عن تكاثر أفلام سِيَر ومهرجانات عربية: لن تكون كلّ زيادة مهمّة وضرورية سينمائياً
استمع إلى الملخص
- الأفلام الوثائقية تُظهر كيف يمكن للسِيَر الذاتية أن تكون وسيلة للتعبير عن التجارب الشخصية والبحث عن إجابات للأسئلة العميقة، رغم التحديات في تقديم حكاية بصرية مقنعة.
- تثير النسخة الأولى من المهرجان تساؤلات حول وفرة المهرجانات السينمائية العربية وتداخل مواعيدها، مما يؤثر على فرص عرض الأفلام ويدعو للتفكير النقدي في تنظيمها.
مسألتان تُستَلاّن من النسخة الأولى (20 ـ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان الدوحة السينمائي: أفلام سير ذاتية وحياتية، تتعلّق بالمخرج/المخرجة مباشرة، فيكون السرد التوثيقي انعكاساً لاختبارات شخصية، أو مرايا شفّافة تُعرّي بعض العام عبر الذاتي/الشخصي؛ وتداخل مواعيد الدورات السنوية لمهرجانات سينمائية عربية دولية، إذْ تُقام غالبيتها في الربع الأخير من كل عام، في مدن عربية عدّة.
(*) السِيَر الذاتية والحياتية: إنّها مُحرِّكٌ للبحث في مسائل الذاكرة والتاريخ والعلاقات والوقائع والهويات والانتماءات، وحيّزٌ لبوح يقوله مخرج/مخرجة إزاء أب أو أم أو عم تحديداً، وبعض هؤلاء يختفي، قسراً غالباً، فتتشوّه العلاقة بينه وبين الابن/الابنة. فيلمان وثائقيان أساسيان يُعرضان في النسخة الأولى لمهرجان الدوحة: "بابا والقذافي" لجيهان ك. (المسابقة الدولية للأفلام الطويلة)، و"حوا" للأفغانية نجيبة نوري (خارج المسابقة).
بعيداً عن النقد، يُؤكّد الفيلمان، اللذان تُخرجهما امرأتان شابتان، كلّ بأسلوبها ونغمتها وقناعة صانعته، أنّ السيرة، الذاتية أو الحياتية (تتداخل إحداهما بالأخرى غالباً)، تعكس حالة فردية، وعبرها أو معها تنبش في ذاكرة أو راهن جماعيين. فالفيلمان منبثقان من رغبتين تتشابه إحداهما مع الأخرى في سعيهما إلى فهم الحاصل عبر توثيقه، إمّا بنبش الماضي، وللراهن دورٌ في ذاك النبش (بابا والقذافي)، وإمّا بتوثيق اللحظات الحياتية، في مسارٍ عامٍ سيكون متقلّباً وخطراً، في بلدٍ يعاني حروباً وأزمات خانقة منذ سنين مديدة (حوا).
نبش الماضي منبثقٌ من رغبة جيهان في التعرّف إلى والدها، وإنْ بعد سنين، فغيابه عنّها (عام 1993، يُختطف منصور الكيخيا، الديبلوماسي الليبي ثم المعارض السلمي لمعمر القذافي، في القاهرة، ويُعثر على جثته مجمّدة في ثلاجة بعد 12 عاماً) قاسٍ، وعدم معرفتها إياه أقسى، واكتشاف الجثة دافعٌ أخير إلى تحقيق تلك الرغبة. أمّا توثيق اللحظات الراهنة، فمتأتٍ من وهم سلمٍ مبثوث في يوميات الناس، في أفغانستان "الأميركية"، قبل مغادرة الجيش الأميركي بلد طالبان لمصلحة الحركة، فتسقط كابول مجدّداً في ظلام التاريخ وبؤس الجغرافيا والاجتماع.
إذاً، هناك حاجة إلى إنجاز أفلامٍ، وثائقية عادة، تقول حيوات شخصيات، عامة أو غير عامة، لكنها مرتبطة بمخرج/مخرجة، فيقولان هذه الحيوات بنظرة ذاتية. وهما (المخرج/المخرجة) يجدان في هذا النوع من الأفلام ملاذاً لبوح ذاتي، ومساحة لكشف مخبّأ، وحيزاً للعثور على إجابات، إنْ يُمكن لفيلمٍ أنْ يعثر على إجابات شافية. رغم هذا، سيكون كلّ فيلمٍ نوعاً من تنفيسٍ مطلوب لاحتقان أو غضب أو تساؤلات (صامتة غالباً). مع هذا، ليس ضرورياً أنْ تكون "كلّ" أفلام السِيَر متمكّنة من إبداع الصورة، وتوليف المواد في حكاية بصرية مُقنعة وصادقة، جمالياً وفنياً ودرامياً، وإنسانياً أيضاً.
(*) مع أول نسخة من مهرجان الدوحة، يُعاد طرح سؤال وفرة المهرجانات السينمائية العربية، التي بمعظمها تكون دولية، وتنظيم دوراتها السنوية حاصلٌ في الربع الأخير من كل عام. وفرة غير محتملة، وتداخل في المواعيد يُرهق سينمائيين وسينمائيات، لهم/لهنّ أفلام مُثيرة لتنبّه غربيّ، جوائز ونقاشات، ما يستدعي الحصول على حقوق عرضها في مهرجانات عربية.
هذا التداخل في المواعيد غير صالحٍ لأحد، والكثرة غير مُفيدة دائماً. فهل هناك إمكانية للبحث في كيفية ترتيب أمور المهرجانات، في عالمٍ عربيّ يتهاوى بضربات أزمات لامتناهية؟
تساؤل كهذا يولّد أسئلة كثيرة، والمطروح باختصار هنا دعوة إلى التفكير النقدي في مسألة مهمّة.