عبد السميع بيومي... ابتهالات حتى الفجر

02 مارس 2025   |  آخر تحديث: 16:18 (توقيت القدس)
تُجمع كل المصادر على أن بيومي التحق ببطانة علي محمود (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الشيخ عبد السميع بيومي يُعتبر من أعلام الإنشاد الديني في مصر، يتميز بصوت أصيل وأداء قوي، مما أكسبه مكانة رفيعة بين نخبة المستمعين رغم عدم شهرته الواسعة.

- بدأ مسيرته كقارئ للقرآن في الباجور، وتلقى تعليمه الموسيقي في القاهرة على يد الشيخ درويش الحريري، مما ساهم في صقل موهبته، رغم عدم تخرجه من معهد موسيقي.

- ترك بيومي تسجيلات توثق أداء التواشيح مع البطانة، وتظل شاهداً على هذا الفن الأصيل، حيث ساهمت جهود الهواة في إتاحتها على الإنترنت لتعريف المستمعين الجدد بهذا التراث.

بالرغم من أن الشيخ عبد السميع بيومي (1905 - 1981) لم يحظ بجماهيرية واسعة مثل التي حازها أقرانه من كبار المنشدين في مصر، فإن له مكانةً كبيرةً عند نخبة المستمعين، من أصحاب المعايير الدقيقة والذائقة المدربة.

طبيعة صوت الشيخ تستدعي إلى ذهن المستمع كل معاني القدم والإيغال في الزمن، وأسلوبه الأدائي يضمن له موقعاً رفيعاً بين أهل الصنعة من أعلام الإنشاد، بل يجعله أحد الخبراء الكبار في هذا الميدان. فالرجل يؤدي القصائد والتواشيح والابتهالات وقصة المولد، وغيرها من ألوان الإنشاد الديني بأسلوب قوي محكم.

يستوي في ذلك أداؤه الفردي، أو مع إسناد البطانة. ولأن عبد السميع بيومي لم يتخرج من معهد موسيقي، ولا أكاديمية فنية، فإن تسجيلاته النفيسة تثير سؤالاً مشروعاً عن طرائق التأسيس الفني في قرى مصر ومدنها أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وعن طبيعة المحاضن الفنية التي يمكن أن تصقل المواهب والأصوات ذات الاستعداد حتى تخرج بهذا المستوى الرفيع من الأداء، كذلك تثير في المقابل سؤالاً عن أسباب اختفاء ذلك النمط من التعليم المؤسس، بل واختفاء المحاضن التي تنتجه، وصولاً إلى انتهاء فكرة التأسيس من أذهان الأجيال الجديدة من المنشدين والمبتهلين، أو اقتصارها على معرفة أسماء عدة مقامات أساسية أو فرعية، مع محاولات سطحية لتقليد الأعلام الراحلين تقليداً استنساخياً يقتل الخيال والإبداع.

من الواضح أن المرحلة التأسيسية التي مرّ فيها بيومي استهدفت في المقام الأول أن يكون قارئاً للقرآن الكريم، وأن الإنشاد لم يكن الهدف الأول. حفظ عبد السميع بيومي القرآن وتلقى تعليمه الأوليّ وهو صبي في بلدة الباجور بمحافظة المنوفية، ثم تعلم أحكام التجويد، لينتقل بعدها إلى تعلم القراءات، وممارسة التلاوة في المحافل والمآتم. ومع اتساع شهرته، وجمعه بين التلاوة والإنشاد، انتقل إلى القاهرة، وتلقى أساسيات المقامات الموسيقية على يد الأستاذ الأشهر الشيخ درويش الحريري، وتعلم مبادئ العزف على العود.

تُجمع كل المصادر التي تتحدث عن الرجل على أنه التحق ببطانة كبير المنشدين الشيخ علي محمود، وتلك ولا شك كانت خطوة مهمة، بل ربما كانت أهم خطوات صقله وتدريبه وإكسابه تلك الخبرة التي يلمسها كل من يستمع إلى تسجيلاته. كانت بطانة علي محمود أشبه بمدرسة كبيرة لتخريج أساتذة الإنشاد الديني، بل وأساتذة الموسيقى والغناء. لكن لا تتوافر معلومات واضحة عن توقيت التحاق بيومي بالشيخ علي، ولا توقيت الاستقلال عنه، ما يعني أن الجزم بزمالته لطه الفشني أو محمد الفيومي أو زكريا أحمد يُعَدّ ضرباً من المجازفة.

ولفترة ليست قصيرة، جمع الشيخ عبد السميع بيومي بين تلاوة القرآن والإنشاد الديني، سواء في الإذاعة المصرية، أو إذاعة الشرق الأدنى في فلسطين، لكن مكانته في التلاوة لم تكن على قدر مكانته في الإنشاد. وفي الخمسينيات، مع الإشراف الفني للموسيقار محمد حسن الشجاعي على الإذاعة، صدر قرار يُقصر تعاون الشيخ مع الإذاعة على الإنشاد الديني، ليصبح الرجل أحد الفرسان الثلاثة المعتمدين للإنشاد الديني فقط مع الشيخين محمد الفيومي ومحمد الطوخي، قبل أن ينضم إليهم الشيخ نصر الدين طوبار منتصف الخمسينيات. 

ظهر الشيخ بيومي في عصر المواهب الكبيرة، والفرز الذي يبلغ أحياناً درجة من القسوة. ليس سهلاً أن يستمع الجمهور إلى منشد يعاصر رائداً بوزن علي محمود، أو نجماً بسطوع طه الفشني، أو متمكناً بحجم محمد الفيومي. لكن بيومي امتلك صوتاً وأداءً يسمحان له بالمزاحمة وسط هؤلاء الكبار، وأثبت قدرة فائقة على الاستمرار، حتى مع الوهن وتقدم السن.

لم يعتزل الرجل أداء ابتهالات الفجر حتى آخر حياته، ورأى القائمون على الإذاعة فيه عنواناً للأصالة الفنية، كان الشيخ محافظاً، لم يتأثر بما طرأ على فن الإنشاد من أساليب جديدة، جاءت مع مقترحات الملحنين، أو مع الرؤية ذات الطابع الحداثي التي قدمها نصر الدين طوبار أواخر الستينيات، أو ما تطلبه ظهور التلفزيون وتسجيل الابتهالات بالصورة، ولا بالأسلوب الجديد الذي قدمه النقشبندي مع عدد من الملحنين، في مقدمتهم بليغ حمدي.

ظل عبد السميع بيومي على ذلك النمط القديم، الذي عرفه مقتبل حياته قبيل ثورة 1919. وبعد انتقاله من الباجور إلى القاهرة، سكن بيومي في منطقة الغورية التي يمكن اعتبارها عنواناً للعراقة القاهرية، في أبنيتها وآثارها وأسواقها وبيوتها المزينة بالمشربيات، وأيضاً بأنماط الأداء الصوتي الشائع فيها تلاوة أو إنشاداً. كان صوت الشيخ بيومي معبراً عن كل هذه العراقة المتراكمة طبقات بعضها فوق بعض.

ترك الشيخ بيومي قدراً لا بأس به من التسجيلات، وإن كانت لا تتناسب مع طول مسيرته مع فن الإنشاد، لكنها في مجموعها تنبئ عن قدرة وتمكن وخبرة، ولا سيما أن أكثرها يمثل نماذج رفيعة للأداء مع البطانة، وتبادل الجمل، والتصرف في اللحن، ثم التسليم إلى المجموعة باللحن الأساسي. تتبدى بطانة الشيخ متماسكة قوية، قادرة على الأداء من الطبقات العالية بثقة وعنفوان، وفي كثير من الأحيان يدخر الشيخ جواباً حاداً من أعلى طبقاته الصوتية ليختم به التوشيح أو القصيدة بقفلة جماعية مع البطانة، فيمنح اللحن نهاية فخمة تليق بالمسار النغمي القوي الذي قدمه.

تكتسب هذه التسجيلات قيمة كبيرة لأسباب عدة، أولها أنها تمثل توثيقاً دقيقاً لطرائق أداء التواشيح مع البطانة خلال القرن الماضي، وهي وسيلة مهمة للتعلم وتشرُّب الأساليب الرفيعة التي كان عليها أعلام الإنشاد، قبل تدهور هذا الفن ودخوله في أزمة واضحة صوتياً وأدائياً، ثم تزداد قيمتها باعتبارها نظاماً مندثراً؛ فمنذ أوائل السبعينيات، أخذ الإنشاد مع البطانة يتراجع تدريجياً، حتى اختفى كاملاً، وأصبح جزءاً من الماضي الفني، الذي تقف عقبات كثيرة من دون استعادته وإحيائه.

يتميز أداء الشيخ بيومي بكثير من التلطف، فصنعته ليست ظاهرة، لكنها عميقة، لا تستهدف الإبهار، وليس فيها تلك التصرفات السريعة والمدهشة التي يجدها المستمعون عند الشيخ علي محمود، وصوته ليس فيه نعومة طه الفشني التي تجذب كل فئات المستمعين. ولكل ذلك، يمكن اعتبار الشيخ صوتاً نخبوياً، لا يقدره إلا أصحاب الآذان المدربة على التقاط الجماليات المتوارية، من دون اكتفاء بالبهرج السافر.

من التسجيلات اللافتة التي خلفها بيومي، وتستحق الإشارة والانتباه، توشيح "رب السموات العلا حسبي ومعتمدي"، الذي كان يرد فيه على استهلال البطانة بآهات بالغة الجمال، يقفلها بتسليم يجبر البطانة على التكرار، ثم تصرفه في لفظة "الكرام" كما فعل في الاستهلال، ثم العودة إلى الآهات بصيغة أطرب من الأولى، ثم القفل على جواب النغمة بكل قوة وثقة وإحكام.

ظل الشيخ عبد السميع بيومي ركناً من أركان الإنشاد الديني، وابتهالات الفجر، والاحتفالات الدينية، ولا سيما في شهر رمضان. كان للرجل إسهام واضح في الصورة الإذاعية الدينية، بالمشاركة الغنائية، والإنشاد المصحوب بالعزف الآلي. وتوثقت علاقته بجاره، المطرب المشاغب الشيخ إمام عيسى، الذي كثيراً ما قبل أن يكون عضواً في بطانة المنشد الكبير، ثم أوصى بأن يدفن معه عند الرحيل، وهو ما كان.

في عصر ما قبل الإنترنت، والمنتديات الموسيقية، ومواقع التواصل الاجتماعي، كان الاستماع إلى تسجيلات الشيخ بيومي متوقفاً على ما تبثه له الإذاعة من تواشيح متكررة لا تستغرق عدة دقائق، لكن الهواة على مواقع التواصل بذلوا جهداً واضحاً لجمع تسجيلات الشيخ وإتاحتها للمستمعين، وأضحت عشرات القصائد والأناشيد التي غرد بها الرجل ميسورة مرتبة، تنادي على طلاب الطرب أن استمتعوا، وتنادي قبلهم على المنشدين الجدد أن تعلموا.