عن كتابةٍ في بلدٍ مُنهارٍ: إنها بيروت يا عزيزي

21 سبتمبر 2020
الصورة
بيروت: أي خراب هذا؟ أي كتابة؟ (STR/فرانس برس/Getty)

البداية، غالباً، تكون أصعب لحظة في الكتابة. هذا ينسحب على أنواع الكتابة، إنْ تكن رأياً أو نقداً أو تحليلاً أو دراسة أو تحقيقاً صحافياً. أحتاجُ إلى وقتٍ كي أعثر على بدايةٍ، وهذا يزداد صعوبة، فالمشهد اللبناني يتفوّق على كلّ وصفٍ لشدّة انهياره وخرابه وموته. السينما فيه مضطربة، تُطلق صرخةً من أجل خلاصٍ منشودٍ لكنّه غائب، فتعطيلها كلّياً واردٌ، كتعطيل الحياة اليومية برمّتها. الجرائم تتكاثر، وبعضها منحصرٌ في بيئاتٍ منغلقة على قبائليّتها، ما يُصعِّب ضبط الوضع للحؤول دون تكرارها؛ وبعضها الآخر متفلّت من كلّ قيد ومحاسبة وعقاب. تداعيات جريمة انفجار مرفأ بيروت (4 أغسطس/ آب 2020) تتفاعل سلبياً، يوماً تلو آخر، فلا شيء مُطمئن لأنّ كلّ شيء مُخيفٌ للغاية.

"من أين أبدأ؟ بماذا أبدأ؟". أسأل ولا إجابة، رغم أنّ فكرة أو مادة أو حكاية أو حالة تحضر في الذات، مُحرِّضةً إياها على الكتابة. وحده الانتظار كفيلٌ بالعثور على مفردةٍ أو تعبيرٍ يُعينان على بدايةِ كتابةٍ تتطلّبها المهنة على الأقلّ، فالكتابات الخاصّة ترفٌ أعجز عن بلوغه معظم الأوقات. الأفلام وفيرة، مع أنّ الصالات مُغلقة. المناسبات السينمائية متنوّعة في الخارج، لكنّ إغلاق المعابر بين دولٍ يحول دون متابعة حيّة، فيكون الافتراضي بديلاً مؤقّتاً، والخشية أنْ يكون مديداً. القضايا مبعثرةٌ هنا وهناك (الفرنسيون أبرع من "يخترع" قضايا لمناقشتها في صحافة ولقاءات وبرامج إذاعية وتلفزيونية)، وبعضها منبثقٌ من راهنٍ يختلط فيه تفشّي وباء، يُسمّى كورونا، بأزمة اقتصادية يعانيها العالم بسبب الوباء أساساً، ويعانيها لبنان بسبب الوباء، وأيضاً بسبب الكمّ الهائل من النهب والفساد وسوء الإدارة وإعلاء شأن القبيلة على الفرد والبلد والدولة والوطن، وهذا أسوأ وأخطر وأكثر أذيّة.

والفرد صامتٌ، فغالبية الأفراد ترتاح إلى منطق القبيلة/ الطائفة وأساليب اشتغالها اللبناني، وهذا أصيل لها أكثر من أيّ شيء آخر، والتجارب المتكرّرة درسٌ لن تُشفى منه، رغم بشاعتها. والبلد مُنهكٌ، فثقافة القبيلة/ الطائفة طاغية، وطغيانها قاسٍ ومؤذٍ؛ والدولة مفقودة، لأنّ الصِّيَغ، التي يُفترض بها أن تُعتَمد لتشكيلها أو لتحسينها، تُلبّي حاجات قبائل وأسيادها، لا متطلّبات دولةٍ وناسها؛ والوطن مُغيَّبٌ، ذاك أنّ التأسيس، قبل مئة عام، مَبنيّ على هشاشة مُفرطة، واحتيال قاتل، وخديعة غير مُحْتَمَلة.

"إغلاق معابر"؟ أيّ تعبير هذا؟ أيّ حربٍ أهلية لبنانية (1975 ـ 1990) متأصّلة في ذواتِ ناجين منها، كأنّ نجاتهم مَعقودةٌ على عيشِ موتٍ يومي منذ نهايتها المزعومة (13 أكتوبر/ تشرين الأول)؟ أيّ مَعبر مفتوح في مدينة أو بلدة أو حيّ أو زاروب، وإنْ تكن المدينة والبلدة والحيّ والزاروب محسوبة على قبيلة، فأبناء القبيلة الواحدة يتقاتلون ويتنابذون، وإنْ تحصل مصالحة، فالمصالحة مؤقّتة، تقتضي كسباً أو تخفيفاً من هزيمة، والكسب والهزيمة مؤقّتان؟

 

 

المعابر مغلقة بين دول، وسبب ذلك غير محصور بالوباء بل منبثقٌ منه، فللسياسة مصالح، وللمتحكّمين بالسياسة أهواء ورغبات، والغرب مليء بمن يُفكّر بمصالح وبمن يشتغل وفقاً لمصالح وبمن يسقط في فِخاخ النهب والفساد وسوء الإدارة، على حساب أناس ومجتمعات ومؤسّسات، مع اختلافٍ "طفيف" يتمثّل بأنّ ملاحقة ومحاسبة تحصلان هناك بحقّ ناهب وفاسد ومُسيء للإدارة، وأبسط الملاحقة والمحاسبة تَنَحٍّ عن منصب، وأعظمها، إنْ يسقط الغطاء عن المُلاحَق لمحاسبته، سجنٌ لأعوام محدّدة، مع رفاهية إقامة ربما. أما هنا، فالملاحقة والمحاسبة تحصلان بحقّ من يُطالِب بمحاكمة ناهب وفاسد ومُسيء للإدارة، فيُهان المُطالِب ويُعذَّب ويُقتَل ويُقمَع، أو يُدفَع دفعاً إلى هجرة خلاصاً من ألمٍ غير مُحتَمَلٍ في "وطن النجوم".

أما اللجوء إلى "فيسبوك"، فيهدف إلى معاينة أحوال أناسٍ يُقيمون في بلدٍ ممزّق، لعلّها (المعاينة) تُتيح كتابةً تهتمّ براهنٍ محطّم، فتقول غضباً وألماً لن يُشفى أي منهما بكتابة أو ببقاء أو بمنفى أو بعزلةٍ. اللجوء إلى "فيسبوك" يكشف بعض ما يحصل، ويقول بعض انفعالٍ لأفرادٍ يريدون تعبيراً متفلّتاً من كلّ قيدٍ، فيكون مصير قلّة منهم استدعاءً لتحقيق غير مبنيّ على قانون أو قواعد واضحة، أو مطاردة وضرباً وتأنيباً وتعنيفاً.

بعض ما يحصل في "فيسبوك" قاسٍ ومؤذٍ، والحاصل متأتٍّ من يومياتٍ لبنانية غير متناهية، يعكس شيئاً كثيراً من مرارةِ واقعٍ وألمِ عيشٍ: أناسٌ يودّعون معارف ويرثون أصدقاء وصديقات ويقولون وجعاً وغضباً في رحيل أحبّة، وفي جرائم قتل ضحاياها "من عمر الورد". والمغادرون إلى ما بعد الحياة مراهقون ومراهقات وشبابٌ وشابات، كأنّ العمر ضيّقٌ عليهم وعليهنّ؛ أو كأنّ المسافة الأخيرة في بلدٍ مُنهار، التي يتوهّمون أنها لهم ولهنّ، غير قابلة لا لهم ولا لهنّ؛ أو كأنّ الذين يودّعون ويرثون ويقولون، في ما يفعلون، يكشفون أبشع أنواع المهانة في الانهيار الأخير. رحيل هؤلاء ـ وغالبيّتهم الساحقة مراهقون ومراهقات وشبابٌ وشابات، وأسبابُ الموت كثيرة، لكنّ الطبيعي منها نادرٌ أو غائب ـ يُذكّر بأعوامِ تلك الحرب الأهلية، التي يُغادرها هؤلاء إلى قبرٍ أو عدمٍ أو ترابٍ، أو ربما إلى هجرةٍ أو منفى.

هذا قاسٍ ومؤذٍ. كأنّ شيئاً لم يتغيّر، وهذا أيضاً قاسٍ ومؤذٍ. أفتكون هذه لعنة أم قدراً، أم مجرّد صدفة تاريخ وجغرافيا (كما يقولون)، وهذا أبشع وأعنف وأقسى وأكثر أذيّة؟ غالب الظنّ، أنْ لا الكتابة ولا التساؤلات ولا القلق ولا الخروج متمكّنة كلّها، أو أيّ منها، من إجابةٍ. فكلّ شيء معلَّق، وكلّ شيء ملتبس، وكلّ شيء مفتوح على معلَّق وملتبس، في خطوط معقّدة ومتداخلة وغامضة.

إنّها بيروت يا عزيزي.