علاء عبد الفتاح وأسئلة العدالة في العصر الرقمي

30 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 02 يناير 2026 - 00:06 (توقيت القدس)
مع والدته ليلى سويف داخل منزله في القاهرة عقب الإفراج عنه، 23 سبتمبر 2025 (سيد حسن/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار الجدل حول منشورات علاء عبد الفتاح القديمة تساؤلات حول تأثير الماضي الرقمي على الحاضر، حيث تُستخدم هذه المنشورات لتبرير العقوبة ضده رغم اعتذاره عنها، مما يخلط بين القمع السياسي والنقاش حول الخطاب المسيء.

- النقاش حول منشورات عبد الفتاح يعكس منطقاً في الديمقراطيات الليبرالية، حيث يُختزل التاريخ الشخصي في تصريحات مجتزأة تُستدعى عند الحاجة، مما يلغي السياق والزمن.

- الحملة ضد عبد الفتاح تتداخل مع مصالح سياسية وإعلامية، حيث تُستخدم قضيته في صراعات سياسية داخلية في بريطانيا وتُستغل من قبل أطراف يمينية، مما يهدد مبادئ العدالة والحرية.

أعاد الجدل حول منشورات قديمة على منصات التواصل الاجتماعي للناشط المصري ـ البريطاني علاء عبد الفتاح طرح سؤال يتجاوز الشخص المعنيّ: هل للعقوبة نهاية في الديمقراطيات اليوم، أم أن الماضي الرقمي بات يقوم مقام حكم مؤبّد؟

من الضروري التشديد، منذ البداية، على حقيقة لا يجوز الالتفاف حولها: علاء عبد الفتاح لم يُسجن في مصر بسبب المنشورات التي يجري تداولها اليوم. سُجن بوصفه معارضاً سياسياً ومدافعاً عن الحريات المدنية. عدم رسم هذا الخط الفاصل يفضي إلى خلطٍ خطير بين أمرين مختلفين جذرياً: قمع سلطوي بسبب المعارضة، ونقاش ليبرالي متأخر حول خطاب مسيء. هذا الخلط لا يشوّه فهم المسألة فقط، بل يفتح الباب لتبرير القمع بأثرٍ رجعي.

المنشورات التي يجري تداولها اليوم، والمكتوبة تقريباً بين عامي 2008 و2014، تتضمن لغة مسيئة ومحرِّضة. علاء عبد الفتاح أقرّ بذلك، واعتذر علناً. هذا مهم. لكن الأهم هو مقاومة إغراء إدراج تلك المنشورات في سردية توحي، ولو ضمناً، بأن السجن الطويل كان جزءاً من "مسار محاسبة" طبيعي.

أمضى علاء عبد الفتاح سنوات في السجون المصرية، كثيرٌ منها في ظروف قاسية شملت العزل، والمنع من الزيارة، والإضرابات عن الطعام. خسر سنوات لا تُستعاد من حياته العملية والشخصية، ولم تسلم عائلته من هذا الظلم. وثّقت منظمات حقوقية دولية احتجازه بوصفه "تعسّفياً" و"مسيئاً" و"ذا دوافع سياسية" (هيومن رايتس ووتش، منظمة العفو الدولية، خبراء أمميون). ولم يكن الإفراج عنه تصحيحاً لخطأ، بل "نهاية لظلمٍ ممتدّ" (هيومن رايتس ووتش، فبراير 2025). علاء عبد الفتاح ليس حالة افتراضية في نقاش عن حرية التعبير. إنه إنسان دُمرت حياته فعلياً.

والنبش اليوم في تغريدات كتبها قبل أكثر من عقد يكشف منطقاً يترسخ أكثر فأكثر داخل الديمقراطيات الليبرالية نفسها: صعود الاشتباه "الأخلاقي" الدائم في ظل الأرشيف الرقمي. أسوأ ما يقوله الإنسان في لحظة غضب قصوى، وفي سياق سياسي محتدم، يصبح هويته النهائية إلى الأبد. الأرشيف الرقمي هنا لا يوثّق التاريخ، بل يلغيه، ويختزل سنوات القمع، والتجربة، والنضج، في تصريحات مجتزأة تُستدعى عند الحاجة. وفق هذا المنطق، الزمن لا قيمة له، والسياق مهمش، والقصاص إلى ما لا نهاية.

والذين يلوّحون اليوم بمفهوم "السلامة العامة" يتجاهلون حقيقة أساسية؛ لا يوجد أي دليل على أن عبد الفتاح يشكّل تهديداً فعلياً. لا تنظيم، لا تحريض، ولا خطاب عنيف راهن. ومع ذلك، تُستدعى أطر مكافحة الإرهاب، وتُفتح نقاشات حول سحب الجنسية أو الترحيل، في سابقة خطِرة تنقل العقوبة من ساحة القضاء إلى فضاء السياسة والضغط الشعبوي.

هذا التصعيد لا يمكن فصله عن تلاقي مصالح واضح، وإن لم يكن معلناً. إذ رافق هذه الحملة تشفّ صريح، خصوصاً في أوساط إعلامية مصرية محسوبة على السلطة. فجأة، تحوّلت المنصّات نفسها التي لطالما برّرت القمع، وسخرت من حقوق الإنسان، وخونت المعارضين، إلى مدافع شرس عن "مشاعر البريطانيين" وكرامة "البيض"، وكأنها اكتشفت فجأة قاموساً جديداً للأخلاق السياسية. هذا الانقلاب الخطابي ليس صحوة "أخلاقية" متأخرة، بل جزء من تصفية حساب قديم مع معارض.

سيرة سياسية
التحديثات الحية

في السياق نفسه، لا يمكن تجاهل حدّة الهجوم الصادر عن دوائر وأنصار مؤيدين لإسرائيل الذين تعاملوا مع منشورات قديمة لعبد الفتاح وكأنها دليل نهائي على عدم أهليته "الأخلاقية" للوجود في المجال العام. وهؤلاء هم أنفسهم من يناصرون كياناً يقتل ويستبيح ويبيد. هذا التشدد لا ينفصل عن مناخ أوسع بات فيه أي انخراط سياسي، خصوصاً إذا مسّ إسرائيل، سبباً للملاحقة والإقصاء في دول يُفترض أنها ديمقراطية، منذ بدء حرب الإبادة على غزة.

والأخطر أن الحملة وظفت مباشرة في صراع سياسي داخلي بريطاني. أطراف يمينية محافظة وجدت في القضية مادة مثالية لمهاجمة الحكومة، والطعن في سياساتها المتعلقة بالهجرة والمواطنة وحقوق الإنسان، من دون أي اهتمام حقيقي بعلاء عبد الفتاح بوصفه إنساناً تحول اسمه إلى ورقة في معركة داخلية لا علاقة له بها.

وبين هؤلاء كلهم، يطل علينا إيلون ماسك ليتحدث عن "إبادة جماعية للبيض". وهذا الرجل، الأكثر ثراء على الكوكب، يملك سجلاً طويلاً من التصريحات الإشكالية حول العِرق والهوية وتبنّي سرديات ترى في البيض ضحايا منظومات معاصرة. كما ارتبط اسمه، منذ استحواذه على منصة إكس (تويتر سابقاً)، بانتقادات واسعة تتعلق بتضخيم خطاب الكراهية والتساهل مع التحريض، في إطار شعار يدّعي مناصرة "حرية التعبير المطلقة"، لكنه غالباً ما يتقاطع مع أجندات يمينية محافظة. وليس من المصادفة أنه دخل في صدامات علنية متكررة مع حكومات ليبرالية أوروبية، بينها الحكومة البريطانية الحالية.

تختلف هذه الأطراف في القيم والمصالح، لكنها تلتقي على نتيجة واحدة: ألّا يُسمح لهذا الرجل بالخروج الكامل من دائرة العقاب.

من هنا، لا تبدو الدعوات إلى سحب الجنسية أو إبقاء التحقيقات مفتوحة سعياً لإحقاق "العدالة"، بل لتكريس قاعدة: الحماية مشروطة، والحرية قابلة للسلب إذا كان الماضي "ليس نظيفاً" بما يكفي. وهذا أمر ينبغي أن يقلق كل من يدّعي معاداة الاستبداد.