عبد الهادي بلخياط... عن متوازيات المغرب والمشرق

08 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 00:39 (توقيت القدس)
مثّلت الإذاعة في مسار بلخياط مختبراً لصقل الصوت وبلورته (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عبد الهادي بلخياط، المغني والممثل المغربي، ترك بصمة في المشهد الفني المغاربي بعد مسيرة مهنية مليئة بالتحديات، حيث بدأ من خلفية متواضعة وحقق الشهرة بعد العمل في وظائف بعيدة عن الفن.
- لعبت الإذاعة دورًا محوريًا في مسيرة بلخياط وبلان، حيث ساعدت في اكتشاف مواهبهم وصقلها، مما أتاح لهما الوصول إلى الجماهير والتعاون مع كبار الملحنين.
- شهدت السينما في السبعينيات فورة في الإنتاج، مما أتاح لبلخياط وبلان فرصة الظهور في الأفلام الغنائية، حيث قدم كلاهما أداءً يعكس شخصياتهم الفنية.

رحل، الأسبوع الماضي، المغنّي والممثّل المغربي، ابن مدينة فاس، عبد الهادي بلخياط (1940 - 2026) عن 86 عاماً، تاركاً بصمةً غائرة في المشهد الفنّي والثقافي المغاربي، ومُكملاً مسيرةً مهنيّة بدأت مُثقلةً بالصعاب، وانتهت مُكلّلةً بالشهرة وسعة الانتشار.

عند تأمّل مشواره مقروناً بإحداثيّاته الحِقَبِيّة والجيليّة، يتبدّى مقدار المتوازيات التي تجمعه بنظراء أشقّاء على الحافة المقابلة للجغرافية الناطقة بالعربية، والمُطلّة على شرق البحر المتوسّط؛ متوازياتٌ لا تقتصر على الموهبة، بل تمتدّ إلى شروط النشأة، وأنماط الصعود، وحدود الممكن فنّياً في مجتمعاتٍ رسخت فيها القيم المحافظة.

لم يكن من اليسير على شغوفٍ موهوبٍ أن يشقّ طريقه في دنيا الغناء، في أيّ بقعة من تلك الجغرافية. لذلك، كثرت السير الفنّية التي تميّزت ببدايات غير اعتياديّة، تغلب عليها المجاهدة والمكابدة، لا سيّما إذا جاء الفنّان من طبقة اجتماعيّة-اقتصاديّة دنيا، أو لم ينتمِ إلى أسرٍ كانت الغناء حرفتها، أكان دينياً أم دنيوياً.

سيرةٌ كفاحيّة مشابهة خطّها المغنّي السوري الراحل فهد بلّان (1933 - 1997)؛ فكلٌّ من بلّان وبلخياط ابن مناطق طرفيّة، ريفيّة أو مدينيّة، فرضت عليهما الهجرة إلى المراكز الحَضَريّة الميتروبوليتيّة كي يتسنّى لهما لاحقاً امتهان الموسيقى والغناء. وكلاهما اضطرّ إلى العمل في أشغال بعيدة عن الفن طلباً للرزق؛ فبلّان اكتُشفت موهبته حين كان يعمل معاوناً لسائق حافلة، يغنّي في الطريق لتسلية الركّاب، فيما اشتغل بلخياط في سنواته الأولى في ورشة نجارة، منذ انتقاله مع عائلته إلى الدار البيضاء، ثمّ سائقاً لدى وزارة الشباب والرياضة المغربيّة، قبل أن يتمكّن الذهاب إلى القاهرة والانتساب إلى معهدها الموسيقي. 

سِمَةٌ مشتركة أخرى جمعت بين بلّان وبلخياط وسائر جيل الخمسينيات والستينيات من نجوم الغناء العربي، وهي مركزيّة دور الإذاعة بوصفها مؤسّسةً رسميّة حاضنة للمواهب، ومنتِجة للفن، لا سيّما الجماهيريّ منه. فقد كفلت الإذاعة آنذاك لأصحاب الملكة والكفاءة منصّةً شبه وحيدة ينطلقون عبر أثيرها إلى الجماهير العريضة، كما أمّنت لهم، من خلال التسجيلات، مصدراً للرزق، وإن ظلّ متواضعاً نسبيّاً، إلّا أنّه وفّر حدّاً أدنى من الاستقرار المادّي والكرامة الاجتماعية.

لم تكن الإذاعة في مسار عبد الهادي بلخياط مجرّد منصّة إطلاق، بل مثّلت مختبراً لصقل الصوت وبلورته. هناك، في استوديوهات الدار البيضاء، تشكّلت ملامح حضوره الأولى؛ إذ مال مُخرجه الغنائي إلى القوّة والوضوح، لا إلى الطلاوة والزخرفة المرتبطتين باللون الأندلسي الكلاسيكي، وإلى التأثير الدرامي لا إلى التفنّن، بما ينسجم مع توجّهات البرمجة الإذاعيّة. هكذا، صاغ خامته في الاستوديو قبل أن تستقرّ في الذاكرة السمعيّة الجماعيّة، وانعكس ذلك على تصميم أغانيه المعدّة للبثّ والإصغاء الطويل، القادرة على تحمّل ثقل النصّ والمعنى، والاقتراب الحميم من الأذن.

أمّا فهد بلّان، فقد روّضت الإذاعة السورية صوته الجامح الهدّار على نحوٍ مغاير؛ إذ رُفض طلب تقدّمه إلى إذاعة دمشق سنة 1959 مرّتين، قبل أن يُقبَل ضمن جوقة الإذاعة، أو ما يُعرف في الشام بفرقة السنّيدة، التي تقف خلف المُغنّي المُطرِب لترديد اللوازم الغنائيّة أو ملء الفواصل بالتهليل والتصفيق المنتظم إيقاعيّاً.

وقد وضع هذا اللجام الوظيفي خامة بلّان تحت الضوء زمناً كافياً، إلى أن التقطها كبار الملحّنين، بدءاً بالموسيقي سهيل عرفة، وصولاً إلى عبد الفتّاح سكر الذي يُنسب إليه الفضل في تحويل الشاب العملاق الآتي من حوران، جنوبي سورية، إلى علمٍ من أعلام الغناء السوري.

محطّةٌ لاحقة جمعت الاسمين المغربي والمشرقي، هي السينما. فقد شهدت المنطقة في سبعينيات القرن الماضي فورةً في الصناعة السينمائيّة التي أنتجها القطاع الخاص ووجّهها إلى الجماهير العريضة. وأسوةً بالتجربة المصريّة، تضمّنت تلك الأفلام فواصل غنائيّة، واستعانت بمغنّين لأداء الغناء والتمثيل معاً. وقد جعلت سمات الرجولة التي ميّزت كلاً من عبد الهادي بلخياط وفهد بلّان كثيراً من أدوارهما متشابهة، غير أنّ النجم المغربي بدا سينمائيّاً أكثر تمصُّراً لجهة الغناء والتمثيل، كما في فيلم "أين تخبّئون الشمس" (1980) من إخراج عبد الله الصباحي.

في أغنيته "قطار الحياة"، يظهر عبد الهادي بلخياط متأبّطاً آلة الغيتار، مرتدياً حلّةً بيضاء، بشعرٍ كثٍّ أجعد، مُذكّراً بالمطرب المصري عبد الحليم حافظ، كأنّما التقطته بحساسيّة شعريّة عدسة يوسف شاهين، مُسقِطةً على سحنته السمراء نوراً داكناً مكحّلاً بالظلّ. فبموالٍ مصاحب، وطباقٍ لحنيّ مُسنَد إلى آلات الكمان، وبنبرة شكوى من الأقدار، يغنّي بلهجة أهل مصر وعلى طريقة سينماهم الشاعريّة، قبل أن يشتدّ الإيقاع حيويّةً دراميّةً على وقع ضرب أقواس الكمانات، حاملاً صيحة الحزن على مقام الصبا لتتساءل: "عارفين يا دنيا، رايحين فين".

في المقابل، جعل البون الشاسع بين سينما القطاع العام والقطاع الخاص في سورية ظهورات فهد بلّان أشدُّ تسطُّحاً، وأقرب إلى الدراما الكوميديّة الترفيهيّة المتمركزة حول البيئة الريفيّة. ويتجلّى ذلك في فيلم "أفراح الشباب" الصادر في لبنان سنة 1963، من إخراج محمد سلمان، إذ شاركته البطولة النجمة اللبنانيّة صباح. ففي أغنية "وقّف يا شوفير"، يظهر بلّان للمشاهد عبر شخصيّة سينمائيّة تكاد تطابق شخصيّته الغنائيّة؛ شابّاً يحاول إيقاف سيّارة أجرة على الطريق البحريّة غرب بيروت.

ومثل الإضاءة الطبيعيّة المنبعثة من شمسٍ مشرقة، وبعد مقدّمةٍ فرِحة مزركشة بإيقاع الدفّ وغنج الأكورديون وصيحاتٍ تمهيديّة في الخلفيّة، يصدح بلّان على مقام الراست البهيج منادياً: "وقّف يا شوفير، طلّعنا، بدنا نزور رفيق الروح، وأجرة ما معنا"، مستعملاً أسلوبه الأدائي الخاص في تقطيع الأبيات إيقاعيّاً عند كل حرف خفيف، ومحتفظاً باللغة العاميّة واللهجة الجبليّة التي التصقت بصوته منذ أن سُمع للمرّة الأولى عبر أثير إذاعة دمشق منتصف القرن.