استمع إلى الملخص
- واجه سليم تحديات في معهد الكونسيرفتوار، حيث اعتمد على التدوين السمعي وطور تقنيات لتعويض غياب الربع تون في البيانو، مما أتاح له تقديم الموسيقى الشرقية بروحها الأصيلة، وخلق تجربة فريدة مع المطرب مدحت صالح.
- يمتد دور سليم إلى التأليف والتوزيع الموسيقي، حيث يبرز في صياغة الدراما الموسيقية والموسيقى التصويرية، ويعتبر سفيراً ثقافياً في المهرجانات الدولية، مقدماً الموسيقى الشرقية بروحها الأصيلة.
في عالم الموسيقى، يُقال إنّ الأذن هي مرآة الروح، لكن في حالة الموسيقي المصري عمرو سليم تتجاوز الأذن وظيفتها العضوية لتصبح راداراً وجودياً يرسم لصاحبه ملامح الكون. قصة سليم مع البيانو تتجاوز أن تكون حكاية عازف تحدى فقدان البصر، لتصبح تجربة فلسفية في كيفية إعادة صياغة الواقع عبر التردّدات الصوتية، إذ يتحول العجز المتوهم إلى امتياز حسي يجعل صاحبه يرى ما لا يراه المبصرون.
امتلك سليم ما يُعرف علمياً بالأذن المطلقة، وهي هبة نادرة تمكنه من تحديد درجة أي صوت يسمعه وتسميته موسيقياً من دون مرجع. حتى أصوات قطرات المطر، صرير الأبواب، أو رنين المعادن، لا تشكل مجرد ضوضاء عابرة، وإنما هي نوتات تدخل في نسيج ذاكرته الموسيقية.
هذا الامتياز جعل من خياله استوديو لا يتوقف؛ فهو لا يحتاج إلى ورقة وقلم (نوتة موسيقية) ليرتب ألحانه، بل يبني قصوراً من النغم في عقله، ثم ينقلها بدقة مذهلة إلى أصابعه. مع العازف المبصر، تعتمد الحركة على المسافة المرئية بين المفاتيح البيضاء والسوداء. ومع سليم، فإنّ لوحة مفاتيح البيانو تمثل جغرافيا حسية.
لقد خلق علاقة عصبية-عضلية مع الآلة، إذ أصبحت المسافات بين الأوكتافات محفوظة في ذاكرة عضلات يديه بدقة ملّيمترية، ومن المذهل مراقبة قفزاته على البيانو من أقصى اليمين (الجوابات الحادة) إلى أقصى اليسار (القرارات الغليظة) من دون خطأ واحد، ما يعكس ثباتاً نفسياً واتصالاً روحياً كاملاً بكيان الآلة. إنه لا يلمس المفاتيح ليضغطها فحسب، بل يتحسّس روح النغمة؛ لذا تجد لمسته على البيانو دافئة وليست ميكانيكية، لأنه يعوض غياب الرؤية بزيادة التركيز الشعوري في أطراف أنامله.
عندما التحق عمرو سليم بمعهد الكونسيرفتوار، أواخر السبعينيات، لم تكن المناهج مصمّمة بالكامل للمكفوفين، فكان عليه أن يبذل جهداً مضاعفاً. اعتمد سليم على التدوين السمعي؛ فبينما يقرأ زملاؤه النوتة بأعينهم، كان هو يقرأها بقلبه وأذنه من خلال سماع المقطوعات العالمية المعقدة لباخ وبيتهوفن وشوبان، وتحليلها ذهنياً إلى أجزائها الأولية ثم إعادة تركيبها على الآلة. هذا النوع من التعلم خلق لديه قدرة تحليلية كبيرة، جعلته لا يحفظ المقطوعة فحسب، بل يفهم المنطق الذي بُنيت عليه.
ولأنّ البيانو آلة ثابتة الدوزان ولا تحتوي على مفاتيح للمقامات الشرقية الناقصة، اعتمد سليم على فلسفة الإيحاء النغمي، يستخدم الرجل تكنيكات (الأكوردات) الموازية والزخارف السريعة (Ornaments) لتعويض غياب الربع تون. هو لا يعزف النغمة الناقصة فيزيائياً، بل يجعل المتلقي يسمعها شعورياً من خلال طريقة الهجوم على المفتاح والانتقال الانسيابي بين النغمات المجاورة.
في تقاسيمه، لا يتعامل مع البيانو كما لو أنه آلة مطرقة، بل يحاكي بها ريشة العود أو عُرب القانون. تجد أصابعه تنساب في حليات (Trills) سريعة ومعقدة تمنح المستمع إيحاءً بأن الآلة قد تم تطويعها لتصبح آلة تخت شرقي أصيل.
في أعماله لإعادة إحياء تراث سيد درويش أو عبد الوهاب، يضع سليم قواعد اشتباك فنية؛ فيظل الميلودي (اللحن الأساسي) شرقياً خالصاً بكل شجنه وزخارفه، بينما تتحرك اليد اليسرى بخلفيات هارمونية تذكر المستمعين بموسيقى عصر النهضة أحياناً، أو الجاز أحياناً أخرى، ما يخلق حالة من المثاقفة الموسيقية الواعية.
وفي معالجاته لموسيقى بليغ حمدي، يحول سليم البيانو من آلة مرافقة إلى راوٍ. هو يدرك أن الأذن المصرية تعشق التطريب، لذا يبتعد عن البرود الأكاديمي الغربي ويمنح النغمات نَفساً بشريا يكاد يقترب من بحة صوت المطرب.
نزل سليم بالبيانو إلى الشارع الموسيقي المصري. عندما يعزف "يا مسافر وحدك" أو "تمر حنة"، يشعر المستمع البسيط أن هذه الآلة الضخمة أصبحت قريبة من روحه، وكأنها تربت على كتفه بلحن مألوف، لأن العازف نجح في إيجاد منطقة وسطى تجذب أذن المثقف الموسيقي الذي يبحث عن البناء الهارموني المعقد، وفي الوقت نفسه تجذب المستمع العادي الذي يبحث عن السلطنة والنشوة الطربية.
في تاريخ الموسيقى العربية، ارتبطت أسماء مطربين بملحنين، لكن نادراً ما ارتبط اسم مطرب بعازف بيانو لدرجة تجعل الجمهور يشعر بنقص ما إذا غاب أحدهما عن الخشبة. إن العلاقة بين المطرب مدحت صالح وعمرو سليم ليست مجرد علاقة نجم بعازف، وإنما هي حالة من الانصهار نجحت في إدخال تعديلات جوهرية على شكل الحفلة الحية في مصر، وما يحدث بين سليم وصالح على المسرح يتجاوز حدود البروفات المسبقة.
إنه نوع من التخاطر الموسيقي (Musical Telepathy)، يستطيع سليم أن يتوقع القفلات الطربية لصالح قبل أن تخرج من حنجرته. عندما يقرر صالح أن يرتجل عُربة أو يغير مسار اللحن بناءً على تفاعل الجمهور، تجد أصابع عمرو سليم قد سبقت صوته لتمهد له الطريق الجديد، من دون أن يشعر المستمع بأي نشاز أو ارتباك. يقول صالح إنه يشعر بـ"الأمان" حين يلمح عمرو سليم خلف البيانو.
هذا الأمان نابع من قدرة العازف على امتصاص أي خطأ أو خروج عن الإيقاع وتحويله بذكاء إلى إبداع مقصود. وعندما يغني صالح لليلى مراد أو عبد الوهاب بمصاحبة بيانو سليم، فإنهما ينزعان عن الأغنية غبار الزمن. يعيد سليم توزيع الأغنية لحظياً، فيستبدل بالآلات الوترية الكثيرة هارمونيات ذكية على البيانو، تجعل الأغنية تبدو وكأنها كُتبت اليوم.
يتعامل عمرو سليم مع أعمال الرواد (السنباطي، عبد الوهاب، بليغ) بمنطق المرمم البارع. هو يدرك أن سر خلود هذه الألحان يكمن في الجملة اللحنية، وليس في التوزيع القديم الذي قد لا تستسيغه أذن الجيل الجديد، وفي معالجاته، ينبش في ثنايا الأغنية عن جمل موسيقية صغيرة (Licks) ربما كانت مدفونة خلف ضجيج الآلات الوترية في التسجيلات القديمة، ويجعلها بطلاً للحوار الموسيقي على البيانو.
يتقمص سليم في حفلاته، دور المحاضر من دون أن يتكلم. هو يثبت للشباب أن البيانو يمكن أن يكون ممتعاً وأكثر حيوية من الإيقاعات المصطنعة، وأن السلطنة يمكن أن تأتي من جملة موسيقية رصينة ومتقنة. ومن خلال إصراره على عزف الألحان التراثية الصعبة، فإنه يحافظ على الذائقة الجمعية للجمهور من الانحدار، ويذكر الأذن المصرية بهويتها المقاماتية الأصيلة.
وعندما ينتقل من مقام إلى مقام، فإنه يفعل ذلك بمنطق تاريخي، وكأنه يربط بين عصر سيد درويش وعصر كمال الطويل في جملة موسيقية واحدة. هو يمنح المستمع مفتاحاً لفهم عبقرية الملحنين القدامى، من خلال تبسيط التعقيد وإبراز الجمال الصافي.
خلف مهارة العزف المنفرد والمصاحبة الغنائية، يكمن وجه آخر لعمرو سليم وهو المؤلف والموزع الموسيقي، فهو لا يتعامل مع البيانو باعتباره آلة تعيد إنتاج الألحان، ولكن يرى فيه قدرة فائقة على صياغة الدراما عبر النغمات، سواء في أعماله المستقلة أو في الموسيقى التصويرية والتوزيع.
لا يكتفي سليم بوضع جمل موسيقية جميلة، بل يبني هيكلاً موسيقياً يظهر قدرته على إدارة الصراع الدرامي داخل المقطوعة، فيبدأ بهدوء يلامس الصمت، ثم يتصاعد تدريجياً ليشحن المستمع بحالة شعورية مكثفة، وكأنه يكتب "سيناريو" سينمائياً بالأصوات، ويستخدم البيانو ليعبر عن الحالة النفسية للأبطال، فالنغمة عنده ليست مجرد تردد صوّت، بل هي دمعة أو ضحكة أو لحظة تأمل.
في عالم الموسيقى التصويرية المصرية، يمثل عمرو سليم مدرسة السهل الممتنع. هو لا يميل إلى الضجيج أو استخدام الآلات كثيرة، بل يثق في قوة الصدق الموسيقي. تبرع موسيقاه في التعبير عن المشاعر التي لا تستطيع الشخصيات نطقها؛ الحزن الدفين، الحنين للماضي، أو الأمل المنكسر. هذا النوع من التأليف النفسي هو ما يميز المبدعين الذين يمتلكون بصيرة تتجاوز مجرد الحرفة.
لا ريب أن سليم ترك بموسيقاه التصويرية علامات بارزة في الوجدان المصري المعاصر، والمشاهد يتذكّر موسيقى فيلم "الوزير جاي" 1986، أو موسيقى فيلم "الهروب إلى القمة" عام 1996، أو موسيقى مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" عام 1996، أو مسلسل "ذئاب الجبل" عام 1999 وغيرها من الأعمال التي انطبعت في الذاكرة المصرية المعاصرة.
لا يمكن حصر تجربة عمرو سليم داخل حدود دار الأوبرا المصرية فحسب؛ بل إنّ خروجه بالبيانو إلى المسارح العالمية (من قرطاج إلى باريس، ومن بيروت إلى واشنطن) قد منحه صفة السفير الثقافي. في المهرجانات الدولية، غالباً ما يتوقع الجمهور الغربي من العازف الشرقي أن يأتي بآلة إثنية (كالعود أو القانون). لكن وقوف عمرو سليم أمام البيانو ليعزف عليها ألحان سيد درويش وعبد الوهاب بروح شرقية خالصة، كان يمثل صدمة إيجابية وانبهاراً تقنياً.