استمع إلى الملخص
- خلال فترة الهولوسين الرطبة، ازدهرت المجتمعات الرعوية وبُنيت النّصب باستخدام أحجار ضخمة، ومع تزايد الجفاف، تغيرت أساليب البناء لتعكس سرداً مشتركاً يعبر عن الانتماء.
- تبرز الدراسة دور المعالم في إيصال الرسائل البيئية والاجتماعية وتطوير نموذج تحليلي لفهم ديناميات المجتمعات المتنقلة، مما يساهم في مواجهة تحديات تغير المناخ اليوم.
في صحراء ظفار القاحلة جنوبيّ سلطنة عُمان تكشف مئات المعالم الأثرية عن قصة بشرية مذهلة امتدت على مدار سبعة آلاف عام، توضح كيف تعاملت المجتمعات الرعوية القديمة مع تقلبات المناخ وتبدل أنماط الحياة، من خلال أساليب مبتكرة ومتنوعة في بناء النّصب التذكارية.
في دراسة جديدة نُشرت يوم 28 مايو/أيار في مجلة PLOS One، حلّل باحثون 371 نصباً أثرياً، معظمها كانت تُستخدم لأغراض اجتماعية أو شعائرية في عصور متباعدة، بداية من الحقبة الرطبة الهولوسينية قبل أكثر من سبعة آلاف و500 سنة، وحتى أواخر العصور القديمة، حين أصبحت المنطقة صحراء شديدة الجفاف.
تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة، جوي ماكورستون، أستاذة علم الأنثروبولوجيا في جامعة ولاية أوهايو الأميركية، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن نتائج الدراسة تُظهر أن هذه النّصب ليست مجرد مبانٍ حجرية، بل كانت تقنية اجتماعية مرنة استخدمها الرعاة في الصحراء لتعزيز الروابط المجتمعية وسط بيئة غير مستقرة ومناخ سريع التغيّر.
خلال الفترة من 7500 إلى 6200 سنة قبل الحاضر، المعروفة بفترة الهولوسين الرطبة، كانت أمطار جنوب شبه الجزيرة العربية أكثر غزارة مما هي عليه الآن، ما أتاح ظروفاً بيئية مواتية لازدهار المجتمعات الرعوية الكبرى. في هذه الحقبة، بُنيت النّصب الأولى منصّاتٍ حجريةً ضخمة باستخدام أحجار ثقيلة ضخمة، بعضها تطلّب سبعة رجال أقوياء كي يُرفع على الأقل. وكان من المعتاد أن تُبنى هذه المعالم في مناسبة واحدة، غالباً تزامناً مع تجمعات كبرى للقبائل، مصحوبة بتقديم الأضاحي وتنظيم الولائم.
توضح ماكورستون أن "حجم الأحجار يعكس وجود تجمعات بشرية كبيرة في مكان واحد، وهو ما لم يعد ممكناً لاحقاً بعد أن بدأت الموارد الطبيعية في الانحسار". مع تزايد الجفاف، لم تعد الأرض قادرة على دعم تجمعات بشرية كبيرة؛ تفكّكت المجتمعات إلى مجموعات صغيرة من الرعاة الجائلين، يبحثون عن الماء ومواضع للرعي.
ورغم هذه التغيرات، لم يتخلّ الناس عن بناء المعالم، لكن طريقة بنائها اختلفت كثيراً. أصبح بناء النّصب أكثر تواضعاً، من ناحية الحجم وحجم الأحجار المستخدمة، وغالباً ما كانت تُبنى على مراحل، على مدى سنوات. وأُطلق على هذا النوع اسم "النّصب التراكمية"، وكانت من أبرز أمثلتها "التريليث"، وهي ثلاثة حجارة منصوبة عمودياً تُضاف تدريجياً، كل حجر يمثّل مساهمة من فرد أو مجموعة صغيرة. "هذه المعالم أصبحت بمثابة ذاكرة جماعية مرئية. كل شخص يأتي ويضيف جزءاً مطابقاً لما سبقه، كأنهم يبنون سرداً مشتركاً يعبر عن الانتماء إلى مجتمع واحد، رغم التباعد الجغرافي"، تشرح ماكورستون.
واحدة من الأفكار المثيرة التي طرحتها الدراسة، هي الدور غير المباشر الذي لعبته هذه المعالم في إيصال الرسائل البيئية والاجتماعية. فعلى سبيل المثال، قد تكون بعض المعالم أُنشئت لطمأنة الآخرين بأن المكان قد شهد أمطاراً في الموسم السابق، أو أن العشب لا يزال وفيراً للقطعان. في بيئة شديدة التذبذب بمواردها، كانت هذه "العلامات الصامتة" تساعد الرعاة في اتخاذ قرارات تتعلق بالبقاء، وتبني شبكات اجتماعية للتبادل التجاري والزواج وتبادل المواد النادرة مثل الأصداف والمعادن والأحجار شبه الكريمة.
تشير ماكورستون إلى أن هذا البحث لم يقتصر على توصيف المعالم، بل طوّر نموذجاً تحليلياً شاملاً يمكن تطبيقه لفهم ديناميات المجتمعات المتنقلة الأخرى حول العالم، مثل شعوب الصحراء الكبرى أو منغوليا أو مرتفعات الأنديز. وتضيف: "ما فعلناه هو توسيع منظور البحث ليربط بين التغيّر المناخي، والأنماط الاجتماعية، والتقنيات المعمارية. يمكننا الآن استخدام هذا النموذج لتحليل كيف تعاملت مجتمعات أخرى مع التغير البيئي على مر الزمن".
تلفت ماكورستون إلى أن أهمية هذا البحث تكمن في تسليط الضوء على استخدام المجتمعات القديمة طرقاً بسيطة لكنها فعالة للحفاظ على تماسكها وهويتها في وجه التغيرات البيئية القاسية. وبينما يواجه العالم اليوم تحديات مماثلة، تتمثّل في تغيّر المناخ وتفكك النظم الاجتماعية؛ "تفتح هذه الدراسة الباب أمام التفكير في حلول مستمدة من خبرات الماضي".