عن إيهام تمثيلٍ باستجابته واقعاً

13 يناير 2025   |  آخر تحديث: 09:57 (توقيت القدس)
"بنات ألفة" لكوثر بن هنية: لا فواصل بين تمثيل وواقع (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- "بنات ألفة" لكوثر بن هنيّة يطرح تساؤلات حول إلغاء الفواصل بين التمثيل والواقع، ويستكشف مدى مصداقية التخلّي عن النوع السينمائي في مقاربة واقع مليء بالألم، حيث يشارك ممثلون وشخصيات حقيقية في سرد حكاية واقعية.

- الفيلم يعرض في "شاشات الواقع" ببيروت، ويستند إلى قصة حقيقية عن أم تونسية تواجه مصابًا كبيرًا بعد التحاق ابنتيها بتنظيم داعش، مما يثير تساؤلات حول قدرة التمثيل على تجسيد الألم الواقعي.

- خروج مجد مستورة من الكادر يعكس تحديات التمثيل أمام ثقل الشخصية الحقيقية، ويؤكد أن التمثيل مهنة تتطلب توازنًا بين الفن والواقع.

يطرح "بنات ألفة" للتونسية كوثر بن هنيّة، المعروض أولاً في مسابقة الدورة الـ76 (16 ـ 27 مايو/أيار 2023) لمهرجان "كانّ"، مسألةً سينمائية: إلغاء كلّ فاصلٍ بين تمثيل وواقع، واهتمامٌ أعمق بإنجاز فيلمٍ سينمائي، لن يكون مهمّاً تحديده بنوعٍ ما (روائي، وثائقي). القصة مستلّة من واقعٍ، ومعنيّات به يحضرن فيها شخصياً، إلى جانب ممثلةٍ، تكاد تُلغي التمثيل، فنّاً وبوحاً وأدوات تعبير، في تأديتها إحدى شخصيات الواقع نفسه. هناك ممثلٌ يُفترض به أنْ "يمارس" الفعل الذي تمارسه الممثلة: يتجاوز فعل التمثيل إلى الحالة البشرية الواقعية، لكنّه يصطدم بثقلٍ أخلاقي وبشريّ وانفعاليّ في الشخصية الواقعية، ما يدفعه إلى الانتفاض على الكاميرا، والخروج من الكادر.

"بنات ألفة"، المعروض أمس الأحد (12/ 1/ 2025) في النسخة الـ19 (10 ـ 21 يناير/كانون الثاني 2025) لـ"شاشات الواقع: لقاء بيروت للفيلم الوثائقي"، يتساءل ضمنياً عن مدى مصداقية التخلّي المطلق (أمْ أنّه شبه مطلق؟) عن النوع السينمائي، في مقاربة واقعٍ، فيه ألمٌ كثير. يتساءل أيضاً عن مدى تحمّل الممثل/الممثلة ذاك الألم الذي تعيشه الشخصية، أو يختبره الواقع، أو تعانيه الجماعة. يتساءل عن مدى قدرة التمثيل على إيهامٍ (فني؟ ثقافي؟ جمالي؟) بأنّ كلّ فعلٍ، يُظَنّ أنّه واقعيّ، يكون تمثيلاً بحتاً.

ألا يُمكن اعتبار خروج مجد مستورة (دور الأب/الرجل) من الكادر، لأنّه عاجزٌ عن احتمال ضغط اللحظة التي يعيشها بسبب الشخصية الحقيقية، تمثيلاً يتوافق ورغبة كوثر بن هنيّة في جعل "بنات ألفة" تمريناً على اشتغالٍ مختلف في سرد حكاية واقعية؟ خروج مستورة من الكادر (التمثيل)، بسبب حالةٍ نفسية (واقع/حقيقة)، يُمكن أنْ يكون تمثيلاً أيضاً، يؤكّد (هذا التمثيل) أنّ التمثيل مهنةٌ فقط. ألن يكون حوار هند صبري (ألفة) مع ألفة حمروني (الأمّ)، في لقطات كثيرة، تمثيلاً يؤكّد بدوره أنّ التمثيل مهنة فقط، والباقي "ادّعاءات" (فنية؟ جمالية؟ أمْ مجرّد ادّعاءات؟) بسطوة الشخصية الحقيقية على شخص الممثل/الممثلة وانفعاله وتفكيره؟

هذه تساؤلات لا أكثر، تُحرِّض السينما الوثائقية على طرحها، من دون التغاضي عن جوانب أخرى في الصنيع الوثائقي البصري. "بنات ألفة" يستعيد حاصلاً في تونس، يتمثّل بمُصابٍ يحلّ على ألفة حمروني، بسبب التحاق ابنتين من بناتها الأربع بتنظيم داعش. الشقيقتان الباقيتان (آية وتيسير شيخاوي) مع والدتهما تُشاركان، كالأم، في الفيلم، مع الممثلتين نور كراوي وإشراق مطر في دوري رحمة وغفران الداعشيتين. تمثيل شخصية حقيقية غائبة يحتاج إلى مُعينٍ تُقدّمه شخصية حقيقية حاضرة. هذا بدوره تمرينٌ أمام الكاميرا على مهنةٍ تختبر شيئاً من اختلاف في اشتغالها.

المُصاب كبير، بالنسبة إلى أمّ تُصطدم باختفاء ابنتيها الكبيرتين، وتُصطدم أيضاً عند معرفتها بالتحاقهما بداعش. تعود الابنتان (هناك تسجيلات بصرية لعودتهما يُظهرها الفيلم)، إحداهما رفقة ابنةٍ صغيرة. هذا حقيقيّ كلّياً، ومعه يستحيل استكمال تمرينٍ على نقاشٍ كالسابق، قابلٍ لمزيد من نقاشٍ.

المساهمون