علي عسكري (2/ 2): "الحقيقة غير الكاملة مرويّة بأسلوب سينمائي"

17 يناير 2025   |  آخر تحديث: 09:39 (توقيت القدس)
علي عسكري: مهمّ لي أن يُشاهد الجمهور أياً كان أفلامي (زونينو تشيلّوتو/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه المخرج علي رضا خاتمي تحديات مع الرقابة الإيرانية، مما دفعه لتصوير فيلم بميزانية منخفضة وبدون موافقة، مركزًا على العلاقة بين المواطن والمسؤول.
- الفيلم مستوحى من الشعر الفارسي ويستخدم أسلوب "المناظرة"، مقدماً نقداً ساخراً للنظام الإيراني، ويعكس الواقع بطريقة غروتسكية، مما يثير ردود فعل متباينة.
- السينما المستقلة في إيران تواجه صعوبات كبيرة بسبب الضغوط الحكومية، لكن المخرج يصر على تقديم أفلام تعبر عن الواقع الإنساني، رغم المخاطر التي يواجهها.

 

(*) هناك حلقة في "آيات أرضية" عن هذه الفكرة مع مخرج يحاور الرقابة.

تماماً. إنّه مشهد مخرج مع مسؤول الرقابة الذي يُكرّر أنّه لا يُمكن قتل الأب. لكنّه قال له: إذا لم نقتله، كيف نُبرّر غيابه في السيناريو؟ الردّ: يمكنه الذهاب في رحلة. لكنْ، كيف نُبرّر عدم اتصاله بعائلته؟ أجاب: يُمكنه السفر من دون إعلام أحد. النقاش في الفيلم جرى حقيقةً مع الرقابة. لدى علي (علي رضا خاتمي الذي أخرج "آيات أرضية" معه ـ المحرّرة) أسبوعان قبل عودته إلى كندا. شعر بالحزن والخيبة لعدم تمكّنه من صنع فيلمه. اقترحتُ فيلماً آخر بميزانية قليلة، والتصوير في الداخل، ومن دون موافقة الرقابة. لديّ أفكار لأفلامٍ قصيرة، شرحتها له ولم يكن مهتمّاً في البدء، ثم غيّر رأيه بعد سماع ما لديّ من نصوص. صوّرنا ثلاث حلقات في عشرة أيام. ثم تابعنا الكتابة بعد سفره، وأخرجت الحلقات المتبقية.

 

(*) هكذا تردّ على سؤالي عن سبب اختيارك هذا الأسلوب، أي تقسيم "آيات أرضية" إلى تسعة أفلام قصيرة، يجمعها رابط علاقة المواطن بالمسؤولين.

في الواقع هذا أول سبب، وهناك أسباب أخرى. علي وأنا مُغرمان بالشعر الفارسي. وجدنا في "المناظرة"، أي حوار بين شخصين عن موضوع جدّي أو طريف، أسلوباً سينمائياً بامتياز. يوجد هذا النوع الشعري في الشعر الحديث مع بروين اعتصامي، وفي الشعر الكلاسيكي مع حافظ. إذا صُوِّر سينمائياً بأسلوب كلاسيكي، فعلى الكاميرا الانتقال بين الشخصين. لكنّنا ارتأينا عدم القطع والانتقال، بل تركيز الكاميرا على شخص فقط (المواطن) كي لا يُشكّل تحريكها ضغطاً على الشخصية. كما أدركنا أنّ إبراز الشخص الثاني (المسؤول) سيجعله كائناً إنسانياً، بينما الاكتفاء بصوته سيُبديه مُمثلاً للنظام.

 

(*) صديقة إيرانية في باريس من الوسط السينمائي لم تُعَجب بالفيلم، بينما أحببتُه جداً، وكذلك صديق فرنسي، ما جعلني أتساءل إنْ كانت رؤيتي غربية.

أدرك أسباب عدم إعجاب إيرانيين به، خاصة الذين يعملون في السينما. كثرٌ منهم لا يميلون إلى الحديث عن قضايا اجتماعية في إيران، حتى مع أصغر فرهادي ومحمد رسول أف، لأنّ الحكومة تحاول، منذ سنوات، الحطّ من شأن هذا النوع من الأفلام في الإعلام الإيراني. بطريقة ما، أشعر بأنّنا ضحايا الدعاية الحكومية التي تقول إنّ هذه الأفلام مصنوعة للغرب. وكما ذكرت، وضعتُ الفيلم على النتّ، وشاهده ملايين الناس. في الوقت نفسه، الإيرانيون، لا سيما المقيمين في الخارج، فخورون جداً بتاريخ إيران وثقافتها، ولا يعجبهم عندما يعرض أحدهم أمامهم حقائق من هناك.

نحن بلد كبير، وتاريخه مجيد. لكنْ، الآن الوضع هكذا، والحقيقة مُرّة. الفيلم قاسٍ، لذا لم يحبّه كثيرون منهم. أسعى إلى فيلمٍ ساخر من النظام، ولا أريد صنع دراما اجتماعية مكرّرة. لي، إنّه فيلم طريف. لكنّ بعض الإيرانيين في المهرجانات قالوا لي إنّ هذه ليست حقيقة إيران، فأردّ عليهم قائلاً إنّكم تركتم إيران بسبب هذا، وهذا أريكم إياه. إنه الواقع تماماً. إنه فيلم غروتسك عن الواقع، وليس حقيقياً كلّياً. ليس وثائقياً يبدي الحقيقة، بل روائياً صُنع من وجهة نظري عن الواقع. كلّ ما أوردته فيه آتٍ من حادثة تعرّض لها فردٌ من عائلتي.

 

(*) كلّ القصص؟ واختيار الاسماء والحوار الديني ومقابلات العمل؟

نعم. الأسماء مثلاً، إنّها ابنة أخي، ويجب أن يكون اسمها سونيا. لكنّ الموظفين الحكوميين رفضوا هذا الاسم عندما أراد والدها تسجيلها، مُتعلّلين بأنّه أجنبي. مشهد مركز الشرطة حدث معي شخصياً. اتصل بي والدي للذهاب إلى المركز وعمل محضر، لأنّ أحدهم سرق منه شيئاً. كان الوقت باكراً، فذهبت سريعاً كما أنا، مع "تي شيرت" عليه صورة ميكي ماوس. فور مشاهدتهم إياي هكذا سألوني بنفور: "ما هذا الذي ترتديه؟ إذهب فوراً وغيّر ملابسك. أنت في الثلاثين وترتدي هذا الشيء المسخرة؟". لم يرضوا كتابة المحضر قبل ذهابي وتغيير ملابسي. لم أخترع شيئاً في الفيلم.

 

(*) على الطرافة الشديدة هناك شيء من مبالغة، وهذا لزوم العمل كما أراه.

إنّه نوع من الهجو. لذا وجبت المبالغة. كشعر الهجاء. إنّه الحقيقة غير الكاملة، والمرويّة بأسلوب سينمائي، كقطعة فنية.

 

(*) العنوان مستوحى من مقطع شعري لفروغ فروخزاد، كذلك النهاية.

بدا الفيلم بأسلوب الشعر، واستخدمت العنوان كنوع من التكريم للشعر النسائي في إيران، فمعظم الشعراء المشهورين رجال.

 

 

(*) كيف جاء ترتيب القصص التسع؟

أردت لكلّ حلقة أنْ تمثّل جيلاً. في الأولى، الولادة وتسمية المولود. في الثانية فتاة بين 9 و10 سنوات. الثالثة عن المُراهقين، ثم جيل العشرينيات... إلخ. إنّه يبدأ من الولادة إلى النهاية، مُغطياً كلّ الأجيال، بمعنى الاستمرارية.

 

(*) هل اتّبعت النص المكتوب، أم غيّرت في التصوير؟

أتّبع في التصوير النصَّ المكتوب كاملاً. في أي حال، لم يكن الارتجال مُمكناً. على الممثل حفظ الحوار جيداً. عادة أتّبع النص، لكنْ أحيانا أضيف أشياء. حسب كلّ فيلم.

 

(*) موضوع "إلى الغد" حساس: الإنجاب من دون زواج. هل عرض في إيران؟

عرضت نسخة معدّلة. كان على المنتجة نيكي كريمي الحصول على تصريح لعرضه، فهي منتجة ويهمّها هذا لأفلامها المقبلة. قطعوا منه وأضافوا، وغطّوا الممثلة. وهذا كلّه من دون رضائي. لم أسمح بعرضه، لكنهم بثّوه على منصّة. قلت لهم إنّ هذا ليس فيلمي، فاصنعوا ما شئتم.

 

(*) لكنْ كيف أضافوا له مشاهد من دونك؟

وضعوا صوتاً يعلن أنّ الفتاة تزوّجت زواج متعة.

 

(*) ما توقّعاتك من الجمهور في إيران؟

حين أصنع فيلماً، لا أفكر بنوع الجمهور. لست خبيراً. أحاول وضع كلّ جهودي لإرضاء الناس. بالنسبة إلي، لا معنى لتقسيم الجمهور بين إيراني وغير إيراني. حين أنتهي من فيلمٍ ويعرض في الخارج ويتفاعل معه الجمهور الأجنبي، فهذا لا يعني أنّي صنعته له. يُفكّر الناس والحكومة والنقّاد في إيران أنّك تحقّقين فيلمك للأجانب، لكنّ هذا غير ممكن، فلا خطّة مُحدّدة عامة لي، وكلّ فيلم مختلف عن الآخر. هناك مواضيع عدّة وأشكال فنية مختلفة. لا أكتب لأحد، لكنْ مهمّ لي أن يُشاهد الجمهور أياً كان أفلامي. تقسيم الجمهور آتٍ من شعور وطني، وبعض من لا يحب الفيلم فخور، وحين يرون أشياء مسيئة فيه يقولون هذه ليست إيران، إيران أفضل.

 

(*) حتى المعارضون للنظام؟

نعم. إنّهم لا يحبّون ما أريه، حتى مع نظام كهذا. أحاول إفهامهم أنّه يجب عدم تصنيف الناس في العالم بين إيرانيين وعرب وكرد، بل كائنات إنسانية. مشكلة العالم اليوم في هذا النمط من التفكير. الإسرائيليون يعتقدون بتفوّقهم، لذلك يحتلّون. والأميركيون كذلك. ما يُحرّك هذا شعور بالفخر وبأنّك الأفضل. أصنع أفلامي للإنسان، ولا أهتم من يكون. إنْ أحبّه، أشعر بالسعادة. الفيلم تعبير فني، ولا أعرف كيف أجعل كلّ إنسان مسروراً به. هذا ليس مُمكناً.

 

(*) كيف ترى وضع السينما في إيران اليوم؟

فظيع. الضغوط على السينمائيين أكبر من أيّ وقت مضى، خاصة بعد حركة "نساء حياة حرية". كثيرون لا يريدون إنجاز أفلامٍ بموافقة الحكومة، فتوقّفوا، والمستثمرون يخشون ردات فعل الحكومة، حتّى أن بعضهم لا يرغب في ذكر اسمه حين تُمنح أموالٌ. لا يوجد اليوم غير سينما تجارية. قبلاً، كانت هناك سينما مستقلّة وأخرى تجارية، والمستقلّة مقبولة من الحكومة والناس. اليوم، لا أفلام مستقلة إلا في السرّ، من دون دعم وتصاريح. أمّا التجارية، فتدمّر كلّ شيء.

 

(*) كيف تعود إلى إيران بعد كل فيلم لك؟

بعد عرض فيلمي في "كانّ"، أوقفت في المطار وصودر جواز سفري لثمانية أشهر، وكذلك متعلّقاتي الخاصة وحاسوبي. فيلمي الوثائقي الأخير عن شخصٍ لا يمكنه السفر، لكنه يسافر في الخيال. فيلم تجربة وعاطفيّ، لا يُمكن عرضه في الصالات إذْ تظهر فيه أمي وأختي في إيران.