صورة "فتاة النابالم": من نصدّق؟

26 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:45 (توقيت القدس)
نيك أوت وفان ثي كيم فوك في الفاتيكان، 11 مايو 2022 (أليساندرا بينيديتّي/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في 8 يونيو 1972، التقطت صورة شهيرة لطفلة فيتنامية تُدعى فان ثي كيم فوك، وهي تهرب بعد قصف بالنابالم، وأصبحت رمزًا لرعب الحرب الفيتنامية.
- في يناير 2025، أُثيرت شكوك حول هوية المصور الحقيقي بعد عرض فيلم وثائقي، حيث أُشير إلى أن المصور الفيتنامي نغوين ثانه نغي هو من التقط الصورة.
- رغم الجدل، لم تُحسم القضية بشكل قاطع، مما يعكس قضايا أعمق تتعلق بالاستعمار الصحافي والخوف من السلطة.

فان ثي كيم فوك طفلة في التاسعة من عمرها، عارية وتصرخ رعباً وألماً، وتقف مباشرة أمام عدسة الكاميرا التي وثقت هذه اللحظة في 8 يونيو/حزيران عام 1972 بعد قصف بالنابالم في ترانغ بانغ جنوبي فيتنام. ستصبح هذه اللقطة إحدى أكثر اللقطات الصحافية شهرة وتأثيراً في القرن العشرين، حتى إن البعض قد يذهب إلى القول إنها سرّعت انتهاء الحرب في فيتنام التي استمرت حتى عام 1975 وشهدت في النهاية سيطرة الشيوعيين على جنوب البلاد المدعوم من الولايات المتحدة.

من كان يقف خلف الكاميرا حينها؟ حتى مطلع هذا العام، كان محسوماً أن صورة "رعب الحرب" (فتاة النابالم) التقطها مصور وكالة أسوشييتد برس نيك أوت، وحاز عنها جائزة "بوليتزر" وجائزة "وورلد برس فوتو"، وملأ الدنيا وشغل الناس بحديثه عن هذه اللحظة التي "غيرت حياته" حين كان في الحادية والعشرين من العمر.

بعد خمسة عقود، برز سؤال جديّ: هل كان نيك أوت مَن التقط الصورة فعلاً؟ أثيرت هذه القضية تحديداً في يناير/كانون الثاني 2025، حين عُرض فيلم وثائقي عنوانه "المصور المتعاون: الرجل الذي التقط الصورة" (The Stringer: The Man Who Took the Photo) في مهرجان صندانس السينمائي الأميركي، إذ قدّم معطيات تفيد بأن مصوّر اللقطة الشهيرة لم يكن الأميركي نيك أوت، بل هو فيتنامي مغمور اسمه نغوين ثانه نغي، تقاضى 20 دولاراً أميركياً مقابل التخلي عن الصورة. ومنذ ذلك الحين، توالت الاتهامات، وزادت الشكوك، وأثارت مسائل حساسة عن العمل الصحافي نفسه وهشاشته أمام السلطة المؤسسية، وعمن يملك "الحقيقة" فعلاً.

يروي كارل روبنسون، محرر الصور لدى "أسوشييتد برس" الذي كان مناوباً في سايغون عام 1972 أنه على الرغم من معرفته بأن الصورة التقطها مصوّر مستقل، فإنه أُجبر على وضع اسم أوت على التعليق الرسمي "خوفاً على عمله وعائلته"، بعدما تلقى أمراً بذلك من مسؤوله مدير التصوير الشهير هورست فاس، وفقاً لرسالته المنشورة في صحيفة واشنطن بوست يوم 22 ديسمبر/كانون الأول الحالي. يضيف روبنسون أن هذا القرار ظل يثقل كاهله طوال خمسين عاماً، وأنه يعتقد أن نغوين ثانه نغي هو الذي التقط الصورة فعلاً.

"اعتراف" روبنسون جاء رداً على مقال للمصوّر الصحافي الأميركي ديفيد بورنيت نُشر في الصحيفة نفسها في 18 ديسمبر الحالي. بورنيت الذي كان حاضراً في موقع الحدث يقدّم رواية مضادة، يصر فيها على أن نيك أوت هو من التقط الصورة، ويكتب في "واشنطن بوست" أنه يتذكر اللحظة "بوضوح شديد". وفقاً لروايته، فإنه كان يقف على الطريق خارج قرية ترانغ بانغ رفقة أوت والمراسل أليكس شيمكين، بعد دقائق من هجوم النابالم، عندما شاهدوا أول الأطفال يفرّون عبر المقبرة في اتجاههم. وبينما كان بورنيت منشغلاً بإعادة تحميل فيلم في كاميرته القديمة من نوع "لايكا"، لاحظ أن أوت وشيمكين، ومن دون تردد، انطلقا ركضاً على الطريق متقدمَين على الصحافيين الآخرين كلهم، باستثناء مصوّر مستقل من وكالة يونايتد برس إنترناشونال. يقول بورنيت إن دقيقة أو دقيقتين، قبل وصول بقية الصحافيين، هي الزمن المرجّح الذي التُقطت فيه الصورة. ويضيف أن نغوين ثانه نغي يظهر في بعض الصور اللاحقة من اليوم نفسه، لكن ليس في المقدمة حيث كان أوت وشيمكين. ومع ذلك، يقرّ بورنيت بأنه لم يرَ بعينيه لحظة التقاط أوت الصورة، ويشدّد على أن الظروف حينها لا تسمح للصحافي بمراقبة ما يفعله الآخرون، بل بالتركيز على ما يراه هو.

يرفض روبنسون شهادة بورنيت، ويصرّح بأنه أبلغه بـ"الحقيقة" عام 2011، لكن الأخير واصل تكرار روايته في المحاضرات والمقابلات.

أمام هذه الشهادات، أعلنت مسابقة "وورلد برس فوتو" العالمية للتصوير الصحافي، في مايو/أيار الماضي، أنها ستتوقف عن ذكر اسم صاحب صورة "فتاة النابالم". في المقابل، أبقت منظمة جائزة بوليتزر على نسبها الصورة لأوت، وأكدت أنها "لا تتوقع اتخاذ أي إجراء مستقبلي" في هذا الشأن، وكذلك فعلت "أسوشييتد برس" التي خلصت إلى أن أوت يستحق الاحتفاظ بنسب الفضل إليه في التقاط الصورة، في ظلّ عدم وجود أدلة قاطعة تدحض ذلك، ما "أرضى" المصور الذي تحدث عن "الألم البالغ" الذي سبّبته له هذه المسألة.

وبين هذه الروايات، لا تُحسم القضية للمتابع، أكان صحافياً أم مصوراً أم مجرد متفرج. نحن أمام معركة بين مصوّر ينتمي إلى مؤسسة عريقة وزميل محلي له يعمل مستقلاً، وإقصاء الأخير، إن صحّ، يعكس نمطاً استعمارياً في الصحافة الدولية: الصور التي تلتقط في الجنوب تُنسب غالباً إلى أسماء معروفة في الشمال. وقول روبنسون إنه "خاف على عمله وعائلته" يسلّط الضوء على دور الخوف في صناعة الرواية الصحافية. قرار لحظي في غرفة أخبار أصبح حقيقة تاريخية لعقود، ليس لأنه كان صائباً، بل لأن أحداً لم يجرؤ على نقضه. كما أن الشهادات التي تبرز اليوم، بعد أكثر من خمسين عاماً، تغيب عنها الأدلة الزمنية القاطعة؛ إلى أي حد يمكن للذاكرة الفردية حسم حقيقة تاريخية؟ أما فان ثي كيم فوك التي نجت وتقيم في كندا، فتظل خارج هذا النزاع كله، فهي الضحية الحقيقية، ولا يغير أي جدل حول هوية المصوّر شيئاً من حجم ما عاشته ذلك اليوم.