استمع إلى الملخص
- أثار الحدث تساؤلات حول مستقبل الإعلام في ظل صعود المؤثرين، حيث أصبحت فيديوهاتهم أكثر انتشاراً من التغطية الصحافية التقليدية، مع مخاوف من الاعتماد الكلي على محتواهم بسبب غياب الضوابط.
- تمتد هذه التحولات إلى العالم العربي، كما في سوريا، حيث برز ناشطون إعلاميون غير محترفين، مما يعزز انتشار الأخبار الكاذبة، مع استمرار الحاجة للإعلام التقليدي كمصدر موثوق.
برز تشييع الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصرالله، نقطة تحوّل في التعاطي الإعلامي منذ اندلاع الحرب، وسط حضور واسع للمؤثرين وصناع المحتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في مقابل تضييقات واجهها الصحافيون المعتمدون. ففي مشهد غير مألوف، طغى حضور المؤثرين الذين لا ينشطون عادة في المجال السياسي، على حساب الإعلاميين، ما خلق حالة من الفوضى التنظيمية، وطرح تساؤلات حول الدور الإعلامي في تغطية مثل هذه الأحداث. فقد شهد الفندق المخصص لتوزيع بطاقات الصحافة على الصحافيين، سجالات حادة بين الإعلاميين والمنظمين، بعدما مُنع العديد منهم من الحصول على تصاريح تخوّلهم الدخول إلى المدينة الرياضية لتغطية مراسم التشييع.
مصدر في العلاقات العامة لحزب الله أعرب لـ"العربي الجديد" عن امتعاضه من الشكل التنظيمي الذي ساد الحدث، قائلاً: "من غير المقبول دمج الإعلاميين مع المؤثرين، واعتبارهم أولوية في نقل الحدث. لا يمكن لأي صفحة على مواقع التواصل أن تتحول إلى وسيلة إعلامية، فأغلب هذه الصفحات يديرها أشخاص بعيدون كل البعد عن العمل الصحافي".
وأشار المصدر إلى وقوع خلاف بين اللجنة الإعلامية للحزب ولجنة الحماية المسؤولة عن التشييع، حيث تدخّل رئيس اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، ناصر أخضر، في قرارات التغطية والدعوات، ما ساهم في تعميق حالة الفوضى الإعلامية. وأضاف: "من المعيب أن تتحول التغطية إلى مؤثرين و"فاشينيستا"، فهؤلاء يجب أن يكونوا كغيرهم من المواطنين، لا أن تُخصص لهم بطاقات ومعاملة خاصة، بينما يُهمّش دور الصحافيين في التوثيق والمقابلات ونقل المشهد الحقيقي".
أثار هذا الحدث تساؤلات حول مستقبل المشهد الإعلامي في ظل صعود المؤثرين، إذ باتت الفيديوهات التي اجتاحت مواقع التواصل منذ يوم التشييع حتى اليوم، بغالبيتها من إنتاج هؤلاء، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبح عصر المؤثرين هو الذي يصنع الرأي العام، في ظل تراجع دور الإعلام التقليدي والبديل؟
في هذا السياق، تقول الصحافية اللبنانية جنى الشقير لـ"العربي الجديد": "صناعة الرأي العام باتت تمرّ عبر المؤثرين، نظراً إلى غياب ضوابط تحكم المحتوى الذي ينشرونه، ما يجعلهم عاجزين عن تقديم وجهات نظر بديلة أو تحليل معمّق".
وتضيف: "تمتع المؤثرون بديناميكية ربما أكبر من الصحافيين التقليديين خلال التشييع، حيث تمكنوا من نقل الحدث بشكل أسرع عبر البث المباشر، وهو ما جعل محتواهم أكثر انتشاراً مقارنة بالتغطية الصحافية التقليدية". لكنها في الوقت ذاته تحذّر من مخاطر الاعتماد الكلي على محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، مشددة على ضرورة فرز المعلومات وتدقيقها لتفادي نشر الأخبار غير الدقيقة.
هذه التحولات ليست محصورة في لبنان، بل باتت ظاهرة متنامية في العالم العربي، كما تجلّت في اللقاءات الأولية التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع مع وفد من المؤثرين عقب سقوط نظام الأسد.
يشرح الصحافي والباحث السوري روجيه أصفر لـ"العربي الجديد" هذا التحوّل، قائلاً إنه "في سورية، برز خلال الحرب ناشطون إعلاميون في صفوف المعارضة، بعضهم اكتسب خبرة من خلال التغطية الميدانية، لكنهم ليسوا صحافيين محترفين. مع ذلك، تصدّر بعضهم المشهد اليوم، رغم ارتكابهم أخطاء إعلامية فادحة". ويرى أصفر أن "السلطة في سورية تعتمد استراتيجية الغموض الإعلامي عمداً، ما يؤدي إلى انتشار الأخبار الكاذبة، إذ يتم رمي معلومات عبر قنوات متعددة لجسّ ردود الفعل عليها قبل تبنّيها رسمياً أو نفيها". ويضيف: "التعامل مع المؤثرين هو جزء من هذه الاستراتيجية، حيث لم تسعَ السلطة حتى الآن إلى تأسيس إعلام دقيق وشفاف، وربما لا ترغب في ذلك". كما يرى أصفر أن تبدّل مفهوم صناعة الرأي العام لم يعد خافياً، إذ لم تعد هناك قنوات إعلامية واضحة وموثوقة يمكن الاعتماد عليها في نقل الأخبار، وهو ما يعزّز دور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مصدرا رئيسيا للمعلومات. لكنه يحذّر من تداعيات هذا التحوّل، خصوصاً في ظل انتشار الأخبار الكاذبة، وعدم امتلاك شرائح واسعة من المجتمع الأدوات اللازمة للتحقق من صحة المحتوى.
ويشير إلى أن الحاجة لا تزال قائمة لوجود الإعلام التقليدي، بما في ذلك القنوات التلفزيونية والإذاعات الرسمية، لأنها تبقى المصدر الأكثر اتساعاً وشمولاً، خصوصاً في المجتمعات التي لا تزال فيها الأمية التقنية مرتفعة. ويضيف: "من الخطير الاستسلام لفكرة أن وسائل التواصل الاجتماعي يجب أن تكون المصدر الوحيد للأخبار، خاصة أن العديد من هذه المنصات كانت تستخدم من قبل جماعات متطرفة لنشر دعايتها، مثلما كان الحال مع تليغرام".