غزة في الدوحة السينمائي الأول: الداخل معطوب والخارج قاتل
استمع إلى الملخص
- يركز فيلم "كان يا ما كان في غزة" للأخوين ناصر على الحياة اليومية بعيدًا عن الحروب، مسلطًا الضوء على الفقر والصراعات الصامتة وتجارة المخدرات تحت الاحتلال.
- تقدم كوثر بن هنية في "صوت هند رجب" سردًا مؤثرًا لحياة طفلة فلسطينية، مستخدمة التوثيق والخيال، لكنها تتعرض لانتقادات لاستخدام تسجيلات واقعية تؤثر على جماليات التمثيل.
يستعيد الفلسطيني كمال الجعفري زيارة قديمة له إلى قطاع غزة، تتحقّق عام 2001، ليُنجز من أرشيفٍ مُصوّر فيلماً يجمع وقائع فلسطينية في ذاك القطاع غير مُتغيّرة كلّياً، فالحصار الإسرائيلي متنوّع الأساليب فاعلٌ وضاغط، ويوميات العيش هناك تعاني مصاعب شتّى.
أمّا الفلسطينيان طرزان وعرب ناصر، فيغوصان في أحوال راهن يومي في القطاع أيضاً، بعيداً عن المُباشر في قراءة حروب إسرائيل فيه، فإذا باليومي ينعكس في صُور سينمائية تروي شيئاً من بؤس الحياة الفلسطينية، في البيئة الفلسطينية ومتاهاتها ونزاعاتها وخرابها.
إليهم، تعيد التونسية كوثر بن هنيّة سرد وقائع الساعات الأقسى والأكثر ألماً وقهراً في حياة طفلة، تُترك وحيدة في سيارة خالها المقتول فيها مع أفراد عائلته، قبل أنْ تُجهِز عليها وحشية الإسرائيلي، فتُقتل عمداً في 29 يناير/كانون الثاني 2024، قبل نحو ثلاثة أشهرٍ فقط على إتمامها ستة أعوام (3 مايو/أيار 2018).
بهذا، تُتيح النسخة الأولى (20 ـ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان الدوحة السينمائي مساحةً سينمائية إضافية لمعاينة أحوال أناسٍ ومصائب عيشهم، ولتبيان بعض المتداول عن يوميات العيش في القهر والذلّ والمهانة، لكنْ بلغة سينمائية تُناقَش نقدياً. فالأفلام الثلاثة، وإنْ تشترك في كون جغرافيا أحداثها وحكاياتها ومناخها محصورة في قطاع غزة، تنقل وقائع بشرية بلغة الصورة، مع اختلافٍ بينها في أدوات النقل، أي التعبير.
فـ"مع حسن في غزة" (2025)، المعروض للمرة الأولى دولياً في المسابقة الرئيسية للدورة 78 (6 ـ 16 أغسطس/آب 2025) لمهرجان لوكارنو السينمائي، لن تبقى العودة إلى غزة مجرّد رحلة إلى ذكريات وماضٍ غير بعيد، إذْ يجهد الجعفري في إيجاد معادلات فنية وبصرية بين ذاك الزمن (2001) وراهن الإبادة غير الظاهرة مباشرة، بل المتوارية في ثنايا سياق يمزج التسجيلي البحت (أشرطة مُصوّرة) بتوليف (الجعفري) يُحيل، في لحظاتٍ عدة (106 دقائق)، إلى يومياتِ قطاعٍ مع حروب إسرائيل عليه.
و"كان يا ما كان في غزة" (2025) للأخوين ناصر، الفائزين بجائزة الإخراج في "نظرة ما"، في الدورة 78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان "كانّ"، غير معني مباشرة بأي حربٍ من تلك الحروب الإسرائيلية المتتالية في القطاع وعليه، لانغماسه في تلمّس حياة يومية يُفترض بها أنْ تكون عادية، فبعض الناس يتخبّط بالفقر والإحباط والصدامات شبه الصامتة بين عديدين، بكشف شيءٍ من ملامح عالمٍ سفلي، يُتَاجَر فيه بالمخدرات، ويتداخل نفوذ، ممنوح للفرد من عمله في جهاز أمني، بمحاولة الخروج الآمن من الاختناق المتزايد.
إنْ يكن "مع حسن في غزة" فيلماً توثيقياً، يختبر الجعفري مجدّداً في إنجازه كيفية تحويل أرشيف مُصوّر إلى فيلمٍ يُشاهَد، رغم أنّ جديده هذا غير متساوٍ وجماليات التوليف السينمائي الباهر والآسر في أفلامٍ سابقة له، خاصة في "صيف غير عادي" (2020) و"الفيلم عمل فدائي" (2024)؛ بينما يُبنى "كان يا ما كان في غزة" بمفردات الروائي المستلّة حكايته من الواقع، لكشف أهوال فردية في مواجهة مظالم عيش وتسلّط وقهرٍ؛ فإنّ كوثر بن هنية تُفعِّل لغة مباشرة بين التوثيق ـ التسجيل والمتخيّل، الذي يُعيد تجسيد واقع بحَرْفيّته، مع أربعة ممثلين يعكسون، ببراعة أدائية واضحة ومؤثّرة، حقائق تلك الساعات القاهِرة والمؤلمة والقاسية في مركز الطوارئ، التابع للهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله (52 ميلاً عن غزة).
لكنّ تفعيلاً كهذا غير مُكتمِل، لأنّ الحاصل في نهاية "صوت هند رجب" (العرض الأول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ـ مهرجان الدوحة) يقطع، سينمائياً، مع الاشتغال البصري المهمّ في غرف المركز. فالمكان واحدٌ، والزمان بضع ساعات، لعلّ الأجمل يبقى في إنهائها (الساعات تلك) من دون إمعانٍ في إثارة مشاعر وتعاطف، ستُار تلك المشاعر وذاك التعاطف بفضل تمثيل رائع (سجى الكيلاني وعامر حليحل ومعتز ملحيس وكلارا خوري)، كفيلٍ، بصدقه وعمقه وشفافيته في تأدية أدوار أناس حقيقيين، بنقل وقائع الجحيم ذاك، كأنّ المشاهدة منصبّة على الواقع لا على التمثيل. والحاصل أنّ دقائق عدّة في نهاية الفيلم تختصّ بنقل تسجيلات واقعية مع وسام حمادة (والدة هند رجب)، وعن سيارات محطّمة ومحترقة، إحداها لخال هند، بشار حمادة، والإسعاف التي تقلّ المُسعِفَين أحمد مدهون ويوسف زينو، اللذين يقتلهما جنود إسرائيليون على بُعد خطوات من سيارة هند؛ كما عن مسائل متداولة في الإعلام. هذا مُسيء لجماليات التمثيل، وبراعته في إعادة رسم الصورة الحقيقية للحاصل في منطقة دوار المالية، بحي تل الهوى (مدينة غزة)، في تلك الساعات الرهيبة.
في "كان يا ما كان في غزة" (العرض الأول في الشرق الأوسط ـ مهرجان الدوحة)، يُكمِل الأخوان ناصر ما يبدو أنّه مشروعهما السينمائي: معاينة أحوال غزة وتفاصيل العيش فيها، من دون التغاضي كلّياً عن مساوئ الاحتلال الإسرائيلي، الباقي في خلفية النصّ البصري. فالأهمّ، درامياً وجمالياً، كامنٌ في تفكيك شيءٍ من الاجتماع الفلسطيني، بتفاصيل اقتصادية وتربوية وسلوكية واجتماعية، بحثاً عن مكامن خلل، أو كشفاً لبُنى منهارة. لعلّ بعض هذا يحاول الجعفري فعله، في "مع حسن في غزة" (العرض الأول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ـ مهرجان الدوحة)، وإنْ بطريقة مختلفة كلّياً، فرحلته حاصلةٌ فعلياً، والمُصوَّر حينها يُعاد صوغه بصرياً بما يوحي بأنّ غلياناً داخلياً يعيشه القطاع، وبعض الغليان نتاج احتلال وحصار حروب إسرائيلية.