"صوت هند رجب"... إعادة تموضع في بنية الكارثة

23 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:36 (توقيت القدس)
حلقة نقاش في الدوحة حول "صوت هند رجب" (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التماس بين الوثيقة والتمثيل: فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة كوثر بن هنية يعيد بناء مأساة حقيقية في غزة بشكل روائي، مما يثير تساؤلات حول حق السينما في الاقتراب من أحداث مؤلمة.

- الأمل والعجز: يعيد الفيلم تموضع المشاهدين في البنية الأخلاقية للكارثة، حيث يشعرون بالعجز والغضب عند سماع صوت الطفلة هند المحاصرة، مما يعكس عجزهم عن التدخل.

- التمثيل والواقع: يركز الفيلم على الصوت كبطل، حيث يعكس التمثيل الواقعي الشخصيات الحقيقية دون تقليد حرفي، مما يضفي ثقلاً نفسياً ويبرز الصراعات الأخلاقية.

يشتغل فيلم "صوت هند رجب" على نقطة تماس ذات حساسية خاصة بين الوثيقة والتمثيل. وقد حاولت المخرجة التونسية كوثر بن هنية إعادة بناء المأساة روائياً، بينما تواصل وقوعها الوثائقي في غزة. جرى ذلك تحت ضغط السؤال عن حق السينما في الاقتراب من حدث مفتوح الجرح والزمن. وكان قلق المخرجة ضرورياً لدى الإجابة على السؤال، لأنه أسهم في نجاح محاولتها الوصول إلى فيلم موهوب ومثابر.

عبر "صوت هند رجب" استطاعت بن هنية أن تصنع سينما تجرِّم المشاهِد ذاته، تجعل من فعل جلوسه والاستماع إلى صوت يتردد عبر الهاتف موقفاً أخلاقياً محرجاً. استوعبت المخرجة ساعات مكثفة من الموت المحتمل، حين كانت الطفلة هند حية ومحاصرة في سيارة مملوءة بالجثث، تستنجد بمتطوعي الهلال الأحمر وهم بدورهم يبذلون الوعود لها بأنهم "حتماً" قادمون.

واستمرت هذه الـ"حتماً" سبع ساعات، كانت فيها هند نيابة عن عشرين ألف طفل مرسومة بما تيسر من خيال تحت القيامة، بالباستيل الزهري والأحمر المحروق والغبار، وبلون العجز الذي لا نعرف خاصيته اللونية، وشيء آخر سنتعرف إليه في الفيلم اسمه "التنسيق"، الكلمة الأشدّ بذاءة في التاريخ السياسي للاحتلال والواقعين تحت الاحتلال.

الأمل والعجز في "صوت هند رجب"

ما حدث عند عرض "صوت هند رجب" في ثلاث قاعات سينما، وافتتاحه مهرجان الدوحة السينمائي 2025 يوم الخميس الماضي، ثم الحلقة النقاشية يوم الجمعة أن الجمهور والمتطوعين والطاقمين التمثيلي والتقني، ووالدة هند والمخرجة، كانوا يستعيدون لعبة الأمل والعجز. الأمل ثابت أنه لم يعد موجوداً، والمشاهد يدخل هذه الساعة ونصف الفيلمية، وهو يعرف أن صوت الطفلة هند رجب، انقطع إلى الأبد يوم 29 يناير/كانون الثاني 2024، لكنّه يدخل ليشعر بمزيد من العجز، والغضب، وبمزيد من المسؤولية، وليسمع نداء الاستغاثة يتكرّر، ثم لا يعود ثمة من يسمع ولا يعود صوت يائس سوى صوت مظفر "سيكون خراباً... هذي الأمة لا بدّ لها أن تأخذ درساً في التخريب"، هو يتأكد أنه عاجز أكثر من متطوعي الهلال الأحمر الواقعين بدورهم تحت سيطرة احتلال يرى دائماً أن أفضل طريقة للتشويش على جريمة، هو ارتكاب واحدة جديدة.

"صوت هند رجب" يعيد التموضع

إذاً، ما فعلته المخرجة بن هنية في "صوت هند رجب" هو تحويل السينما من آلة للفرجة إلى مساحة لتحمل المسؤولية. نحن المشاهدين لا "نشاهد" الفيلم، بل يعاد تموضعنا في البنية الأخلاقية للكارثة، نحن لا "نشاهد" موت هند، بل نسمعه يحدث، بينما نعجز عن التدخل، تماماً مثل المسعفين الذين تتحول أجسادهم إلى آذان مشلولة.

حين نراهم جميعاً على مسرح الحلقة النقاشية في مهرجان الدوح السينمائي، نلاحظ هذا الشبه الكبير بين الممثلين والشخصيات الحقيقية، ما يشير إلى قراءة "كاستنغ" موفقة أبقت واقع التجربة حاضراً داخل الكادر، من دون تحويل التشابه إلى تقليد حرفي. وبالتالي عمل الكاستنغ جسراً مر عبره الحدث الحقيقي إلى الشاشة، وحضور الممثلين يجعل الوجوه الواقعية مرجعاً مستمراً، ويمنح الشخصيات تمثيلاً قادراً على حمل الثقل النفسي للحظة، بما فيها من ارتباك، وشعور بالانحطاط النفسي والجسدي، وهم يدركون أن الصوت الذي يسمعونه ليس مكالمة على الموبايل، بل حياة تنزف مع الوقت. بهذه المقاربة، تحوّلت الخطوة التقنية في صناعة الفيلم إلى قرار يوازن بين تمثيل الدور وحماية أصله، ويعترف بأن الأداء لا يسبق التجربة ولا يتفوق عليها.

فضاء ضيق

لجأت المخرجة إلى خيار حقيقي ومرآوي روائي يوفر فرصة لا يشق لها غبار. ما دامت هند حبيسة السيارة والدبابات تدبّ حولها، والرصاص من كل حدب وصوب، فليكن الخيار أن تحشر كل الأحياء القادرين على الحركة في فضاء سينمائي ضيق، هو مقر الهلال الأحمر في رام الله. ترد كوثر بن هنية على سؤال "العربي الجديد" بالقول إنّ اختيارها لبناء الحكاية من داخل غرفة عمليات الهلال لم يكن الوحيد، "كان يمكن أن أروي من منظور هند، أو أمها، أو حتى الدبابة، لكنني قرّرت أن يكون الحدث المرئي هنا، لأنه الإطار الأكثر صدقاً".

والقرار الإخراجي بحبس الفيلم داخل مقرّ الهلال حوّل السينما من فن الرؤية إلى تقاسمه مع فن استماع قسري. فالصوت بطل معجز عن الحركة كاسح للساقين. صوت هند أداة تعذيب إبستمولوجي، كأنّ الإنسان يشقى بالمعرفة. فنحن نعرف أكثر من قدرتنا بكثيرعلى الفعل. تتحول المعرفة إلى عبء، وسماع صوت طفلة بعيد ووحيد، يتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ اللاإرادي. حين ينادي "تعالوا.. الدبابة جنبي"، "تعالوا أنا خائفة من العتمة" فإنّ النداء موجه إلينا أيضاً، نحن الجالسين في صالة السينما، الشهود على جريمة لا يمكننا إيقافها.

ما يجعل قرار المكان الواحد خياراً موهوباً ليس التكثيف الدرامي فحسب، بل تحويل مقر الهلال الأحمر إلى مسرح تفجرت فيه الصراعات الأخلاقية بين من يحملون العجز ذاته لكن بأشكال مختلفة. فالفيلم يضج بحركة الأجساد التي تنهار، والصرخات، والاتهامات. هذا المكان الضيق ويغلي فيه الغضب والانكسار.

لكَم كان من الصعب تحملُ رنا (سجى كيلاني) استيعاب شيخوخة الوعي أو التغلغل المرعب للمعاني المولودة قبل ساعات والميتة بعد قليل. كانت الطفلة تعرف على نفسها بأنها "هنّود" ثم أصبحت هند. ثمة أريحية أو توهُّمها ربما، لتكون في البداية هنّود باسم الدلع، إلى أن مضت الساعات كلّها، كأنّ كل واحدة عن ألف مما تعّدون، فصار اسمها بالضبط كما يُكتب في شهادة التقدير المدرسية، أو شهادة الوفاة.

النائم والميت

ثم تخبرنا هنّود أن قريبتها الطفلة التي معها في السيارة نائمة. بعد ساعات تطلب المتطوعة منها أن تهدأ وتدع رفيقتها وأهلها نائمين، فتصيح هند هذه المرة وتصحّح لها إنهم "ميتون" لا "نائمون". الفرق بين "نائم" و"ميت" هو الفرق بين الطفولة والمعرفة. أصبحت هند مدركة أنها حية بين جثث، ولم نعثر على صورتها الأخيرة، بيد أن المشهد المرعب الذي شاهدناه بالسمع، يعيدنا إلى الفيلم السوفييتي الكبير "تعال وانظر" للمخرج إيليم كليموف، رأينا كيف تحوّل الصبي فليورا فجأة إلى عجوز، بوجه محطّم، بعد أن رأت عيناه أهله كلهم مذبوحين على يد النازي.

داروين سياسي

يدير مشاهِد "صوت هند رجب" كلمة "تنسيق" في فمه، هذه الكلمة التي يدافع عنها مهدي (عامر حليحل) المسؤول في الهلال الأحمر، والذي يريد حماية طواقم الإسعاف في غزة، استشهد منها 54 مسعفاً ومسعفة، وبالتالي لا مفرّ من التنسيق، بغية فتح طريق آمنة لا يتعرضون فيها للقصف. هذا موقف يصطدم بموقف عمر (معتز محليس) المندفع مرهف الحس، الذي لديه طفل رضيع في البيت، وهو يمثل منطق الفعل الفوري، حين يشتم ويكسر الأشياء، فهو يعرف أن الانتظار يقتل، وأن كل دقيقة إنما تموت فيها هند ببطء. ومواجهته مع مهدي الموظف الأعلى الذي يصر على التنسيق، ليست صراعاً بين شخصين، بل بين منطقين للتعامل مع الموت، واحد يسعى للحماية، بدعوى أننا لا نريد أن خسارة مسعفين آخرين، وآخر المخاطرة باعتبار كل لحظة انتظار خيانة لهند.

بتواصل المخرجة مع الهلال الأحمر تعرّفت (ربما للمرة الأولى) على هذا المصطلح المسمى "تنسيق"، وقد عرفت وعرف مشاهدون كُثُر أنه لا يعني ترتيباً لوجستياً بين مؤسسات، إنما إعادة تأكيد على الهرم الدارويني السياسي: أنت في الأسفل، تنتظر من الأعلى أن يعرف إمكانية حركتك، وأن يقرّر إن كان مرورك مقبولاً، وإن كانت حياتك قابلة للاستمرار، وعليه هو بنية تصنيفية تبقي الفلسطيني في مرتبة ما قبل الدولة، ما قبل الإنسان القانوني.

كانت هند على بعد خطوات من سيارة الإسعاف التي نسّق الفلسطيني ونجح تنسيقه بالحصول على "الضوء الأخضر"، وصفق الهلال الأحمر لنجاح التنسيق، ثم قصفوها واستشهد المسعفان أحمد المدهون ويوسف زينو. حين يحصل المسعفان على ضوء أخضر ثم يقتلان، وتبقى جثتاهما 12 يوماً، قريبتَين من جثة هند، فإنّ ما يحدث هو كشف للعبة: إن المنظومة تمنح الموافقة لتخلق شهوداً على جريمتها، ثم تقتلهم. لطالما سمعنا عن الجريمة الكاملة. إنها أقل بشاعة من الجريمة "المنسّقة".

تخبرنا نبال فرسخ الموظفة في الهلال الأحمر الفلسطيني أن طفلتي يوسف زينو التوأمين ظلتا أشهراً تركضان إلى الباب، كلما سمعتا صوت سيارة إسعاف، لعلّ الأب الذي خرج في مهمة عمل عاد. كل ما قاله المتطوعون وما وصلنا عن الشهيدين المسعفين وصوت هند المسجل الذي لا يتفوق عليه أي نص كتب للجانب الروائي من الفيلم، كل ذلك جعلنا نسمع من الممثلين عبارات تعرب عن الخجل وهم يقفون أمام متطوعي الهلال الأحمر، وأن الشرف هو لهم، بما قدموه تحت احتمال الموت في كل دقيقة، وأن ثمة هرمية أخلاقية تضع الشاهد الحي فوق من يعيد تمثيل الشهادة.

المساهمون