عود منير بشير... رحلة الجهات الخمس

21 سبتمبر 2020
الصورة
حرّض عود بشير الأذن الغربية وأخرجها من عزلتها النرجسية (شيبرد شيربيل/Getty)
+ الخط -

ورقة بحثية قيّمة سبق وأعدتها المؤلفة الموسيقية والعازفة والأكاديمية البريطانية ريتشل بيكلز ويلسون Rachel Beckles Willson نشرتها "المجلة الدولية للتاريخ والثقافة والحداثة" بعنوان "سماع الحداثة الكونية؛ قضية العود المُسافر".

تناولت ويلسون تمثيلات آلة العود ضمن السياقات الثقافية - السياسية الغربية وتحوّلات الرؤى المابعد ــ كولونيالية إزاء مفهوم الحداثة، وذلك من خلال سيرة الراحل، عازف العود والمؤلف العراقي منير بشير. إذ شاءت الأقدار أن يكون يوم ميلاده عام 1930 هو نفسه يوم رحيله سنة 1997، أي 28 أيلول/سبتمبر.

تحدثت ويلسون في معرض الورقة عن "حُراس البوابات" Gatekeepers، أي أولئك الغربيين الذين رصدوا بشير كظاهرة فنية موسيقية تُجسّد تمدد الحداثة، بفعل الكولونيالية وإرث ما بعدها، إلى خارج حدود المجال اليورو - أميركي.

هكذا آثروا "استقدامه" إلى خشبات المسارح الغربية، مسوّقين أنموذجاً للموسيقي العربي الحداثي الذي بمقدوره، بعوده وحضوره، أن يوسّع المدارك الصوتية لدى المستمع الغربي، فيتلمّس الأخير الحداثةً وقد تعولمت لتغدو أشمل تمثيلاً، وبالتالي، أحدثَ حداثة.

من بين أولئك الحراس الدنماركي بول روفزينغ أولسن Paul Rovsing Olsen وهو مؤلفٌ وباحث في علم الموسيقى الإثني (الإثنوموزيكولوجي) وجامع للتراث الدنماركي. رأى أولسن في صوت عود بشير مُحرّضاً ومُحفّزاً يُخرج الأذن الغربية من عزلتها النرجسية، يحثّها على الانفتاح على عوالم صوتية تتجاوز فسحة الراحة التي سبق لها وأن ألفتها واعتادت الإنصات داخل نطاقها. اللافت في موقف أولسن، الاستثنائي ضمن بطانة العلماء والباحثين الغربيين، أنه لم ينظر إلى موسيقى بشير على أنها استحضارٌ للقديم بقدر ما أنها نافذة مُشرعة على المستقبل.

بحسب كاتبة الورقة، أي ويلسون، فإن أولسن بسياق حديث له عن أول أسطوانة أصدرها بشير كعازف عود منفرد، كان قد أشاد بـ"عصرية" عود بشير وبخروجه عن مدرسة العود العراقية التقليدية، حيث قال: "إنتاج منير بشير مثال باهر على موسيقى عربية من اختراع موسيقي عربي مُلمّ بموروثه أدق إلمام، فيما يحاول أن يشق له دروبا جديدة تبقيه حياً".

لا شكّ في أن مقاربة كتلك تصدر عن باحث غربي لهي على درجة من العمق والانفتاح طالما قلّ نظيرهما؛ إذ عادة ما تُحيل مقاربات الغرب لموسيقى الآخر، أوتوماتيكياً، إلى عينات محلية صرفة، غايتها تمثيل البشرية على ما كانت عليه قبل الحداثة، كيف كوّنت الأمس، لا كيف تكون اليوم وتكوّن لنا الغد.

من العدل أن يُشار إلى عوامل سياسية واقتصادية أسهمت في تأصيل تلك النظرة الاستيعابية التي سعت إلى إدماج فنانين من مجتمعات ما بعد الكولونيالية، كبشير وعازف السيتار الهندي رافي شنكار (1920-2012)، ضمن حداثة أُريد لها في سبعينيات القرن الماضي أن تكون كونية، بغية فتح الكوكب إما أمام عقيدة الاشتراكية جهةَ اليسار، أو أمام الدمقرطة وحرية حركة رأس المال جهة اليمين، تمهيداً لما سيُعرف فيما بعد الحرب الباردة بالعولمة.

ومن المنطقي ضمن السياق ذاته، وإن بإسقاطٍ جازمٍ على الراهن، أن يندر اليوم سماع مواقف مشابهة أو تبني رؤى مماثلة، في زمن يشهد ردّة إزاء العولمة وإرهاصاتها. فتُغلَّب مواقف أكثر محافظةً من العالمية ورؤى أشد ضيقاً حيال الحداثة.

بيد أن السبب الأول والأبرز في أن يصدر هكذا رأي حيال منير بشير عن باحث موسيقي غربي كأولسن إنما يظل هو منير بشير نفسه. إذ لم يكن الأخير أول من استضافته المسارح الغربية ليُمثّل ثقافة "الآخر". قد سبق لعدد من الموسيقيين العرب، وحتى عازفي الآلات منهم، كأمير الكمان المصري من أصل سوري سامي الشوا (1885 - 1965)، وحتى مدرس منير بشير، ومؤسس مدرسة العود العراقية الشريف محيي الدين حيدر (1892 - 1967) أن أحيوا الحفلات في العواصم الكوزموبوليتية الغربية كباريس وبرلين ونيويورك.

إلا أن بشير كان أول من اعتلى الخشبة الأوروبية مُمِثلاً للحداثة بمعناها الإنساني الشامل والعريض؛ بصفته نائباً عن العالمية يعزف مقام العجم والراست والكرد على عود صُنع في بغداد. إذ أن انفتاحه على موسيقى "الآخر" القريب والبعيد وعدم اكتفائه بانفتاح "الآخر" عليه لهو أبرز ما ميّز منير بشير عن مجايليه. انفتاح لم يكن يوماً افتتاناً أو تماهياً، بل ظل توازناً بين العود الشرقي بوصفه المهد والميناء والمرسى، وبين الإبحار بفضول فكري وشجاعة فنية على متن رحلات استقصائية استكشافية جاب بها موسيقات الأرض.

كان لابتعاثه إلى المجر بُغية دراسة التأليف الموسيقي الأثر العميق، من جهة، في فهم الأصول العلمية للموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، ومن جهة ثانية، التعرف إلى التجربة الهنغارية على وجه الخصوص في جمعها وتأصيلها موسيقى الشعوب والإثنيات على تنوعها واختلافها بغية صناعة هوية موسيقية وطنية جامعة تُحسن العبور نحو العالمية، بمواهب ومجهودات موسيقيين وباحثين كبار كبيلا بارتوك (1881 ــ 1945) وسولتان كودالي (1882 ــ 1967).

قابل بشير بين التجربة المجرية مطلع القرن إزاء التنوع الإثني - الثقافي الهائل لمنطقة شرق ووسط أوروبا، مع ذات التنوع في مسقط رأسه الموصل شمالي العراق. إذ كيف لأحدهم وقد كبر في إقليم يعج بالأديان والطوائف واللغات، من عربية، وكردية، وسريانية، وأرمنية، وتركية ألا يُجيد العزف سوى بأسلوب واحد ولغة صوتية واحدة؟ وكأني به يضرب ريشته على واحدٍ من أوتار عوده كل الوقت مُتجاهلاً الخمسة الباقية.

محطة أخرى على طريق الكشف ذهبت به إلى الهند التي تُمثّل بفلسفتها وفنونها امتداداً ثقافياً يكاد أن يكون طبيعياً لآسيا الشرق أوسطية. هناك تزامن رمزٌ حداثي آخر كان قد نبت في تربة محلية ثم أزهر في بيئة العالمية ألا وهو رافي شنكار، أسطورة آلة السيتار الهندية التي تجمعها بالعود صلة القرابة الوترية واستعمال الريشة في العزف.

إلا أن بشير لا يكتفي باستحضار الراغا الهندية على العود، أو محاكاتها ببغائياً. وإنما يصهرها ضمن بوتقته الفردية. يحافظ على أسلوبه الخاص الذي كوّنه بوعي عميق، دونما مقصد بحثي بالضرورة، إزاء الخصائص الجمالية لفنون الخط والعمارة الإسلامية. من زخارف هندسية خطيّة ولولبية تبقى أشد اقتصاداً ومينيمالية قياساً بنظيراتها الهندية والمغولية، إضافة إلى علامة بشير، ألا وهي العزف بالصمت، عن طريق ترك مساحات عدمية تتخلل النغمات، مقتربةً من فضاءات الخط العربي أكثر من تلك التي لنقوش السنسكريتية المُشبعة.

جهة ثالثة لن تُفاجئ السامع المتابع ألا وهي الأندلس جنوبيّ إسبانيا وتراثها الموسيقي الحيّ المعروف بالفلامنكو. إذ يكاد أن يُجمع المؤرخون وعلماء الموزيكولوجيا (علم الموسيقى) على أن للفلامنكو جذوراً تصله بزمان الحكم العربي لشبه الجزيرة الأيبيرية، وأن زرياب (أبو الحسن علي بن نافع الموصلي) بريشة عوده لا بد وأن ضرب في أرضها أول الغرس، ليتناهى الصدى حاضراً في صوت الغيتار.

هنا أيضاً، لا يُعيد منير بشير اختراع الفلامنكو وإنما يُعيد اختراع ذاته باستمرار، عبر سبر ثقافة الآخر التي تربطها صلة تاريخية وثيقة بالأرض التي وُلد ونشأ فيها. يبدو كما لو أنه يسعى إلى تأمل تلك الطريق التي انطلق عليها زرياب من بغداد وعليها جاء محيي الدين عربي إلى دمشق. طريقٌ مرّت بالمغرب والجزائر وتونس والصحراء الليبية، فتسمعه يستعيد أصداء المألوف بمقاماته ذات البُعيدات المرتفعة وزخارفه الغنية النشطة.

من الموصل ثم بغداد، انطلقت رحلة عود منير بشير الاستكشافية في وجهات الأرض الأربع. شرقاً إلى فارس والهند. غرباً جهة بيروت الشام فالأندلس. شمالاً نحو الأناضول والبلقان ووسط أوروبا. جنوباً جهة البصرة والكوفة والخليج العربي. بيد أنه كان لرحلة بشير وجهة أخرى خامسة هي الذات. من ذاته أبحر بشير عبر مضيق مقبض عوده إلى ذات الآخر. صانعاً هويته الفردية الخاصة. صاهراً، داخل قمرة عوده العاري، كلا من المحلية والعالمية في البشيرية.