقصّر، بل اشتبكت مباشرة مع كل قضايا ثورة يوليو، داخلياً وخارجياً، بزخم لم يقدر عليه مطرب أو مطربة سواها.
يُرجّح أنها قدّمت أكثر من مئتي أغنية وطنية، بالمفهوم الواسع للغناء الوطني، وتتيح المنتديات الموسيقية على الإنترنت أكثر من 170 أغنية منها. ولم تقتصر تلك الأغاني على العهد الناصري، إذ واصلت فايدة غناءها الوطني في عهد أنور السادات، حتى اعتزلت منتصف السبعينيات لانشغالها بالعمل البرلماني نائبةً عن دائرة الخليفة في القاهرة.
أطلق بعض النقاد على فايدة كامل وصف "صوت السلطة"، ورأى كثيرون في غنائها لرئيسين مختلفين في توجهاتهما السياسية والاقتصادية مبرراً موضوعياً لاتهامها بالنفاق الفني والسياسي. فقد اعتبرها خصوم عبد الناصر بوقاً للدعاية الناصرية، في حين كرهها الناصريون أنفسهم بسبب مديحها الفج والمباشر للسادات، الذي عيّن زوجها اللواء النبوي إسماعيل وزيراً للداخلية عام 1977.
والحقيقة أنه لا وجه للمقارنة بين أغاني فايدة في عهد ناصر وأغانيها في عهد السادات، فالبون شاسع على الأقل من حيث العدد؛ إذ لا تتعدى أغانيها للسادات أصابع اليد الواحدة.
لكن منتقديها رأوا أن تلك الأغاني القليلة حملت مديحاً شخصياً للرئيس لا لسياساته، وأنها دليل على انحيازها إلى السلطة لا إلى نهجها، وإلا فكيف لمطربة كانت تشدو بأغنية عنوانها "الاشتراكية الديمقراطية التعاونية" أن تكيل المديح للرئيس الذي انقلب على تلك السياسات؟
لقد تماهت فايدة مع قضايا ثورة يوليو وانغمست في تفاصيلها إلى حدّ جعل من الصعب على أحد أن يتقبل منها غناءً معارضاً أو مغايراً. فقد غنّت لليمن وصنعاء وعدن، لفلسطين والوحدة مع سورية، لاجتماعات القمة العربية، للتوجه الاشتراكي، للسد العالي، للثورة الجزائرية، للكويت، للقومية العربية، للميثاق، لسلاح الطيران، لشعب العراق وبغداد، للقطن المصري، لعيد الشرطة، لعيد الجلاء، لقارة أفريقيا، لوادي النيل، لبورسعيد، للصحافة، لتحويل مجرى النيل، لقناة السويس، لصاروخي القاهر والظافر، حيث أنشدت: طير يا صاروخ في العالي طير.. دمر تل أبيب تدمير.
ولما جاء السادات، لم يقبل كثيرون منها أن تغني: كلمة الحب الغالية.. يسمعها القلب ينور.. وأما سمعناها منك.. في قلوبنا كانت أنور.. والدنيا دايماً حلوة.. ومعاك احلوت أكتر.. يا سادات.. يا زعيمنا، يا قائدنا، يا رئيسنا، يا حبيبنا.
لا ضرر على أي منجز موسيقي أو غنائي يفوق حجبه عن النقد الفني وإخضاعه لموازين السياسة والأيديولوجيا. وقد أقام هذا التسييس حاجزاً بين جماهير واسعة وصوت فايدة كامل القوي الجذاب. فهي المغنية التي قُدّمت يوماً مطربةَ الثورةِ، ثم وُصفت بالساداتية التي تتغنى بحكمة "الرئيس المؤمن"، وهي النائبة التي استمرت عضويتها في البرلمان قرابة 35 عاماً بترشيح متكرر من الحزب الحاكم، حتى أصبحت أقدم برلمانية في العالم، وزوجة وزير الداخلية الأخير في عهد السادات، التي شهدت حادث المنصة ورأت بعينيها اغتيال الزعيم الذي غنّت له. ومع مرور السنين، ظهرت أجيال جديدة لم تسمع باسم فايدة كامل.
لكن كل هذا الجدل لا يمحو الحقائق الفنية الثابتة، ففايدة كامل صوت لا تغيّره السياسة ولا الأيديولوجيا، إذ تضم قائمة ملحّنيها عمالقة مثل محمد عبد الوهاب، محمد القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، محمود الشريف، عبد العظيم محمد، أحمد صدقي، عبد العظيم عبد الحق، محمد الموجي، كمال الطويل، بليغ حمدي، حسين جنيد، سيد مكاوي، عبد المنعم الحريري، أحمد عبد القادر، محمود كامل، رؤوف ذهني، فريد غصن، فؤاد حلمي، منير مراد، عطية شرارة، مدحت عاصم، عزت الجاهلي، رياض البندك، عبد الحميد توفيق زكي، محمد محسن، إمام عيسى. وهي قائمة لا يمتلكها إلا قلة نادرة من المطربين والمطربات.
أما شعراؤها فهم بدورهم من كبار القلم: محمود حسن إسماعيل، بيرم التونسي، أحمد رامي، فتحي قورة، محمد الأسمر، محمد علي أحمد، حسين السيد، صلاح جاهين، مصطفى عبد الرحمن، إمام الصفطاوي، مأمون الشناوي، مرسي جميل عزيز، طاهر أبو فاشا، صالح جودت، بخيت بيومي، وعبد الرحمن الأبنودي.
في مرحلة ما بعد ثورة 1952، كانت الدولة تحتاج إلى أدوات فنية لا تكتفي بالترويح أو الإلهام الهادئ، بل تتطلب "مدفعية غنائية" قادرة على التعبئة الجماهيرية العاجلة والحاسمة. وكان صوت فايدة كامل، بشدته وجهوريته وصرامته في الأداء، الأقدر على حمل الرسالة الأيديولوجية الثورية من دون مواربة أو تليين.
هكذا، تجاوز دورها دور المطربة التقليدية ليصبح أشبه بالمتحدث العسكري أو الدعاية الثورية المجسدة. هذه الخصيصة مكّنتها من الاشتباك المباشر مع قضايا الوحدة والتحرر والاشتراكية والعدوان، وهو ما يفسّر زخم إنتاجها، لأنها لم تكن تغني للمشاعر الوطنية العامة فحسب، بل كانت تسجّل ما يمكن اعتباره مذكرات يومية للموقف السياسي للدولة، جاعلةً من منجزها الفني أرشيفاً صوتياً لخريطة طريق الثورة في عهد عبد الناصر.
ولا يمكن فهم مسيرتها من دون النظر إلى تحولها من "صوت السلطة" إلى "جزء من السلطة" من خلال انخراطها البرلماني الطويل. هذا التحول كان تتويجاً منطقياً لدورها مروِّجةً أيديولوجيةً؛ إذ رسّخ وجودها في البرلمان وعضويتها المستمرة في الحزب الحاكم نموذجاً فريداً من التماهي بين الفن والسياسة في مصر الناصرية والساداتية وما بعدها.
وقد عزز زواجها من وزير الداخلية هذه الصورة أكثر من أي أغنية مدح، فحوّل صوتها من أداة دعم إلى رمز مؤسسي، وجعلها تجسيداً للاستمرارية والولاء في منظومة الحكم، متجاوزة الخلافات الأيديولوجية بين الرؤساء، ومؤكدة أن دورها لم يكن مجرد أداء فني، بل التزام سياسي عميق.
يشكّل التراث الغنائي لفايدة كامل حالة جدلية فريدة في تاريخ الفن العربي الحديث، إذ يمثل صوتها قصة التناقض بين عظمة المنجز الفني وثقل المواقف السياسية. فمن جهة، تقف فايدة في مرتبة رفيعة من الهرم الفني بفضل قائمة الملحنين والشعراء التي تؤكد جدارة صوتها وقدرته على استيعاب الأنماط المختلفة من السنباطي إلى بليغ حمدي.
من جهة أخرى، استُخدم صوتُها ذاته بكثافة أداةً طليعيةً في التعبئة الأيديولوجية لدولة الثورة. إن الغناء لأدق تفاصيل المشروع الناصري - من الاشتراكية الديمقراطية التعاونية إلى صاروخي القاهر والظافر - حوّل المطربة إلى "مؤرخة صوتية" لخطاب السلطة. هذا التماهي العميق جعل عبورها إلى عهد السادات، بما يمثله من انقلاب على تلك الأيديولوجيات، يبدو "خيانة" فنية وسياسية في نظر الجمهور الذي ارتبط صوتها بروح الثورة.
وهنا يكمن التناقض الجدلي: أن يظل صوت الفنان خالداً بموهبته لكنه رهين لتحولات النظام السياسي، فتحجب الأطر الأيديولوجية عظمة الفنان وتحول تقييمه إلى مرآة لصراع الأجيال حول شرعية الأنظمة المتعاقبة، مبقية فايدة كامل أسيرةً للتقييم السياسي رغم شهادة كبار الموسيقيين لها.
ومن حسن حظ المستمعين أن فايدة كامل قدّمت منجزها الوطني الضخم من دون أن تتوقف عن أداء مختلف ألوان الغناء العاطفي والوصفي والديني. لقد تركت ثروة من التسجيلات الجديرة بالإنصات. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2011، رحلت فايدة كامل بعد رحلة طويلة في الغناء والعمل العام.