غضب يميني من هتافات مؤيدة لفلسطين في مهرجان روسكيلد الدنماركي
استمع إلى الملخص
- أصر منظمو المهرجان على حرية التعبير السياسي، مما يعكس تراجع تأثير اتهامات "معاداة السامية" ورفض الأجيال الجديدة للمعايير المزدوجة.
- يشير الكاتب جون غراوسغورد إلى تزايد التأييد للقضية الفلسطينية في الأوساط الفنية، مما يعزز الوعي بعدالة القضية الفلسطينية بين الأجيال الشابة.
خلال الأيام الماضية، انتقل السجال حول تضامن الفرق الفنية الأوروبية مع القضية الفلسطينية إلى الدنمارك. فقد عبّرت صحف يمينية ومؤيدة لدولة الاحتلال عن انزعاجها من المشهد في مهرجان روسكيلد الموسيقي، بعد أن خصّصت فرقة فونتين دي سي الأيرلندية، مساء الأربعاء، عشر دقائق من عرضها لتحويل المسرح البرتقالي إلى تظاهرة داعمة للفلسطينيين، وسط حضور آلاف الشبان والشابات.
الصحف لم تكتفِ بالتعبير عن امتعاضها من الهتافات والأعلام الفلسطينية، بل انتقدت مباشرة استخدام عبارات على الشاشة الكبيرة، مثل: "إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، ارفع صوتك"، وهاجمت تكرار ما جرى في مهرجان غلاستونبري البريطاني قبل أيام، حين هتف نحو 30 ألفاً مع فرقة نيكاب الأيرلندية دعماً لفلسطين، وهاجموا رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر وجيش الاحتلال. لم يقتصر الجدل في بريطانيا على فرقة نيكاب، إذ تعرّضت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لانتقادات شديدة من سياسيين وإعلاميين يمينيين، بسبب بثها المباشر لحفل فرقة بوب فيلان خلال مهرجان غلاستونبري، والتي أعلنت بوضوح وقوفها إلى جانب فلسطين وهتفت: "الموت للجيش الإسرائيلي". واتُهمت "بي بي سي" بـ"منح منصة لدعاية معادية لإسرائيل"، وطالب بعض المعلقين بمنعها من تكرار البثّ لفنانين "يسيّسون" الفن لصالح القضية الفلسطينية. وإثر ذلك، أعلنت "بي بي سي"، الخميس، أنها ستوقف البث المباشر للعروض التي تعتبرها "عالية المخاطر".
هذه الانتقادات تعكس اتجاهاً متصاعداً في الإعلام البريطاني والأوروبي يسعى لتقييد أي خطاب فني أو ثقافي يدين جرائم الاحتلال في غزة.
وتكررت في مهرجان روسكيلد مشاهد مشابهة، إذ ردّد أعضاء فرقة فونتين دي سي هتافات بالعربية، مثل "حرية حرية" و"أنا راجع إلى" نابلس وجنين والقدس وغيرها من المدن الفلسطينية، وسط تفاعل كبير من الجمهور. ولم يتأخر الرد الإعلامي من جهة الصحافة اليمينية، التي شبّهت المشهد بمحاولة "تسييس الفن والثقافة"، مطالبةً بمنع رفع علم فلسطين أو إظهار التضامن معها. صحيفة بيرلنغسكا اليمينية عبّرت عن خيبة أملها من إدارة مهرجان روكسيلد، متهمةً إياها بعدم منع التعبير السياسي المناهض للاحتلال، لا سيما هتاف "من غرينلاند إلى فلسطين، الاحتلال جريمة"، الذي أثار انزعاجاً واسعاً بين صحف أخرى من التوجه نفسه. الضغوط لم تؤثر على منظمي المهرجان الذين أكدوا أنهم كانوا على علم مسبق بموقف فرقة فونتين دي سي، وأنهم سمحوا للفرقة والناشطين بالصعود إلى المسرح والهتاف لأجل فلسطين، في رسالة سياسية واضحة.
هذا التحدي العلني لمطالب مؤيدي الاحتلال باعتبار عبارة "من النهر إلى البحر، فلسطين حرة" معاداةً للسامية، شكّل خيبة أمل كبيرة للمعسكر المؤيد لإسرائيل في الدنمارك. الردود الإعلامية الغاضبة لم تمنع استمرار حالة الزخم الفني التضامني مع فلسطين، رغم الهجمات على فنانين مثل مغني فرقة نيكاب وليام أوهانا (المعروف بمو شارا)، الذي اتُهم بدعم الإرهاب وألغيت حفلات فرقته في ألمانيا. مع ذلك، أكدت فرق أخرى، مثل "فونتين دي سي" و"بوب فيلان"، نيتها الاستمرار في التعبير عن التضامن مع فلسطين خلال مشاركتها في "روسكيلد".
ومنذ السبت الماضي، أُطلقت تحذيرات كثيرة من تكرار مشاهد "غلاستونبري" في المهرجان الدنماركي الأكبر، وسط دعوات من مؤيدي الاحتلال بعدم السماح بما وصفوه بـ"تسييس الفن". لكن حضور فلسطين كان لافتاً في افتتاح المهرجان، الأربعاء الماضي، في تحدٍّ مباشر للضغوط. الكاتب الدنماركي جون غراوسغورد أشار في حديثه مع "العربي الجديد" إلى أن حالة الفزع تسود فعلاً أوساط مؤيدي الاحتلال، موضحاً أن "مشكلة ذلك المعسكر تكمن في أن السردية الصهيونية التي قامت تاريخياً على إبعاد الحقيقة والتعتيم عليها من خلال صحافة الماضي، تتهاوى تماماً". ورأى غراوسغورد أن احتجاجات اليمين على اتساع التأييد لفلسطين في الوسطين الفني والأكاديمي تعبّر عن "حنق من سردية فلسطينية اخترقت جدران الصمت، ولم يعد ممكناً إعادتها إلى الوراء"، مضيفاً: "سنشهد المزيد من التراجع في مكانة ومصداقية السرديات التي تؤيد إسرائيل، خصوصاً لدى الأجيال الشابة". وأشار إلى أن كل محاولة لنفي الإبادة الجماعية في غزة تقابل بزيادة الوعي بعدالة القضية الفلسطينية، مشدداً على أن "كلما أثار مؤيدو إسرائيل ضجة بشأن فلسطين، زاد وعي الشعوب الأوروبية بحق هذا الشعب في الحرية والاستقلال".