"عائشة لا تستطيع الطيران"... لغة سينمائية قوية وموضوع إنساني عميق
استمع إلى الملخص
- أضفى المخرج مراد مصطفى بُعداً فلسفياً وإنسانياً باستخدام تقنيات سينمائية لخلق شعور بالقلق والواقعية، مما جعل المتلقي جزءاً من التجربة الدرامية، وأضافت الرموز والمعاني القوية بعداً جمالياً وفكرياً.
- نجحت الممثلة بوليانا سيمون في تجسيد مشاعر عائشة، مما أضفى سحراً خاصاً على الفيلم، الذي عُرض في مهرجان كانّ 2025، ويمزج بين الواقع والفانتازيا، معطياً السينما المصرية ميزة فريدة.
استطاع المخرج المصري مراد مصطفى أن يُعبّر، بشعرية طافحة، عن الذات المحترقة بنيران الغربة واللجوء، انطلاقاً من متغيرات طارئة ترسمها الحروب والمآسي والمواجهات الدامية. شكّل لذلك سبباً مناسباً لرسم هذه الرؤية، عبر شابة سودانية لاجئة في مصر، وجدت نفسها بين ليلة وضحاها غريبة وبعيدة عن وطنها، في رقعة جغرافية لم تستطع الاندماج فيها كما ينبغي. حاصرتها الظروف من كل جهة، لتُخرج أسوأ ما فيها، ليس لأنها مُخيّرة، بل لأن الواقع المرّ فرض عليها ذلك. رغم تلك التطورات، أشرع مصطفى أمامها باب الأمل والمحبة، لتمارس الخير الذي توفّر إليها، عبر مهنة التمريض، التي تمارسها في أوقات متقطّعة.
إنها عائشة (بوليانا سيمون). من الاسم تتجلّى التقاطعات الدينية، المنطلقة من البيئة الأم (السودان)، أو البيئة الحاضنة (مصر)، بما هو فضاء طارئ لها. بهذه المفارقة، تظهر التناقضات من جهات عدّة، يُفترض بما يجمعهما أن يكون أكثر مما يفرّقهما. لكن المجتمع يرسم قسوته في النهاية، ويتغلب على أكثر القلوب رقّة وتسامحاً، بسبب الحاجة والفقر والمشاكل اليومية التي تحاصره. بذلك، يتحصّن بالقسوة والعنف ومظاهر الانفلات، ليتغلّب على مرارة الواقع وعقباته، ويوفّر لقمة العيش بمنطق الغاب، حيث يأكل القوي الضعيف.
صنع مصطفى قالباً دقيقاً وجميلاً، وعكسه في "عائشة لا تستطيع الطيران" (2025)، المعروض للمرة الأولى دولياً في قسم "نظرة ما"، بالدورة 78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان كانّ، قبل مشاركته في مهرجانات أخرى عدّة. ظهرت مقدرته في مفاصل عدّة منه، بدءاً من سيناريو متماسك، كتبه بالتعاون مع سوسن يوسف ومحمد عبد القادر، عن قصة تُختزل بالتالي: عائشة شابة سودانية (26 عاماً)، تعمل ممرضة في القاهرة. تعيش في مجتمع مهاجرين أفارقة. تجد نفسها عالقة بين ضغوط الحياة اليومية والعنف المحيط بها، وتحاول بشجاعة الحفاظ على إنسانيتها وحلمها بالحرية، في عالم يبدو مغلقاً أمامها.
رغم وضوحها وتبيان ملامحها وأركانها، أعطى مصطفى القصة بُعداً فلسفياً وصوتاً إنسانياً، إذْ يمكن لعائشة أن تكون شابة أوكرانية أو ليبية أو نيجيرية، فالحالات متنوعة، والحرب واحدة. أكثر من هذا، أشرك المتلقي معه في هذه المغامرة، فلم يجعله مُستقْبِلاً معطيات الفيلم، بل طرفاً فيها، باشتغاله على كاميرا متحرّكة في معظم المشاهد (تصوير مصطفى الكاشف)، تتبع عائشة من الخلف، بعدسة متوسطة في مشاهد خارجية. كما أعطى تحرّكها واهتزازها (الكاميرا) شعوراً بالقلق والاضطراب والواقعية، خاصة في الشوارع ووسائل النقل المختلفة. بالتالي، أصبح المتلقي جزءاً من الركن الدرامي، خاصة أن المؤثرات الصوتية في الشارع (أصوات محرّكات السيارات وأبواقها، احتكاك القطارات، تداخل أصوات الناس) ساهمت في خلق نوع من التوحّد مع القصة، وتلقيها بشكل أكبر. إضافة إلى توسيع دائرة التعاطي معها. جمالياً، أوجد مراد مصطفى لغة سينمائية مليئة بالرموز والمعاني القوية، فكانت مكمّلة للغة المحكية: مثلاً، هناك لوحتان معلّقتان على جدارين مع جملة واحدة: "إن الله مع الصابرين". إضافة إلى تناقضات عدّة لعب عليها، وشكّل منها مساحة تأمّل وتدبّر، وطرح أسئلة مهمّة. كما عرف كيفية تشكيل لوحاته الفنية ـ مشاهده السينمائية، بتفاصيل صغيرة صنعت جماليات كثيرة، منحت نوعاً من الرضا البصري والمعرفي، كإبرازه طريقة صناعة نسخة من المفتاح، وقلي شريحة اللحم، ومعالجة مكان إصبع مقطوع من قدم رجل، وتكسير زجاج النافذة وإصلاحها. وأظهر السياق الزمني للقصة الدرامية بطريقة ذكية، بإبراز ملصق إشهاري لـ"نابليون" (2023) لريدلي سكوت في القطار، ما يعني أن أحداث "عائشة..." جرت في تلك الفترة. كلها تفاصيل صغيرة، لكنها حين تُجمع وتُنسج، تشكّل الجمالية الكبرى له.
"عائشة لا تستطيع الطيران"، فيلم سينمائي مهم، مَزَج الواقع والفانتازيا بمشاهد عنف. هذه منطلقات مهمة خدمته بشكل ما، لأن للواقع ما يوازيه دائماً. فيه، انعكست هواجس عائشة ومخاوفها من الحياة التي تعيشها، فتشكّلت لها منطلقات ماورائية، أعطت الفيلم بُعداً عميقاً، وأخرجته من سياقه الواقعي القاتم.
نجح مصطفى، في أول روائيّ طويل له (له أفلام قصيرة مهمة، كـ"حنة ورد" عام 2020، و"خديجة" عام 2021، و"ما لا نعرفه عن مريم" عام 2021، و"عيسى" عام 2023)، في امتحان الموهبة والترسيخ بامتياز، وهذه الموهبة عكستها الممثلة السودانية بوليانا سيمون في أول تمثيل لها. فرغم ملامحها الباردة، وقسمات وجهها الجامدة، استطاعت أن تعكس شعور القلق والخوف والصدمة وانكسار الحلم. إضافة إلى جهود الممثلين الآخرين، كزياد زازا وممدوح صالح وعماد غنيم وغيرهم، إلى الكومبارس، فلكل منهم حضورٌ قويّ عبر وجوههم الموحية والمُعبّرة. هذه الخيارات أعطت الفيلم سحره. "عائشة لا تستطيع الطيران" تجربة سينمائية مميّزة، أخرجت المتن السينمائي المصري من سياقه العام، وأعطته ميزة خاصة غير مُكرّرة، وحلّق عالياً بالفريق الذي صنعه.