عبير نعمة تغني في الدوحة برفقة أوركسترا قطر الفلهارمونية
استمع إلى الملخص
- بدأت مسيرتها بألبوم "غنّي قليلاً" في 2018 مع مارسيل خليفة، وواصلت بألبومات مثل "حكاية"، مقدمةً أغاني متنوعة المواضيع، مما يعكس نضجها الفني وابتعادها عن المنتج التجاري.
- تحمل صوتها ألم وأمل بيروت، وشاركت في مبادرات لمساعدة المتضررين بعد انفجار مرفأ بيروت، مع الحفاظ على بصمتها الفنية الخاصة.
في الثالث والعشرين من يناير/ كانون الثاني الحالي، تطلّ على جمهور الدوحة المغنية اللبنانية عبير نعمة لتؤدّي برفقة أوركسترا قطر الفلهارمونية عدداً من أغانيها، إلى جانب أعمال أخرى لفيروز وزكي ناصيف ووديع الصافي وغيرهم.
لعلّ عبير نعمة (1980) واحدة من أبرز الأصوات التي ظهرت في العقدين الأخيرين، متميزةً ليس بخامة صوتها القديرة فقط، بل بشخصيتها الفنية المثقفة التي صقلتها الدراسة الأكاديمية والبحث الموسيقي المعمق؛ إذ تنتمي إلى مدرسة الترتيل الكنسي الشامي، وقد تعمقت في دراسة أصول الغناء والعزف على آلة القانون، ثم درست العلوم الموسيقية، ما منحها قدرة على أداء أنماط موسيقية متنوعة. هذه الخلفية مكنتها من الانتماء إلى تلك الكوكبة من المغنيات العربيات اللواتي أظهرن أناقة في الصوت وبحثاً فكرياً في الكلمة واللحن، ساعياتٍ إلى إعادة النهوض بالتراث الموسيقي العربي بروح معاصرة وأكثر تطلباً من المنتج التجاري الشائع.
رغم ذلك، لم يصدر ألبوم نعمة الأول إلا عام 2018، تحت عنوان "غنّي قليلاً" الذي كان ثمرة تعاون فني مع مارسيل خليفة. يضم هذا الألبوم 14 تراك، أظهرت فيه نعمة قدرة عالية على ملء المساحات الموسيقية برؤية فنية ناضجة، متنقلةً بسلاسة بين القصيدة الفصحى والكلمات العامية. هذا التعاون وضع حجر الأساس لمشروعها الموسيقي الذي يبتعد عن المنتج التجاري المحض، ويقترب أكثر من المساحات الجمالية والوجدانية، مؤكدة هوية فنية لا تنعزل عن الجمهور.
لم تتوقف نعمة عند هذا الحد، بل واصلت إنتاجها بغزارة وجودة عالية، فأصدرت ألبومها الثاني "حكاية" الذي سردت فيه قصصاً عبر ثماني أغنيات، ثم تبعه في عام 2021 ألبوم "بيبقى ناس" الصادر عن شركة يونيفرسال ميوزيك. في "بيبقى ناس"، قدمت عبير ثماني مقطوعات غنائية بالعامية اللبنانية، تنوعت موضوعاتها بين الحب والفراق والقضايا الاجتماعية والوطنية كما في أغنية "هيدا وطني". وبرزت في هذا العمل قدرتها التلحينية، إذ وضعت بنفسها ألحان بعض الأغاني، مثل أغنية "فلّوا" التي تميزت بجمالية كلماتها للشاعر غسان مطر، والتي ذهبت إلى مساحات شعرية جديدة تذكر بما كتبه شعراء العامية في بلاد الشام. ومثّلت أغنية "بيبقى ناس" مفاجأةً في الألبوم، إن كان لناحية الثيمة التي تتطرّق إليها، أو لناحية ألحانها وتوزيعها. فعلى مستوى الموضوع، لا تلتفت الأغنية إلى معاناة الفرد ومشاغله وأسئلته، بل إلى الناس الذين يحيطون به، هؤلاء الذين يبقون هنا، وتُنير ابتسامتهم حياة الفرد.
تحمل عبير نعمة في صوتها ألم بيروت وأملها، ففي أعقاب انفجار مرفأ بيروت المأساوي (2020)، كانت من أوائل الفنانين الذين قدموا تحية لمدينتهم من قلب الدمار. أحيت أمسية "بيروت ترنّم للأمل" من كنيسة مار مارون المتضررة في الجميزة، حيث غنت وصلّت للناس ومعهم في لحظة إنسانية فارقة. تؤمن نعمة بأن الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي توحد الجميع، وقد تجلى هذا الإيمان في مشاركتها في مبادرات ميدانية لمساعدة العائلات المتضررة، مؤكدة أن دور الفنان يتجاوز الغناء على المسارح ليصل إلى الوقوف بجانب شعبه في أحلك الظروف.
وعلى الرغم من التزامها بالخط الفني المُسمّى بـ"الملتزم"، لم تخلُ تجربة نعمة من المحاولات التجريبية التي أثارت نقاشاً نقدياً، مثل أغنيتها باللهجة المصرية "اعمل ناسيني" التي تعاونت فيها مع الملحن إيهاب عبد الواحد والشاعر أمير طعيمة. يرى بعض النقاد أن مثل هذه الأعمال، رغم جودتها الإنتاجية، قد تضع مدياتها التعبيرية في قوالب ترفيهية خفيفة لا تستدعي كامل طاقة صوتها الفذ، مشيرين إلى أنّ أداءها أغنيةً من هذا القبيل قد يفقدها بصمتها الفنية التي لطالما ارتبطت بمقومات شخصيتها الفنية. إلا أن هذا التنوع يعكس رغبتها في اختبار كافة الألوان الموسيقية والانفتاح على مختلف الخبرات. ومع ذلك، تظل نعمة متمسكة ببصمتها الخاصة التي تشكلت عبر تعاون مع أسماء مثل مروان خوري، ما يجعل جمهورها أعمق تقديراً لفنها الذي ينأى بنفسه عن المظاهر التجارية المحضة.