استمع إلى الملخص
- تكريمات مثيرة للجدل تشمل الممثلة نادية الجندي والممثل غسان مسعود، مما يثير نقاشًا حول معايير الاختيار ودور الفن في التعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية.
- يواجه المهرجان تحديات إعلامية وتنظيمية، مثل تقديم بلال العربي للحفل وافتقار الإبداع في تصميم الحفلات، لكنه يظل فرصة للقاءات مثمرة بين السينمائيين.
افتتاح دورة جديدة لمهرجان وهران الدولي للفيلم العربي (الجزائر) يُثير تساؤلات. الانفضاض عن حفلات الافتتاح والختام قرارٌ واعٍ بالابتعاد عن الرسميّ والاستعراضي، من أجل عزلةٍ، تساهم في التحضير للمُشاهدة، وللقاء أصدقاء وصديقات في صالة، أو بين عرضين، أو في سهرة لن تخلو من نمائم، إلى نقاش في أمور عدّة، ستكون السينما أساسية فيها، لكنّها لن تكون الوحيدة. الانفضاض مردّه إسرافٌ في كلام عام، يمتلئ غالباً بتبجيل وتسابق على ريادات، إلى تكريمات، لا دافع سينمائياً بحتاً لها، لاكتفاءٍ بنجومية تفتقد، أحياناً، اشتغالاً مُثيراً لاهتمام ومتابعة.
في وهران، يؤكّد حضور افتتاح الدورة 13 (30 أكتوبر/تشرين الأول ـ 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجانها شعوراً قديماً بأهمية التغيّب عن حفلات كتلك، وحضور بعضها سابقاً يتجاوز القرار. فالزحمة خانقة، خصوصاً أنّ مدعوين ومدعوات كثيرين لا علاقة لهم/لهنّ بالفن السابع، وأنّ ضيوفاً من العاملين/العاملات في صناعة السينما يمتلكون براعة الثرثرة علناً، والإسراف في التملّق والكلام العام عن بلدٍ وشعبٍ، وعن ذات وعلاقتها بهما، وهذا نافرٌ وغير مُقنع لشدّة ما فيه من تصنّع. والأسوأ أنْ لا سبب لتكريم فنانة مصرية، في حفلة الافتتاح نفسها، فالمُكرّمة شبه غائبة عن العمل الفني، وحضورها السابق انعكاس لفراغٍ من نوع آخر، يتمثّل بغياب الإبداع الأدائي في أفلامٍ، بعضها يطرح مسائل حسّاسة، علماً أنّ تاريخها محمَّل بأفلامٍ سيئة، والعاديّ بينها نادرٌ، والأهم جمالياً وفنياً ودرامياً أقلّ من النادر، إنْ توجد أفلامٌ كهذه في تاريخها المهني.
والمُكرَّمة غير متردّدة في مدح ذاتها، فهذا جزءٌ من تشاوفٍ يستند إلى لا شيءٍ، تقريباً، في اشتغالها بسينما بلدها. والكلام، إذ يطول قليلاً، يُقال في كلّ مناسبة، لما فيه من عموميات تصلح لإعلانها في أي حفلة شبيهة. اختيار الممثلة المصرية نادية الجندي (1946) لتكريمها يطرح تساؤلات: أي سبب مُقنع يمكن سوقه في تكريمها؟ سيرتها السينمائية؟ نشاطها الفني؟ حيويتها الأدائية؟ شخصياتها السينمائية؟ مواضيع أفلامها، وآليات معالجاتها الدرامية؟ تتسلّم تمثال التكريم، وتُلقي كلاماً عاماً عن حبّ الجزائر، وتاريخ الجزائر، وجميلة بوحيرد، فتعلن فخرها بالتمثيل في فيلمٍ عنها، سيكون "جميلة" (1958) ليوسف شاهين، ما يوهم حضوراً بأنّ مشاركتها هذه متمثّلة بجميلة بوحيرد نفسها، التي تؤدّي دورَها الرائعةُ ماجدة.
لكنّ مفردتين اثنتين للجندي نفسها ستكونان أول ذكرٍ لفلسطين في حفلة الافتتاح تلك، رغم أنّ الدورة 13 هذه تُنظّم برنامجاً عنها بعنوان "فلسطين إلى الأبد". فبعد كلامٍ عامٍ، تُعلن تمنياتها بأن تولد قريباً "دولة فلسطينية"، وهذا تمنٍّ مشكور، رغم أنّ في نبرة إعلانه تسطيحاً ولامبالاة. ومع أنّ فلسطين تحضر، بأشكال مختلفة، في مهرجانات سينمائية عربية ودولية عدّة، في الأشهر الماضية على الأقل، يبقى حضورها في ذاك الافتتاح باهتٌ، بل عاديّ للغاية. فلسطين نفسها غير غائبة عن كلمة السوري غسان مسعود (1958)، المُكرَّم الثاني في حفلة الافتتاح، إذْ يذكر شيئاً منها وعنها، في كلمة يُقدِّمها بالقول إنّه غير راغبٍ في كلام كثير، فتكون كلمته مكثّفة إلى حدّ ما.
غير أنّ مُقدِّم الحفلة، بلال العربي (إعلامي تلفزيوني جزائري)، غارقٌ في نبرة تلفزيونية يُتقنها جيداً، لكنّها غير لائقةٍ بافتتاح مهرجان سينمائي، مختصّ بالسينما العربية، التي يحضر بعض ماضيها في برامج مرافقة للمسابقات. هذا جزءٌ من لعبة إعلامية، يحتاج إليها مهرجان سينمائي يُقام في بلدٍ عربي. "لا بأس"، يقول صديقٌ، تعليقاً على الحفلة برمّتها، التي سيطرح فيها العربي ذاك السؤال غير المتوافق مع لحظة احتفالية كهذه، تتطلّب سلاسةً وبساطة واختصاراً، بينما يحتاج السؤال إلى نقاشٍ متنوّع الأشكال. فقبيل نهاية الحفلة، يطرح سؤالاً عن موقع المرأة العربية في السينما الراهنة، موجّهاً إياه إلى عاملات في السينما العربية، أمثال اللبنانية تقلا شمعون، والتونسية درة رزوق، والجزائرية شهرزاد، واليمنية خديجة السلامي، وغيرهنّ. الغالب يكمن في كلامٍ عن الذات أولاً، وعن السعادة التي تشعر بها كلّ منهنّ في وهران ثانياً، قبل نطقهنّ كلاماً عاماً، وبعضه خارج السؤال أساساً.
تصميم حفلتي الافتتاح والختام وإخراجهما، في المهرجانات السينمائية، فنٌّ مستقلّ، يتطلّب إبداعاً وتقنيات وميزانيات، لا استعراضات كلامية غير مُدركةٍ (كثيراً أو قليلاً) معنى السينما ومتطلّباتها. المؤسف أنّ الغالبية الساحقة من المهرجانات السينمائية العربية تفتقد هذا الفن ومبدعيه ومبدعاته، تماماً كافتقادها فنّ الملصق ومبدعيه ومبدعاته. لكنْ، "لا بأس" مجدّداً. فقاعة الافتتاح، المتّسعة لعشرات المدعوين والمدعوات، تتحوّل إلى خلية نابضة بحيوية واستماعٍ، خصوصاً مع إطلالة المغنية الجزائرية رجاء مزيان، في لحظتين اثنتين، لغناء القليل جداً من أعمالها، هي القادمة إلى وهران، في افتتاح دورة جديدة لمهرجانها السينمائي السنوي، بعد 10 أعوام من مغاردة البلد.
غير أنّ الأهمّ والأجمل، إلى لقاءات تعارف مع سينمائيين وسينمائيات، ومشاهدة بعض جديد السينما العربية، أقلّه في اليومين الأولين، أنّ عاملين وعاملات في المهرجان (بعضهم/بعضهنّ متطوّعون ومتطوّعات) حرصاء على راحة ضيوفٍ، يأتون إلى وهران من دول عربية وغربية مختلفة. وهذا كافٍ.