علي الصافي... سنوات الرصاص في أرض الظلمات

علي الصافي... سنوات الرصاص في أرض الظلمات

30 يونيو 2021
يروي الفيلم تاريخ "سنوات الرصاص"، سياسياً واجتماعياً وثقافياً (Getty)
+ الخط -

تُشكّل وثائقيات المخرج المغربي علي الصافي (1963) حالة فنيّة نادرة، في سينما مغاربيّة آخذة في الترفيه والابتذال على حساب قضايا سينمائية مركزية، تُشغل وجدان المجتمع العربي الآن، ومُتخيّله. وإذْ يُصبح الإخراج السينمائيّ المغربي سهلاً، يحتاج فقط إلى كتابة سيناريو مُرتبك، وإيجاد وجوه فنيّة تُؤدّي أدواراً معيّنة، يستغرق العمل الوثائقي الأخير للصافي، "قبل زحف الظلام" (2020)، نحو 10 أعوامٍ من التفكير والكتابة والتوثيق والتخييل، قبل أنْ يجهز العمل للعرض والمُشاهدة والنقاش.

في هذه المدّة، شهد الفيلم تقلّبات عدّة، فنيّة وجماليّة، لا ترتبط بهزالة السيناريو، أو صعوبة العثور على مؤسّسة إنتاج، تتحمّل الشروط المادية، والأبعاد السياسية والاجتماعية التي يُدافع عنها صاحب المشروع السينمائيّ. فمُشكلة هذا النوع من الأفلام الوثائقية، التي تتطلّب مثل هذه المدّة لإنجازها، كامنةٌ في أنّ الزمن يلعب دوراً كبيراً في تغيير الأمزجة، ونظرة المخرج إلى صُوَر وقصص وقضايا شتّى في الاجتماع الإنساني.

بحكم زئبقيّته، يُساهم الزمن في تغيير أنساق التفكير، وأنماط الإنتاج وقنواتها. هذا العامل يُسمّيه الكُتّاب "مرحلة الاختمار"، التي تُصبح فيها الذات أكثر جدّة والتصاقاً بموضوعاتها الفنيّة، رغم أنّ أمراً كهذا يحتاج اليوم إلى مراجعات كثيرة في السينما العربيّة، إزاء هذا العدد الوفير من الأفلام الجيّدة، التي أنجزها مخرجون في بدايات مشاريعهم السينمائية، مُقارنة بأفلامهم الأخيرة، المرتبكة تأليفاً وتخييلاً.

حالة علي الصافي تختلف بشكل كبير، لارتباطها بالجدّة والتميّز، اللذين تنطبع بهما أعماله الوثائقية عادة. منطلقاته المنهجية فكرية وتاريخية ـ توثيقية، أكثر منها سينمائية وإبداعية ـ تخييلية. أسلوبه التعبيري، تأليفاً وإخراجاً، يعتمد على نمطٍ من الوثائقي الفكري، لا يُقيم عند الوقائع والأحداث، مُدخِلاً إياها في تسلسل كرونولوجي لبناء صورة الماضي بصرياً، بل يركن إلى التاريخ المُتحرّك والمُتلوّن في ذهن من يحكيه، في صورة وثائقيّة تتّسم بالنوستالجيا والتحوّل والنقد.

هذا النوع من الوثائقي، المنطلق من الأرشيف، غائبٌ في تاريخ الصورة الوثائقية في بلدٍ (المغرب) لا يعمل إلا على الاجترار والتكرار والتدوير، وعلى إنجاز عشرات الأفلام الوثائقية، بشكل تقارير خبرية سياسية واجتماعية، حيث يُشغّل المخرج الكاميرا، لتلتهم تفاصيل المكان وشخصياته وأحداثه. هذا النمط، الغالب على وثائقيات مَغاربية، يُزكّيه بطريقة لا واعية مفهوم وطبيعة الوثائقي، وما يتّسم به من أبعاد تقريرية في التعبير عن قضية ما.

من هذا المُنطلق الإبستمولوجي، يتحمّل علي الصافي مسؤولية الغوص في الأرشيف المغربي، في وثائقيّه الجديد "قبل زحف الظلام" (عُرض في الدورة الثالثة لمهرجان "قابس سينما فنّ" (تونس)، المُقامة بين 18 و25 يونيو/ حزيران 2021)، بالاستناد إلى فعل التوثيق، لا كمادّة بصريّة، بل كعملية إجرائية ترتكز على التخييل. هذا سرّ وثائقياته ونجاحها وتفرّدها في صناعة الوثائقيّ المغربي. فالأرشيف يغدو وسيلة للتخييل عبر المونتاج، بوصفه مرحلة لاحقة من الكتابة، يُراهن عليها الصافي في جعل الفيلم أشبه بنهرٍ، تلتقي فيه ذاكرة الماضي بفداحة الحاضر، اللذين يُؤطّران معاً سياقه الكرونولوجي، ويخطّان مشروعه الجماليّ.

المتأمّل بسيرة علي الصافي يندهش من قدرته على الإبداع، ومن إمكاناته الهائلة في جعل الفيلم الوثائقيّ مُختبراً للتجريب التاريخيّ. مكانةٌ لا يُجابهه فيها إلا بعض صنّاع الفيلم الوثائقي في لبنان، حيث يعثر المُشاهد على عناصر كثيرة من التقاطع الفني والتلاقي الجمالي مع التراث السينمائي اللبناني، على مستوى المنطلقات المنهجية، التي تُؤسّس مسار الصورة الوثائقية ووعيها. لكنّ أفكاره تنبثق من خصوصيات مغربيّة، تجعل الذاكرة مَطلباً منهجياً، ومدخلاً إلى التفكير والتأليف. لعلّه يكون من أوائل المغاربة الذين تلمّسوا طريقهم إلى كتابةٍ، تروم الكشف لا الإدهاش، والتوثيق لا التخييل، والنقد لا المُحاباة.

في "قبل زحف الظلام"، يروي الصافي تاريخ "سنوات الرصاص"، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، على شكل حكاية، تستند إلى تشذير الصورة، المروية بقنوات صوتية متعدّدة، في سياق يساري محض. ولكونه يأتي على شكل عملية نوستالجية، تقوم على توثيق التاريخ والقصص والأحداث والوقائع، يغدو الوثائقيّ أدقّ في رصد الأحداث، بإعطاء صورة عامّة عن سبعينيّات القرن الـ20، بأفراحها ومراراتها وتقلّباتها، من وجهة نظر شخصيّة، تتقاطع سريعاً ـ بشكلٍ خفيّ وذكي ـ مع التاريخ الكوني، ورياح التجديد التي عرفها المغرب في تلك الفترة، على خلفية أحداثٍ كبرى شهدها العالم، وساهمت إلى حدّ كبير في صنع مشروع الثقافة المغربيّة، كاليسار الجديد والقضية الفلسطينيّة، إلى قضايا الثقافة المحليّة، وما يرتبط بها من أفلام ومجلات ومسرحيات وأغان وموسيقى وصالات سينمائية واستوديوهات تصوير ومعارض تشكيليّة، وغيرها.

سينما ودراما
التحديثات الحية

يعثر المُشاهد على هذه الأيقونات الثقافيّة والفنيّة، والخطابات السياسية والفكرية، التي أسّست هذه الثقافة، ونزعت التقليد المُلتصق بها، والمُخيِّم عليها في خمسينيات القرن الـ20 وستينياته، مُدخلاً إياها في مرحلة أكثر تعطشاً إلى الحرية والحداثة والتحديث. اتّسمت هذه المرحلة بتأسيس الحداثة الفنيّة في المغرب، فظهرت كُتبٌ فكرية وأدبيّة، ومسرحيات ومجلات، وأفلام سينمائية، يتماهى بعضها مع البعض الآخر، سياسياً وفكرياً.

اختيار علي الصافي لها، كأرشيفٍ بصريّ، دقيقٌ، باعتبارها مرحلة تُشكّل ـ في الأدبيات التاريخيّة المحلية والاستشراقية ـ أوج الحداثة الفنيّة المغربيّة، رغم حساسيتها السياسية، التي قادت إلى نوع من الاصطدام الأيديولوجي بين المثقّف الحداثي ودعاة التقليد، الذين ظلّت المؤسّسات الرسمية تتستّر عليهم طيلة السبعينيات، لأنّ التوجّه الفكري الذي تبنّته هذه الفئة مُحافظٌ وتقليدي، يتماشى أكثر مع التقاليد والعادات المغربيّة، من دون التفكير في إمكانية الثورة على هذا "التراث"، السياسي والاجتماعي والثقافي، الموروث من المرحلة الحديثة، أو قبلها بقليل.

تظهر صُور الفيلم الوثائقي كاحتفاءٍ مزدوج: يتعلّق الأوّل برموز الثقافة في المغرب، سياسياً واجتماعياً وفنيّاً وسينمائياً، إذْ يقف المخرج عند أبرز العلامات التي انطبعت بها الذاكرة الفنية للمغرب، والتي تلعب دوراً بارزاً في تشكيل الإطار الفنيّ لتراتبية الصُور والمَشاهد، وكخلفية جماليّة، تصوغ خطاب الفيلم وتجعله وثائقياً، يتبرّم التقرير والمباشرة في طرح الموضوعات بشكل فجّ وعقيم. ويرتبط الثاني بموضوع الفيلم وشخصياته، انطلاقاً من حكاية عبد العزيز الطريبق، الطالب والعضو السابق في "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب"، لكنْ فقط كحضور صوتي، يروي قصصاً عنه وعن تاريخه وتأثيره في الجامعة المغربيّة، بحكم الدور الذي لعبه في تكريس ثقافة النضال والرفض في الجامعة المغربية، ولكونه من أوائل المنظّمات والاتحادات التي احتضنت ثقافة اليسار، في وقت حدست فيه المؤسّسة الرسمية بأهميّة هذا التكتّل السياسي الطلابي، فعملت على القضاء عليه، أو بالأحرى على تخوينه، بتشجيع الفكر التقليدي، وتسييس الدين، لكسر اليسار المغربي وثقافته وفنونه، التي بدأت تجتاح المجتمع ومخيّلة الإنسان المغربي المقهور، وتُشجّعه على الثورة والإبداع.

دلالات

المساهمون