عرض "أوك.وورد" يفتح جراح الفن والدين في لبنان

01 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 12:45 (توقيت القدس)
عرض كوميدي نظمته منصة "أوك.وورد" في بيروت، 15 ديسمبر 2020 (جوزيف عيد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد عرض "أوك.وورد" في طرابلس توتراً بسبب اعتباره مسيئاً للقيم الدينية والاجتماعية، وهو جزء من جولة في لبنان لدعم حرية التعبير، مع اعتراضات مشابهة في صيدا.
- طرابلس تسعى لاستعادة الحياة الثقافية، لكن تواجه تحديات في قبول الفن البديل، كما يعكس إعادة افتتاح "ستيريو كواليس"، مع عقبات تتعلق بقبول الخطاب النقدي.
- تتكرر حوادث المنع في لبنان بسبب ضغوط شعبية ودينية، مما يفرض رقابة فعالة تتجاوز الرسمية، معتمدين على التجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي وخطب المساجد.

لم يكد جمهور "أوك.وورد" Awk.Word يُنهي ضحكاته في العرض الأوّل مساء 31 مايو/أيار داخل مسرح "ستيريو كواليس" في الميناء – طرابلس، حتى تحوّل محيط الصالة إلى ساحة مواجهة باردة بين عشرات الشبّان الغاضبين من جهة، والقوى الأمنية من جهة أخرى. وفي خلفية المشهد، كان الحضور اللافت لبعض رجال الدين كافياً لإضفاء طابع ديني-اجتماعي على الاعتراض، بعدما اعتُبر العرض "إساءة" إلى قيم المدينة المحافظة.

عرضٌ كوميدي… واحتجاج عقائدي

جاء العرض في إطار جولة "أوك.وورد" في مختلف المناطق اللبنانية، تحت عنوان "جولة ب لبنان"، احتفالاً بمرور سبع سنوات على تأسيس المنصّة التي تُعرّف نفسها بأنها "أول منصّة تجمع الكوميديين المحليين الشباب، وتدعم حرية التعبير بهدف إحداث تغيير اجتماعي". لكن، كما في محطّات سابقة، لم يمر العرض في طرابلس من دون اعتراضات.

ففي 12 إبريل/نيسان الماضي، كانت الجولة نفسها قد مُنعت في صيدا بعدما تعرّض "مسرح إشبيلية" لضغوط مشابهة انتهت بإلغاء العرض. واليوم، يبدو أن المنع لا يحتاج إلى قرار رسمي، بل يكفي أن يرتفع صوت الغضب المجتمعي حتى يُقفل الستار.

المدينة، المسرح، والرهانات المعلّقة

العاصمة الثانية للبنان التي نُصّبت "عاصمة الثقافة العربية" لعام 2024، تشهد منذ سنوات محاولات حثيثة لاستعادة حياة ثقافية كادت أن تنقرض بفعل الحرب الأهلية، الإهمال، والنمط الاقتصادي الريعي. إعادة افتتاح "ستيريو كواليس" في 2023 – وهي سينما تراثية أقفلت أبوابها عام 1995 – كانت إحدى أبرز هذه المحاولات. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت هذه المساحة إلى مركز للفن البديل والسينما المستقلّة والأنشطة الثقافية.

لكن في المقابل، ما زال الوسط الثقافي الطرابلسي يصطدم بعقبات بنيوية وسوسيولوجية أعمق: ما  الحدود المقبولة للفن؟ ومن يحدّدها؟ وهل تمتلك المدينة فعلاً الإرادة لاحتضان خطاب نقدي يُعيد اختبار المُحرّمات والمسكوت عنه؟

من نكتة إلى "إهانة": الانزلاق السريع نحو الإلغاء

وفق روايات متقاطعة لمتطوّعين في تنظيم العرض، بدأ كلّ شيء بسلاسة. فقد قُدّم العرض الأوّل عند السابعة مساءً من دون تسجيل أي حوادث. ويؤكّد الكوميدي محمد بعلبكي، أحد المشاركين في العرض: "ما في ولا إهانة، كلّه مزح وتنكيت، وما ذكرنا أي دين. العرض كان رائع... بس في ناس بعدهم عايشين بالزمن القديم، وكل يلي صار كان تجييش منظّم".

لكن بعد انتهاء العرض الأول، وتحديداً مع توافد جمهور العرض المتأخّر عند العاشرة ليلاً، بدأ التجمّع الاحتجاجي يأخذ شكلاً تصعيدياً، إذ احتشد عشرات الشبّان أمام الصالة هاتفين بوقف "المهزلة"، قبل أن يلتحق بهم عدد من رجال الدين معلنين تضامنهم مع المحتجّين. ورغم عدم وقوع أي اعتداءات جسدية، إلا أنّ تصاعد حدّة الهتافات والتهديدات المباشرة دفع إدارة الصالة إلى اتخاذ قرار فوري بإلغاء العرض الثاني، "صوناً للسلامة العامة".

حاولت قوى الأمن الداخلي التدخل لضبط الموقف وتفريق التجمّع، لكنّ معظم المعتصمين بقوا في المكان حتى بعد مغادرة الكوميديين إلى بيروت. مصادر أمنية أوضحت أن دورها اقتصر على "منع الاحتكاكات وحماية المنشأة"، فيما اعتبرت جهات حقوقية أنّ الإلغاء يشكّل "رضوخاً لرقابة مجتمعية غير رسمية، تُفرض تحت شعار الأخلاق والدين، وتتجاوز الدستور نفسه".

المنع يتكرّر: من طرابلس إلى صيدا

لم تكن حادثة طرابلس الأولى من نوعها، بل امتداداً لمسلسل ضغوط بدأ يأخذ طابعاً ممنهجاً في السنوات الأخيرة. ففي 16 إبريل/ نيسان الماضي، تعرّضت الممثلة حنان الحاج علي لهجمة مماثلة في صيدا، بعدما قدّمت عرضها المسرحي في حرم الجامعة اللبنانية الدولية (LIU). العرض، الذي حضره طلاب الجامعة وتلاه نقاش مفتوح، لم يمر بسلام. إذ تلته حملة إلكترونية شرسة طاولت الحاج علي والجامعة وأحد أساتذتها، رافقتها دعوات إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام المساجد، رفضاً لما سُمّي "انتهاكاً لخصوصية المدينة الدينية". المفارقة أن صيدا نفسها كانت قد استضافت العرض نفسه في عام 2018 على خشبة مسرح "إشبيلية"، من دون أي اعتراض يُذكر.

ما يجمع حالتي "أوك.وورد" وحنان الحاج علي – وقبلهما عدد من العروض الموسيقية والمسرحية التي أُلغيت أو تمّ التهديد بها – نمط متصاعد مما يمكن تسميته بـ"المنع المعنوي": ضغوط شعبية‐دينية تعتمد على خطاب أخلاقي، لكنها تفرض رقابة فعالة تسبق حتى رقابة الدولة أو الأمن العام. وهو نمط خطير لأنّه غير محدّد المعالم، ولا يستند إلى نص قانوني، بل إلى "مزاج عام" قابل للتجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي وخطب المساجد وبيانات الجهات الدينية.