استمع إلى الملخص
- اشتهر كوروساوا بدمج التراث الياباني مع التأثيرات الغربية، مما ألهم مخرجي هوليوود. تناولت أعماله مواضيع فلسفية وسرديات ملحمية، مثل "راشومون" الذي أثر على السينما العالمية.
- شمل المعرض عروضًا ثنائية لمقارنة أعماله الأصلية مع نظيراتها الغربية، وسلط الضوء على الجانب الإنساني لكوروساوا من خلال رسائله وتجربته مع الإنتاج.
في حدث ثقافي وصف بالضخم، أعاد متحف آي فيلم في أمستردام الاعتبار لإمبراطور السينما اليابانية، أكيرا كوروساوا، في أضخم معرض استعادي يقام للمخرج الياباني في أوروبا حتى الآن.
جاء المعرض الذي يستمر حتى الثالث من سبتمبر/ أيلول المقبل تحت عنوان "عودة أكيرا كوروساوا إلى الشاشة الكبيرة"، في استعادة شاملة لأعمال المخرج الياباني، بعد غياب دام أكثر من 30 عاماً عن دور العرض الهولندية. لذلك، لم تقتصر التظاهرة فقط على عرض عدد كبير من أفلام كوروساوا فحسب، بل شكلت أيضًا احتفاءً متعدد الأبعاد بتأثيراته الفنية والثقافية خارج اليابان.
صحيح أن ركيزة المعرض الأساسية كانت تقديم نسخ مرمّمة رقميًا لأعمال كوروساوا القديمة بدقة 4K، ومن بينها أفلامه الأهم: "راشومون" (1950) و"إيكيرو" (1952) و"الساموراي السبعة" (1954) و"يوجيمبو" (1961) و"هاي آند لو" (1963) وغيرها، إلّا أنه اشتمل أيضًا على مواد ووثائقيات مختلفة تعرض للمرة الأولى، ومن بينها رسومات كوروساوا بالحبر الصيني لتصاميم الأزياء في فيلم "ران" (1985)، وعدد من السيناريوهات التي تحمل صفحاتها تعليقات بخط يده، ومقاطع فيديو نادرة يشرح للممثلين فيها مشاهد من "راشومون"، إضافة إلى عدد كبير من الملصقات الأصلية والنادرة لأفلامه، بعضها من اليابان وبولندا والاتحاد السوفييتي.
عُرف أكيرا كوروساوا (1910 - 1998) بقدرته الفريدة على المزج بين التراث الياباني العريق والتأثيرات الغربية الأدبية والسينمائية. وكان من السينمائيين اليابانيين الأوائل الذين استلهموا أعمالًا أدبية عالمية في أفلامهم، ومنها رواية "الأبله" لفيدور دوستويفسكي، التي قدمها كوروساوا في عمل حمل الاسم نفسه عام 1951. في عام 1975، قدم فيلم "ديرسو أوزالا" الذي اعتمد فيه على كتابات الرحالة الروسي فلاديمير أرسينيف، وحوّل "الملك لير" لشكسبير إلى فيلم "ران" عام 1985، ودمج ذلك كله في سردياته السينمائية ذات الطابع الشعري الملحمي، كما في أفلام "راشومون" و"الساموراي السبعة" و"إيكيرو"، وصولًا إلى أعماله المتأخرة في تسعينيات القرن الماضي.
هذا الأسلوب جعل تأثير كوروساوا يمتد سريعًا خارج اليابان، لنلحظه لاحقًا في لمسات مخرجين هوليوود الكبار، مثل كوبولا وسكورسيزي وتارانتينو وجورج لوكاس وستيفن سبيلبرغ، الذي يصف كوروساوا في أحد الوثائقيات التي يحتويها المعرض قائلًا: "كوروساوا هو شكسبير التصويري في عصرنا"، ليأتي بعده صوت مارتن سكورسيزي يقول: "لم يكن كوروساوا مجرد مخرج، بل فيلسوفًا يحمل كاميرا".
احتفى المعرض بالنسخة المرُممة لفيلم "راشومون" (1950)، وهو العمل الذي أدخل السينما اليابانية إلى الوعي الغربي بعد فوزه بجائزة مهرجان البندقية عام 1951. تناول كوروساوا في "راشومون" جريمة قتل من وجهات نظر متعددة، من دون أن يصل المشاهد إلى الجاني الحقيقي، ما اعتبر لاحقًا أحد أهم الأعمال السينمائية التي فلسفت صعوبة الوصول إلى الحقيقة، مبتكرًا ما يُعرف اليوم بـ"تأثير راشومون". وقد اعتمد فيه كوروساوا على استخدام الكاميرا أداةً سردية، منوّعًا بين زوايا التصوير باستمرار، ومحوّلًا الإضاءة إلى عنصر درامي في حد ذاتها.
شملت التظاهرة أيضًا تنظيم مجموعة من العروض الثنائية التي تتيح للزوار فرصة فريدة للمقارنة بين أعمال كوروساوا الأصلية ونظيراتها التي أعيد إنتاجها في الغرب، ومن بين أبرز هذه الأعمال "الساموراي السبعة" (1954)، الذي أعاد الأميركي جون ستورغس تقديمه عام 1960 بعنوان "العظماء السبعة"، لتتحول ملحمة الساموراي إلى قصة رعاة بقر أميركيين يحمون قرية مكسيكية من قطّاع الطرق.
وخُصّصت حلقة أخرى لاستكشاف الصلة بين فيلم "يوجيمبو" (1961) لكوروساوا من ناحية، وبين فيلمين آخرين، الأول هو "من أجل حفنة دولارات" (1964) للإيطالي سيرجيو ليون، الذي أعاد تجسيد بطل الساموراي المتجول في هيئة راعي بقر غامض. والثاني فيلم "آخر الرجال الصامدين" (1996) للأميركي والتر هيل، إذ تتبدّل بيئة الصراع من اليابان الإقطاعية إلى أميركا في حقبة الكساد، لكن تظل روح الشخصية المركزية حاضرة في العملين الغربيين كما صاغها ورسمها كوروساوا عام 1961: تنشر الفوضى بتكتيكها الذكي، لتكشف هشاشة الهياكل الأخلاقية لدى الخصوم.
أما فيلم "ران"، أحد أعظم أعمال كوروساوا في مرحلته المتأخرة، فجاء عرضه تزامنًا مع إطلاق نسخة جديدة له من إخراج الأميركي سبايك لي، بعنوان Highest 2 Lowest، يؤدّي فيه دِنزل واشنطن الدور الذي جسده توشيرو ميفوني في فيلم كوروساوا عام 1985.
كذلك، لم ينس المعرض الإضاءة على الجانب الإنساني لكوروساوا، فعُرضت رسائل يائسة كتبها في السبعينيات عندما تخلّت عنه شركات الإنتاج، وكاد اليأس يدفعه إلى إنهاء حياته انتحارًا، لكن سرعان ما يعود ظافرًا بفيلم "كاغيموشا" (1980)، الذي أنتجه بمساعدة فرانسيس فورد كوبولا وجورج لوكاس. يقول كوبولا في أحد وثائقيات المعرض: "لم نساعده في إنتاج هذا العمل المهم بدافع الشفقة، بل لأننا كنا تلاميذ أمام أستاذ عظيم".
أيضًا، حظي فيلم "عرق الياقوت" (1963) بمعاملة خاصة، إذ نصبت شاشات تفاعلية تشرح كيف أعاد كوروساوا تعريف فيلم الجريمة، مؤثرًا بذلك على كل شيء في هوليوود، من ثلاثية "العرّاب" لكوبولا إلى أفلام ديفيد فينشر. يستشهد المعرض بما كتبه الناقد روجر إيبرت في مذكراته قائلًا: "في مشهد المطاردة في "عرق الياقوت"، اخترع كوروساوا لغة سينمائية جديدة للتوتر، جعلت كل ما سبقه يبدو قديمًا".
انفرد فيلم "الساموراي السبعة" (1954) بقاعة خاصة هو الآخر، لمكانته السينمائية كونه أحد أهم أفلام المغامرات في تاريخ السينما. لم يقتصر الاحتفاء به على عرضه مرممًا فقط، بل عُرضت دفاتر ملاحظات كوروساوا ورسوماته الأولية لتوزيع اللقطات، وصورًا للكاميرا المحمولة التي استُخدمت لتصوير المعارك الطينية النهائية تحت المطر، وهي من أعقد المشاهد حركيًا، وصُوّرت على مدى أسابيع بكاميرات متعددة وزوايا متقاطعة. كتب كوروساوا في سيرته الذاتية يقول: "لم أكن أريد فقط أن أرى المعركة، أردت أن أشعر بها، وأن تستقبلها أجساد المشاهدين وليس أعينهم فحسب".
نهاية، يأخذنا المعرض إلى أفلام كوروساوا المتأخرة، التي كتبها وأخرجها في عزلته بعد انتحار شقيقه وبعد صدمات متكررة من الوسط السينمائي الياباني والغربي على حد سواء، من "ديرسو أوزالا" الروسي الإنتاج عام 1975، وصولًا إلى "أحلام" (1990)، الفيلم الذي بناه كوروساوا على رؤاه وأحلامه الشخصية، ليرينا الطفل الذي لا يزال يسكنه وهو يحاور فان غوغ في أحد المشاهد، في لقاء سوريالي يترجم عشق كوروساوا للرسم والفن الحديث، هو الذي يقول في سيرته: "أحلامي لا تنتهي باستيقاظي منها، بل تتحول إلى أفلام".