صحافيو غزة بين "القصف المزدوج" والتشهير

02 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 08:54 (توقيت القدس)
أقارب الصحافي يحيى برزق حول جثمانه في مستشفى شهداء الأقصى، 30 سبتمبر 2025 (الاناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- رفعت منظمة "مراسلون بلا حدود" شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد الجيش الإسرائيلي، متهمة إياه بارتكاب جرائم حرب ممنهجة ضد الصحافيين الفلسطينيين في غزة، حيث تم توثيق استهداف 30 صحافياً بين مايو 2024 وأغسطس 2025.

- يواجه الصحافيون الفلسطينيون حملات تحريضية من الجيش الإسرائيلي، تتهمهم بالإرهاب دون أدلة، مما يعرض حياتهم للخطر. تُستخدم منصات إلكترونية مدعومة لنشر معلومات مضللة لتبرير استهدافهم.

- امتدت حملات التشهير إلى الصحف الغربية، متهمة الصحافيين بفبركة محتوى دعائي. رغم إثبات صحة المواد، تروج وزارة الخارجية الإسرائيلية لهذه المزاعم، مما يهدد حرية الصحافة.

رفعت منظمة مراسلون بلا حدود شكوى جديدة أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد الجيش الإسرائيلي، متهمة إياه بارتكاب جرائم حرب ممنهجة بحق الصحافيين الفلسطينيين في قطاع غزة. وهذه الشكوى الخامسة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما يعكس إصرار المنظمة على الدفع باتجاه محاسبة إسرائيل عن جرائمها. الشكوى الأولى قُدِّمت في 31 أكتوبر 2023، تلتها شكاوى في 22 ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، ثم في 27 مايو/ أيار و24 سبتمبر/ أيلول 2024، فيما أكّد المدعي العام للمحكمة، في الخامس من يناير/ كانون الثاني 2024، أنّ الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين مُدرجة ضمن نطاق تحقيقاته بشأن فلسطين.

وقال مدير قسم المناصرة والدعم في "مراسلون بلا حدود" أنطوان بيرنار في بيان، الثلاثاء الماضي: "لقد وثَّقنا ظروف الهجمات التي استهدفت ما لا يقل عن 30 صحافياً ما بين مايو 2024 وأغسطس/ آب 2025، حيث قُتل منهم 25 وأُصيب خمسة آخرون. وفي الغالبية العظمى من الحالات، تبيّن أن الصحافيين استُهدفوا بسبب أنشطتهم الإعلامية أو أثناء ممارستها. والأسوأ من ذلك أنّ السلطات الإسرائيلية تواصل إطلاق اتهامات باطلة لتبرير استهدافهم. ندعو المحكمة الجنائية الدولية إلى التحلّي بالحزم في مواجهة هذه الانتهاكات، لأنه من الواجب معاقبة مرتكبي الجرائم ضد الصحافيين".

تصاعد الاستهداف الممنهج في غزة

تأتي هذه الشكوى بعد أيام من اجتماع عقد في 24 سبتمبر الماضي بمبادرة من "مراسلون بلا حدود"، على هامش أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة ممثلين عن أكثر من عشرين دولة، جرى خلاله التذكير بإخفاقات إسرائيل الجسيمة في حماية المدنيين والصحافيين. وتشير المنظمة إلى أنّ الجيش الإسرائيلي قتل منذ بداية حرب الإبادة على غزة ما لا يقل عن 210 صحافيين، بينهم 56 على الأقل قُتلوا عمداً بسبب عملهم الإعلامي. في المقابل، يرتفع هذا الرقم إلى 253 شهيداً من الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي في إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة.

العديد من الغارات الإسرائيلية استهدفت منازل الصحافيين، ما أدى إلى استشهاد أفراد من عائلاتهم أيضاً. ففي 31 مايو 2024، قتلت إسرائيل الصحافية عُلا الدحدوح (28 عاماً)، مع أحد أقارب زوجها، بينما أصيب زوجها وطفلها البالغ من العمر 18 شهراً. وفي أغسطس من العام نفسه، اغتيل الصحافي محمد عيسى أبو سعادة (31 عاماً)، بصاروخ إسرائيلي قضى أيضاً على أفراد من عائلته. وتكرر المشهد مع المصورة المستقلة فاطمة حسونة (25 عاماً)، التي قُتلت بغارة إسرائيلية على منزلها في إبريل/ نيسان 2025، ما أسفر أيضاً عن استشهاد شقيقتها الحامل. كما أودى القصف الإسرائيلي بحياة عائلة الصحافي محمد جبر القريناوي (30 عاماً)، بينما استشهد الصحافي حسن حمد (19 عاماً)، بغارة إسرائيلية على منزله، أصيب خلالها شقيقه.

إلى جانب المنازل، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي أماكن يرتادها الصحافيون مثل المقاهي والمطاعم التي يستخدمونها للاتصال بالإنترنت، وكذلك الخيام المخصصة للمراسلين. واتسع نطاق هذه الضربات ليصل إلى مستشفى النصر، فيما استشهد صحافيون آخرون باستخدام أسلوب "القصف المزدوج"، أي قصف موقع ما مرتين لاستهداف من يهرعون لتغطية الغارة الأولى.

اتهامات باطلة وحملات تشويه

لتبرير هذه الجرائم، شن الجيش الإسرائيلي حملات تحريضية ضد صحافيين مثل أنس الشريف ومؤمن أبو العوف وحسام شبات، متهماً إياهم بالإرهاب من دون تقديم أي دليل. وحذّر أربعة مقررين خاصين للأمم المتحدة، في بيان مشترك يوم 12 أغسطس الماضي، من أنّ هذه الدعاية الإسرائيلية تُعرّض حياة الصحافيين للخطر وتشكل "تكتيكاً مخزياً لإخفاء الجرائم". كما بررت إسرائيل غارتها على مستشفى النصر بزعم استهداف "كاميرا لحركة حماس"، من دون أي إثبات، رغم أن المكان معروف أن الصحافيين يستخدمونه.

في 11 أغسطس 2025، وبعد ساعات من اغتيال مراسل "الجزيرة" أنس الشريف بغارة استهدفت خيمة صحافيين قرب مستشفى الشفاء، غرب غزة، ظهر على منصة تليغرام مونتاج فوتوغرافي نشره الإسرائيلي أور فيالكوف، الذي يُسوَّق في الإعلام العبري باعتباره "باحثاً في شؤون الإرهاب"، رغم عدم امتلاكه أي مؤهلات أكاديمية في هذا المجال. المونتاج وضع صورتي الصحافيين مهند قشطة ومحمد الشريف مع علامة استهداف حمراء على وجهيهما، تحت عبارة تحريضية: "هذان صحافيان آخران يجب على جيش الدفاع الإسرائيلي تصفيتهما في غزة". هذا التحريض يتقاطع مع منصات إلكترونية مدعومة من السلطات الإسرائيلية، أبرزها موقع Media Watch Legal الذي يُخصص نشاطه لاستهداف ما تسميه إسرائيل "صحافيين مزيفين"، وأشار إليه وزير الشتات عميحاي شيكلي في سبتمبر 2025. وكشف تحقيق استقصائي أجرته مجلة 972+ وموقع لوكال كول الإخباري عن صلة الموقع بوحدة سرية في الاستخبارات العسكرية تُعرف باسم "خلية الشرعية"، مهمتها إيجاد أي صلة - ولو واهية - بين الصحافيين في غزة وحركة حماس، لتبرير اغتيالهم.

يعتمد الموقع على حجج واهية مثل وجود قريب للصحافي في الحركة أو مقتل أحد أفراد عائلته في غارة، وهي ذرائع لا تملك أي قيمة قانونية دولياً. وفي أحد الأمثلة الفاضحة، زعم الموقع أن المراسل مصطفى ثريا، المتعاون مع وكالة فرانس برس، "ليس صحافياً"، فقط لأنه يتشارك ثلاثة أصدقاء على "فيسبوك" مع أشخاص يُزعم انتماؤهم لـ"حماس". ورغم حذف المنشور لاحقاً، فإن الجيش الإسرائيلي استغل تلك المزاعم لتبرير اغتياله مع زميله في "الجزيرة" حمزة الدحدوح في يناير 2024.

إضافة إلى الحملات الرسمية، تدير حسابات مؤيدة لإسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي حملات واسعة للتشكيك في مصداقية التغطيات القادمة من غزة. من أبرزها حساب Gazawood الذي يحظى بأكثر من 90 ألف مشترك ويصف الصحافة الفلسطينية بأنها "هوليوود غزة". وخلصت منظمة Fake Reporter الإسرائيلية إلى أن 5.75% فقط من محتواه صحيح، بعد تحليل أكثر من 700 منشور. في مايو 2025، اتهم هذا الحساب مراسل قناة الغد الأردنية محمود أبو سلامة بفبركة مقطع إنساني وثّق فيه مساعدته أسرة منكوبة، لينتشر الفيديو المفبرك المرفق مع وسم Gazawood# بسرعة عبر المنصات، وصولاً إلى الصفحة الرسمية للجيش الإسرائيلي على "فيسبوك"، ما اضطر الصحافي الفلسطيني إلى نشر مقطع يفند فيه هذه الادعاءات. كما استُهدف مؤمن أبو العوف، المتعاون مع "الجزيرة" ووكالة الأناضول، عبر صورة مفبركة انتشرت في مايو 2025. وقبل اغتياله في يونيو/ حزيران من العام نفسه، تلقى رسالة تهديد من مجهول يصف نفسه بضابط في المخابرات الإسرائيلية يعرض عليه "حماية أسرته مقابل التعاون".

التشهير بالصحافيين الفلسطينيين لم يقتصر على وسائل التواصل، بل تبنته صحف غربية أيضاً. ففي أغسطس الماضي، نشرت صحيفة بيلد الألمانية تقريراً اتهم المصور أنس زايد فتيحة بفبركة محتوى دعائي لـ"حماس"، رغم أن صحيفة ليبراسيون الفرنسية ومنظمة Fake Reporter أثبتتا صحة المادة التي نشرها. مع ذلك، تبنت وزارة الخارجية الإسرائيلية تلك المزاعم وروّجتها على حساباتها الرسمية، بل استخدمتها وكالة الإعلانات الحكومية في فيديو دعائي على "يوتيوب" شوهد أكثر من ثمانية ملايين مرة.

المساهمون