غواية المسلسلات: 108 ساعات أمام الشاشة

20 يناير 2021
الصورة
من مسلسل The West Wing (يوتيوب)
+ الخط -

تروي الحكاية أنّ الإسكندر الكبير، "أحد أكبر الغزاة الذين أنجبتهم الأرض يحتفظ تحت وسادته بنسخة من "إلياذة" هوميروس ("قصيدة سياسية" كما توصف)، تحتوي على تعليقات وملاحظات أرسطو. سبب ذلك؟ "النصوص الكبيرة تكون دائماً أفضل دليل (للمرء) في الحياة الحقيقية"، كما في افتتاحية كريستوف أونو ـ دي ـ بيو، في العدد الخاص من "لو بوان ـ بوب"، الخاص بـ"السلطة مُفسَّرةً بالمسلسلات" (نوفمبر/ تشرين الثاني ـ ديسمبر/ كانون الأول 2020).

كاتب الافتتاحية يربط هذه الحكاية براهنٍ يعيشه عالم الفضائيات والقنوات التلفزيونية المختلفة: "هناك فِتنةٌ (أو إغواء أو سحر) تمارسها بعض المسلسلات الكبيرة على فرق العمل السياسي".

إدوار فيليب رئيسٌ سابق للحكومة الفرنسية، والعُمدة الحالي لمنطقة "هافر" (شمال فرنسا)، "مهووس" بـ"الجناح الغربي (The West Wing)" لمبتكره آرون سوركين (1999 ـ 2006، على شاشة أن بي سي. 7 مواسم. 155 حلقة)، إلى درجة مُشاهدته 4 مرّات: "6510 دقائق. 108 ساعات ونصف الساعة من حياته"، كما في تقديم حوار معه أجراه أونو ـ دي ـ بيو نفسه.

هذا الهوس غير مرتبط بمُشاهدة عادية. معاينته الدقيقة لكلّ تفصيل وهامش وسردٍ وشخصية وعلاقة ونمط اشتغال، تحضر في تحليله المسلسل، ومدى تأثيراته المختلفة عليه، مع التأكيد على الفصل الواضح بين عالم الدراما ووقائع العيش اليومي في السياسة وعوالمها وامتداداتها المتنوّعة.

فيليب نفسه يعمل على تحويل "في الظلّ"، روايته الصادرة عام 2011 (مكتوبة بالاشتراك مع جيل بويّيه) إلى مسلسل. الرواية تصف الأيام الأخيرة لحملةٍ رئاسية تنزلق إلى العنف، بسبب شائعات عن تزوير الانتخابات التمهيدية والتسويق الانتخابي.

موضوع مُثير للانتباه، خصوصاً أنّ كاتبه سياسيٌّ يرتقي مناصب أساسية في الحُكم. لكن فيليب لن يكون السياسي الوحيد "المنخرط" في عالم الدراما التلفزيونية. في عام 2011، يستعدّ دومينيك ستروس ـ كانْ لمواجهة نيكولا ساركوزي في الانتخابات الرئاسية. يحتاج إلى مكانٍ للقاءات تحضيرية، فيختار حيّزاً له ولمساعديه في مصنع للكاتب دان فرانك في "مونبارناس".

إدوار فيليب رئيسٌ سابق للحكومة الفرنسية، والعُمدة الحالي لمنطقة "هافر" (شمال فرنسا)، "مهووس" بـ"الجناح الغربي (The West Wing)" لمبتكره آرون سوركين، إلى درجة مُشاهدته 4 مرّات

التداخل كبير بين السياسة والواقع والكتابة والدراما. النتيجة: "رجال الظلّ"، رغم أنّ الفضيحة الجنسية في "سوفيتل" (فندق نيويوركي) "تطرد" ستروس ـ كانْ من السباق إلى "قصر الإليزيه". قصّة سيرويها بنفسه في فيلمٍ يتوقّع إطلاق عروضه عام 2021، علماً أنّ وثائقياً (4 حلقات) بعنوان "غرفة رقم 2806: الاتهام" (2020) يكشف تفاصيل كثيرة عن المسألة (نتفليكس). تأثّر إدوار فيليب لن يكون تبعية، والتنبّه إلى الحدّ الفاصل بين الدراما والواقع ينبثق من وعي ومعرفة لدى مُشاهِد محترف: "انتبهوا إلى عدم الخلط بين الممثلين والشخصيات"، يقول الكاتب والصحافي الإيطالي روبرتو سافيانو، المتواري عن الأنظار منذ صدور كتابه الأشهر "غومورّا" (2006)، لفضحه المافيا النابوليتانية. كتاب يُصبح فيلماً بالعنوان نفسه (2008) للإيطالي ماتّيو غارّوني، وسلسلة تلفزيونية (2014) لستفانو سولّيما (كتابة سافيانو نفسه).

كلامٌ كهذا يردّ على خلطٍ يحصل بين الطرفين عند مُشاهدين كثيرين، وبعض هؤلاء يجعل ممثلي مسلسلاتٍ عدّة "أبطالاً"، لأسبابٍ جمّة، أبرزها اعتقادٌ لاواع لدى المُشاهد بأنّ الممثل/ البطل سيُنقذه من خرابٍ يلمّ به في حياته اليومية، خصوصاً في مسلسلات تتمرّد على شتّى أنواع السلطات والأنظمة، كالإسبانيّ "لا كازا دي بابل (منزل من ورق)" لمبتكره ألكس بينا (2017، إنتاج "أنتينا 3" الإسبانية لأول جزئين، و"نتفليكس" للأجزاء اللاحقة)، المتحوّل سريعاً إلى "نشيدٍ" للتمرّد على "الوحش الرأسمالي"، رغم أنّ ميشال شنايدر، في مقالته عنه، غير موافق على اعتباره "نقداً للرأسمالية"، بل "نبذاً فظّاً وهائلاً للمال، ورفضاً عميقاً ولاعقلانياً لعدم المساواة"، مُضيفاً أنّ المسلسل "نبذٌ لما يُسمّى، بكلمة ملتبسة لكنها فعّالة، النظام".

استفتاء يُجريه "المعهد الفرنسي للرأي العام"، لصالح "لو بوان ـ بوب"، يكشف أنّ "لا كازا دي بابل" يحتلّ المرتبة الأولى عند الفرنسيين، في خانتي "التوجّهات السياسية العامة" و"السترات الصفراء". بالنسبة إلى الأحزاب، يضع مناصرو "أوروبا البيئية" و"الخُضر" و"الجمهورية إلى الأمام" و"الجمهوريون" و"التجمّع الوطني" المسلسل في المرتبة الأولى. بالنسبة إلى "السترات الصفراء"، هناك 3 خانات تحصد النسبة الأعلى للمُشاهدة: مُقرّبون منها (6.8)، داعمون لها (7.1)، وغير داعمين (6.8).

لقارئ عربيّ أنْ ينفضّ عن أرقام وتحليل كهذا، لعدم اعتياده على مسلسلات وأفلام تنخرط، كلّياً ومباشرة وبوضوح (وإنْ بمواربة واحتيال دراميين فنيّين وجماليين)، في العوالم المختلفة للسلطة، في السياسة والأمن والاستخبارات والمال والإعلام. لقارئ عربيّ ألّا يكترث بعددٍ كهذا، لا أثر لعملٍ عربي واحد فيه، لسببٍ معلوم: انعدام نمطٍ فني كهذا، وغياب كبير لنتاجات عربية مختلفة في المشهد البصري الأوروبي والغربي.

عدد كامل يخلو من إشارة واحدة إلى العرب، مقابل إفراد 4 صفحات لنتاج تلفزيوني إسرائيلي، يبلغ سنوياً 250 ساعة ذات محتوى أصلي، علماً أنّ مسلسلاً واحداً من أصل 4 يُباع للخارج، أو يُقتَبس عنه (Homeland، لمبتكرَيه هاورد غوردون وألكس غانزا، أبرز مسلسل أميركي مُقتبس عن عمل إسرائيلي بعنوان "مخطوفون". للأميركي 8 مواسم، بـ96 حلقة معروضة على "شوتايم"). 

عدد كامل يخلو من إشارة واحدة إلى العرب، مقابل إفراد 4 صفحات لنتاج تلفزيوني إسرائيلي، يبلغ سنوياً 250 ساعة ذات محتوى أصلي، علماً أنّ مسلسلاً واحداً من أصل 4 يُباع للخارج

في العدد المذكور، مسلسلات كثيرة تتوزّع على أنواعٍ مختلفة، تمتلك مشتركاً أساسياً: السلطة بأشكالها المختلفة. يحضر التاريخ والعالم المتخيّل عبر "لعبة العروش" و"روما" و"عائلة سيمبسون" و"حكاية خادمة". هناك الاستخبارات ومكافحة التجسّس والإرهاب (والغلبة للإرهاب الإسلامي حالياً)، كما في "24" الأميركي و"مكتب الأساطير" الفرنسي مثلاً. للمافيا سلطتها (غومورّا)، وللملكية أيضاً (التاج).

سينما ودراما
التحديثات الحية

دهاليز السياسة وأساليبها وعنفها وخرابها معكوسة كلّها في أكثر من عملٍ تتناوله "لو بوان ـ بوب"، كالأميركي House Of Cards، و"برلمان" (Parlement)، ذي الإنتاج المشترك بين فرنسا وبلجيكا وألمانيا.

وللنساء حصّة، فدورهنّ في السلطة أساسيّ ومهمّ: "بورغن" الدنماركي و"أعوام وأعوام" الإنكليزي. "السلطة مُفسَّرةً بالمسلسلات"، ملفٌ يطرح أسئلة كثيرة عن عالم اليوم، إنْ عبر استعادة تاريخ ومتخيّل، أو عبر نبشٍ في راهنٍ يستقطب السياسيّ والماليّ والرياضيّ والاقتصاديّ والجنسيّ والإعلاميّ في مفردة واحدة: السلطة، كما في أزمنةٍ قديمة. ملفٌ يُحرِّض على قراءة المشهد العربيّ، رغم إدراكٍ مسبق بأنّ الرقابة، بوجوهها المختلفة، تحول دون اشتغالٍ فني وثقافي وبصري وجمالي، في دراما تلفزيونية (وصناعة سينمائية أيضاً)، تتناول مسائل سياسية وأمنية واستخباراتية ومالية وبوليسية تحديداً.

المساهمون