عبد الوهاب الدكالي... ديوان الأغنية المغربية

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 06 يناير 2026 - 18:12 (توقيت القدس)
الدكالي في الدوحة عام 2007 (كريم جعفر/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عبد الوهاب الدكالي، مطرب وملحن مغربي بارز، دمج التراث المغربي مع الحداثة، مما ساهم في وضع اللحن المغربي على خريطة الاهتمام العربي وتغيير النظرة التقليدية للطرب المغربي.

- برز كقوة موسيقية فريدة بخلق هوية "متوسطية" تجمع بين الفادو البرتغالي والشونسو الفرنسية مع الإيقاع الأطلسي والمقامات العربية، مما حرر الأذن المغربية من التبعية الفنية.

- رغم الاتهامات بالتغريب، تظل مسيرته شاهداً على استقلال الشخصية الإبداعية المغربية، حيث قدم أكثر من ألفي أغنية، مما جعله مرجعاً طربياً وأيقونة حضارية.

لعل تجربة المطرب والملحن المغربي عبد الوهاب الدكالي هي الأطول زمناً بين أهل الفن والموسيقى من مواطنيه. احتفل الرجل أول أمس بذكرى ميلاده الخامسة والثمانين، وامتلك رحلة فنية تضرب في عمق الزمن إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي، واعتبر كثيرون أن مسيرته تمثل في جوهرها مشروعاً ثقافياً نهض على أنقاض النمطية، واستطاع أن يعيد صياغة الوجدان المغربي.

نجح الدكالي أن يضع اللحن المغربي على خريطة الاهتمام العربي عبر موازنة العلاقة بين التراث والحداثة. لم يكتفِ بأغاني الحب التقليدية، لأنه مال كثيراً إلى الفلسفة الشعبية؛ ففي أغنية مثل "ما أنا إلا بشر"، يقدم تجسيداً للصراع الإنساني مع الضعف والقوة، وفي "كان ياما كان" يقدم التاريخ في صورة العبرة الشعورية.

ولد الدكالي في يناير/ كانون الثاني عام 1941، في بيئة كانت تتلمس خطى هويتها الموسيقية بعد الاستقلال، وكان المشهد الفني المغربي منقسماً بين ولعٍ بالشرق (القاهرة تحديداً) وبين انكفاء على التراث المحلي (الملحون والأندلسي).

في هذا السياق الثقافي والفني، ظهر الدكالي ممثلاً لقوة ثالثة، لا ترفض الآخر ولا تنكر الذات. تميز الدكالي بقدرة واضحة على "التشكيل الموسيقي". فاللحن عنده لا يسير في خط أفقي رتيب، لاعتماده على ما يمكن تسميته بالدراما اللحنية؛ إذ تبدأ الأغنية بتمهيد نفسي (Overture) يضع المستمع في قلب الحالة، ثم تتصاعد العُرب الصوتية والانتقالات المقامية لتخلق حالة من القلق النغمي الذي لا ينحل إلا في القفلات الختامية.

استطاع الدكالي أن يطوع الدارجة المغربية لتصبح جزءاً من القوالب الطربية الكبرى. وقبله كان يُعتقد أن الدارجة لا تصلح للطرب الثقيل، فجاءت أعماله لتفند هذه المقولة، من خلال أفكار غنائية نافست كبار الملحنين في المشرق العربي، وربما تفوقت أحياناً بسبب محصولها من الإيقاعات التراثية غير المشتهرة مشرقياً، مثل إيقاع الركادة أو المالوف المدمج في قوالب عصرية.

وبسبب شهرته، وطول رحلته الفنية، كان الدكالي صاحب أثر كبير في أجيال متتابعة من المطربين والموسيقيين، فلا يوجد فنان مغربي ظهر بعد الستينيات إلا يحمل في جيناته الفنية شيئاً من الدكالي. سواء في طريقة الوقوف على المسرح، أو في كاريزما الأداء، أو في جرأة التلحين. لقد نقل الدكالي المطرب المغربي من دور المغني إلى دور النجم المثقف الذي يخاطب المستمع بذكاء واحترام.

برز الدكالي باعتباره قادراً على إحداث مصالحة تاريخية بين مرجعيات موسيقية متنافرة في الظاهر، فاستطاع أن يخلق لنفسه هوية "متوسطية" فريدة؛ حيث يلتقي شجن الفادو البرتغالي ورهافة الشونسو الفرنسية بصلابة الإيقاع الأطلسي وعمق المقامات العربية المشرقية. هذا التوليف كان نتاج وعي بضرورة إخراج الأغنية المغربية إلى آفاق أرحب، من دون التفريط في الخصائص الوطنية. يتجلّى أثر الدكالي في الغناء المغربي في كونه المحرّر الأول للأذن المغربية من عقدة التبعية الفنية؛ إذ أثبت بالدليل الموسيقي القاطع أن الخصوصية المغربية قادرة على استيعاب أرقى أشكال التوزيع الأوركسترالي العالمي. 

وبذلك، أصبح يمثل للمغاربة أيقونة حضارية تترجم الروح المغربية إلى لغة نغمية يفهمها المستمع في باريس وروما، كما يفهمها في الرباط والقاهرة؛ فأثره يتجاوز الآذان إلى تشكيل الهوية الثقافية للمغرب في الخارج. كان عبد الوهاب الدكالي رداً مغربياً حاسماً على دعوات "المركزية المشرقية"، فأثبت للعالم أن المغرب يستهلك الثقافة، وأيضاً ينتجها.

تجلى هذا الأثر في قدرته على انتزاع اعترافات دولية من مؤسسات غير موسيقية بالأساس، مثل الفاتيكان؛ فعندما تُكرم الكنيسة الكاثوليكية فناناً بوزن الدكالي، فهي لا تكرم صوته الجميل، بل تكرم القيم الإنسانية التي تحملها موسيقاه، وهو ما ينطبق على اختيار هيئة الإذاعة البريطانية له شخصية العام في 1991، وحصوله على الجائزة الذهبية للفنون والحرف والميداليات الذهبية من فرنسا.

وبالرغم من الأهمية الكبيرة لهذه الجوائز والتكريمات، إلا أن التكريم المصري كان له مكانة خاصة عنده، ففوزه بلقب "أفضل مبدع موسيقي"، عام 1996 باختيار لجنة تحكيم مهرجان القاهرة الدولي للأغاني، مثل له إنجازاً هائلاً، واعترافاً فنياً في بيئة تعتبر نفسها معقل الفن الموسيقي والغنائي.

من الأعمال التي مثلت محطة مهمة في انطلاقة الدكالي في أوائل الستينيات قصيدة "أنتِ"، للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، ومن ألحان الموسيقي المغربي عبد النبي الجرار، ويقول مطلعها: "أنت الحياة في قدسها السامي.. وفي سحرها الشجي الفريد.. أنت الحياة في رقة الفجر.. وفي رونق الربيع الوليد.. أنت الحياة كل أوان.. في رواء من الشباب الجديد".

جاء صوت الدكالي في هذه القصيدة مفعماً بالنضارة، وكان أسلوبه الغنائي متأثراً بالمدرسة المصرية. حققت الأغنية نجاحاً كبيراً، وصارت جزءاً من قصة صعود الوكالي في الحياة الفنية المغربية.

وخلال فترة إقامة الدكالي في القاهرة (بدأت عام 1962)، قدم الرجل عدداً من الأغاني ذات الطابع المصري الخالص، التي تخلو بالكلية من أثر اللكنة المغربية، أو أساليب التلحين المعتادة هناك. ومن الأمثلة الواضحة لهذه الأداءات أغنية "بقالنا يومين متخاصمين"، التي قدمها عام 1963 خلال الاحتفال بأعياد ثورة يوليو/ تموز، وبدا فيها مطرباً مصرياً خالصاً، لا يختلف عن عبد الحليم حافظ، أو محمد قنديل، أو عبد الغني السيد. كان عبد الوهاب الدكالي مصرياً خالصاً وهو يغني في مصر، ومغربياً أصيلاً وهو يغني في موطنه.

لم يسلم عبد الوهاب الدكالي خلال إقامته بمصر من اتهامات التغريب والسرقة اللحنية، بل وتشويه الموسيقى الشرقية. واجه انتقادات شديدة لأغنيته "إوعي تقصي شعرك"، بسبب استخدامه إيقاع التويست (Twist)، وهو أحد أشهر الإيقاعات الراقصة التي اجتاحت العالم في الستينيات، ويُعتمد في موسيقى الروك آند رول.

وفي الحقيقة أن الدكالي كان جزءاً من المشهد الموسيقي القلق حينها، إذ لم تكن المنطقة العربية بعيدة عن هذه الموجة، فقد استلهم الملحنون العرب هذا الإيقاع ودمجوه في بعض الأغاني السينمائية الخفيفة في الستينيات لتواكب الموضة العالمية حينها، وظهر ذلك بوضوح في بعض استعراضات فرقة رضا، ولاحقاً ظهر في أغاني موجة الأفلام الشبابية.

لكن أكبر ما واجهه الدكالي تمثل في اتهامه بالنقل الحرفي المتطابق لألحان بعض المقاطع والجمل من أغاني المطرب المصري عبد الحليم حافظ، وتركيبها على كلمات مختلفة، وذلك خلال السنوات السبع التي مُنع فيها حليم من الغناء في المغرب، بعدما غنى للجزائر في فترة اضطراب العلاقات بينها وبين المملكة المغربية.

لاحقاً، برر عبد الوهاب الدكالي هذه النقول بأنها لم تكن إلا محبة وتقديراً منه لأعمال عبد الحليم، لكن منتقديه قالوا إنه لم يشر يوماً إلى أن هذه "الاقتباسات" مأخوذة من أعمال العندليب الأسمر، ولم يقر بالأمر إلا بعد انكشافه، وأنه استغل فترة عدم معرفة المغاربة بأعمال حليم بسبب المنع لينسب لنفسه ألحاناً ليست له.

وبالرغم من حساسية هذه الاتهامات، إلا أن كل الأعمال في قائمة الاقتباسات هذه لا تشكل شيئاً مهماً في مسيرة الدكالي، لا كمياً ولا موضوعياً، فالرجل أنجز عدداً كبيراً جداً من الألحان التي أداها بنفسه، أو غناها مطربون آخرون. ويمكن للمهتمين بصوته وألحانه أن يجدوا على منصات النشر والمنتديات الموسيقية قرابة 500 أغنية بصوته، وهذه الأغاني المنشورة تمثل جزءاً من أعماله، إذ تتحدث مصادر متضافرة عن غنائه وتلحينه ما يقارب ألفي أغنية.

تظل مسيرة عبد الوهاب الدكالي هي الوثيقة الفنية الأبرز التي تؤرخ لاستقلال الشخصية الإبداعية المغربية وتكاملها مع المحيط العربي والدولي. في الواقع، فإن الجدل الذي أثير حول "التغريب" أو "الاقتباس" لا يصمد طويلاً أمام حقيقة أن الدكالي هو أحد صناع الهوية المغربية الغنائية المعاصرة، وأنه المؤسس لوعي فني جديد يرى في الفن أداة ديبلوماسية ناعمة، ووسيلة للترسيخ. وفي ذكرى ميلاده الخامسة والثمانين، يتجاوز الدكالي كونه مطرباً ليكون ديواناً موسيقياً حياً، ومرجعاً طربياً للشعب المغربي.

المساهمون