"ضغط" يستعيد ما قبل إنزال النورماندي بجمالية متفرّدة

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 09:39 (توقيت القدس)
"ضغط": ضغوط قاسية قبل بدء إنزال النورماندي (الملف الصحافي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- فيلم "ضغط" للمخرج أنتوني ماراس يعيد إحياء وقائع الحرب العالمية الثانية، مركزًا على دور عالم الأرصاد الجوية جيمس مارتن ستاغ في تحديد موعد الإنزال الجوي والبحري لجيش الحلفاء في النورماندي، مما ساهم في تحرير أوروبا من النازية.
- يتميز الفيلم بأداء قوي من أندرو سكوت وبرندان فريزر، مع تشخيص دقيق للشخصيات الحقيقية، مما يعزز مصداقية الفيلم ويجعل المشاهد يعيش تجربة الحرب بشكل واقعي.
- يعيد الفيلم للأفلام الحربية هيبتها من خلال تصوير مشاهد المواجهة الكبرى واستخدام زوايا تصوير متقنة، مما يجعله تجربة سينمائية مشوقة ومثيرة.

 

رغم مرور 80 عاماً على انتهائها، لا تزال وقائع الحرب العالمية الثانية ونتائجها وظروف اندلاعها وتأثيراتها حاضرة، بسبب الصدمة الكبيرة التي سبّبتها للبشرية. لذا، يتمّ العودة إليها سينمائياً، لتسليط ضوء على نقطة من فضاءاتها المتعدّدة، فالمواجهة كبرى، وعدد قتلاها بلغ نحو 85 مليون مدني وعسكري، والسينما أعادت تشكيل تلك الآلام بأثر رجعي، أو برسم أبعاد بطولة، وجوانب فرح وانتصار.

هذا فعله الأسترالي أنتوني ماراس في "ضغط" (2026)، متعاوناً في كتابته مع المسرحي والممثل ديفيد هيغ، الذي كتبها وقدّمها مسرحياً عام 2014، فأثارت اهتمام ماراس إلى حدّ أنه جعلها فيلماً سينمائياً باهراً.

لم يكن اسم المخرج معروفاً عالمياً قبل 2018، لحضوره بشكل محدود في المشهد السينمائي الأسترالي فقط، بصفته كاتباً ومخرج أفلام قصيرة. لكنه كشف عن موهبته في أول أفلامه الروائية الطويلة، "فندق مومباي"، المعروض أولاً في الدورة الـ43 (6 ـ 16 سبتمبر/أيلول 2018) لمهرجان تورونتو السينمائي، فنال إشادة واسعة، لإثباته مقدرته السينمائية. بعد ثماني سنوات، عاد بفيلم دراما تاريخية حربية، أنتجته المملكة المتحدة وفرنسا.

تدور أحداث "ضغط" (Pressure) في الفترة السابقة للإنزال الجوي ـ البحري لجيش الحلفاء في النورماندي، أي قبل ساعة الصفر بثلاثة أيام كاملة. حينها، لعب الطقس دوراً محورياً، فحياة آلاف الجنود تعتمد على توقّعات علماء الطقس وتحليلاتهم. عالِم الأرصاد الجوية الاسكتلندي جيمس مارتن ستاغ (1900 ـ 1975)، عضو قيادة الحرب، مسؤول رئيسي عن تقديم التوقّعات الجوية لعملية الإنزال، فهو وحده فقط يُحدّد هذا الموعد المهم، الذي حُضّر له سنوات، ارتكازاً على قراءاته التي ستخلّص البشرية من النازية الجاثمة عليها سنين طويلة.

 

 

رغم تجربته المحدودة، وعدم امتلاكه مساراً طويلاً، قدّم ماراس فيلماً حربياً مُتقناً ومُقنعاً، استناداً إلى سيناريو محبوك بعناية فائقة، ركّز على جوانب تخدم معالجته، التي تثبت الدور المحوري لستاغ (أندرو سكوت) في رسم معالم الحرب. وهذا إلى جانب برندان فريزر، الذي يؤكد في كل دور أنه ذو موهبة كبيرة في التمثيل، ومكانه الدائم الصف الأول. في "ضغط"، يؤدي دور الجنرال دوايت أيزنهاور، الذي تحمّل مسؤولية كبيرة باتّخاذه قرارات صعبة ومصيرية، وفقاً لتقديرات ستاغ. بالإضافة إليهما، هناك كيني كوندون (كاي سامروبي، مساعدة أيزنهاور)، وداميان لويس (الجنرال مونتغمري)، وآخرين شكّلوا معاً لوحة متقنة جداً.

التشخيص مهم ومحوري في أفلام تستند إلى وقائع وأسماء حقيقية، كـ"ضغط"، لأن أي خطأ أو تهاون يُفقدان الفيلم مصداقيته، ويقطعان الثقة التي يُفترض بها أن تنشأ بين الفيلم والمتلقي. لذا، حرص ماراس على نجاح هذا العنصر، فتعاطى معه بكل مسؤولية. كما أنه لم يكتفِ بما يحدث في غرفة العمليات، حيث تجتمع الشخصيات الأساسية، بل نقل المُشاهد إلى عالم المواجهة المباشرة، وجسّد لدقائق عدّة جزءاً من المواجهة الكبرى على شاطئ النورماندي بين الحلفاء والجيش النازي، الذي حصّن المنطقة بالمتاريس والحواجز. إضافة إلى تجسيده أيضاً جزءاً من المناورة الكبيرة، المعروفة بمناورة "تايغر"، الذي يُفترض بها أن تكون تدريباً، لكنها تحوّلت إلى مجزرة بسبب عدم التنسيق، وتدخل الجيش النازي، فأزهقت أرواح عشرات الجنود الفتيان. صوّر ماراس هذه الحادثة، لإسقاطها على شخصية أيزنهاور، فعبر تداعياتها تتحدّد ملامح المواجهة وتبعاتها.

هذه المعطيات، رغم قسوتها وكثرة الدماء فيها، شكّلت لوحة جمالية متفرّدة، جسّدتها المَشاهد المُصوّرة بزوايا متقنة، وإضاءة موحية ومُعبّرة (تصوير جيمي دي رامزي). النتيجة؟ فيلم يصعب رصد هناته ومطباته، لإنجازه بإيقاع سريع، وبناء مُحكم ودقيق، يحبس الأنفاس، بفضل حرفية الإخراج وكتابة السيناريو في تشكيل الحبكة الأساسية، وتضمينها قصصاً ثانوية ومنطلقات إثارة وتشويق. تمّ التحكّم كلياً في الفيلم، خاصة أنه لم يكن طويلاً جداً (100 د.)، كعادة الأفلام الحربية. هذا يتطلّب اقتصاداً في الصورة والحوار والشكل والتسلسل الزمني، لتكثيف المعنى وتقديمه بشكل متكامل.

أعاد "ضغط" إلى الأفلام الحربية هيبتها، ونفض الغبار عن أسماء لم تُعلّق صُور أصحابها على جدران النصر، رغم الأهمية الكبرى لأدوارهم البطولية الفارقة. إنه تجسيد عملي في المزاوجة الجيدة بين الموضوع والتمثيل والشكل، فكان فيلماً جميلاً وساحراً.