استمع إلى الملخص
- العنف والرقابة الحكومية: يحافظ المسلسل على طابعه العنيف، مع تبرير أكبر لأفعال صانع السلام، ويطرح أسئلة حول العنف المبرر ودور الرقابة الحكومية في السيطرة عليه.
- الهوية والتمييز الثقافي: يعكس المسلسل صورة كاريكاتيرية للرجل الأبيض الذي يعاني من التمييز، ويبرز التحديات الثقافية والسياسية التي يواجهها في المجتمع الأمريكي.
بدأت منصة ديزني بلاس ببث حلقات الموسم الثاني من مسلسل "صانع السلام" (Peacemaker)، الذي ينتمي إلى عوالم "دي سي" (DC). العمل من بطولة المصارع السابق جون سينا الذي تحول إلى نجم أفلام أكشن، ليعود "صانع السلام" في هذا الموسم بعد خروجه من السجن على رغم من الدور الذي لعبه في "إنقاذ العالم"، لكن مشاكله الأبوية والعنف الشديد الذي مارسه على الآخرين تعود لمطاردته.
لن نفضح أحداث الحلقات حرصاً على من يتابعها، لكن اللافت في هذا الموسم هو محاولة اكتشاف صانع السلام نفسه، وكأننا أمام نوع من المصالحة مع الذات، إذ يجد نفسه يعيش في عالم مواز، يكون فيه "بطلاً" ينال التقدير، وربما هذا ما يعيدنا إلى طرح السؤال حول جدوى العوالم الموازية في أفلام ومسلسلات الأبطال الخارقين، "الحيلة" التي يصفها كثيرون بمحاولة للهرب من بحث في عمق الشخصيات وبنائها، والاستفادة أكثر من القصص المصورة، أشبه بحلّ سهل، عبر تغير كل الفرضية إلى حد تقديم شخصية جديدة مختلفة عما عرفناه لكنها ترتدي الزيّ نفسه.
يحافظ المسلسل على البذاءة المعهودة فيه والعنف الغروتيسكي، لكن هذه المرة أكثر تبريراً من الموسم السابق، فما يشتهر به "صانع السلام" هو قدرته على قتل أي شخص وأي شيء في سبيل تحقيق السلام، الأمر الذي بدأ يطرح حوله أسئلة بعد أن اختبر حياة جديدة القتل فيها "مبرر" وليس مجانياً وشديد العنف، وكأن الرجل الأبيض العنيف مفتول العضلات يعيد مراجعة نفسه في "عالم جديد" بعد أن خرّب صورته واسمه في "العالم القديم".
يحاول المسلسل أن ينزع عن صانع السلام صفة البطل المضاد، وكأنه في رحلة تطهير نحو أن يصبح بطلاً، وبالطبع الرقابة الحكومية تحيط به دائماً بل تحاول أن تخلصه من "قوته". هذه المرة، نحن لسنا أمام بطل يعمل سراً مع الحكومة، بل ما بعد البطل، مجرد شخص بعيد عن "الأعمال الخارقة" و"المهام"، يحاول تدبر أمره ومتابعه حياته رجلاً أعزب.
فرضية رجل عنيف أعزب خرج من السجن تجعل المسلسل يقدم قراءة عن نظام التأهيل بعد السجن، فيخرج المجرم بعد قضاء محكوميته، تحت مراقبة الحكومة، من دون أسرة أو عمل؛ فيهرب إلى "عالم موازٍ" أو "عالم متخيل" تحاول الحكومة نفسها أيضاً مصادرته. لكن، في الوقت نفسه، فإن هذه القراءة تحمل جانباً ملتوياً، إذ يمكن النظر إليها من زاوية أن الحكومة أطلقت سراح مجرم "يقتل لأجل تحقيق السلام"، وتراقبه كي تستفيد من التكنولوجيا التي يمتلكها. في كلا الحالتين، نحن أمام شكل من أشكال الإضاءة على الرجل الأبيض الأميركي مفتول العضلات وعذاباته.
تطفح شخصيات المسلسل بالتستوستيرون، نلاحظ ذلك من خلال شتائم جنسية وعنف يبدو مضحكاً بداية، ثم يتحول إلى كليشيه، وهذا الفيض الهرموني ينطبق حتى على إيميليا هاركورت، صديقة صانع السلام، شديدة العنف. تكتشف هذه الامرأة أثناء التحليل النفسي أنها مصابة بـ"الذكورية السامة"، ما يعيدنا مرة أخرى إلى مسألة الرجال وأمراضهم، والسخرية منها في هذا الموسم عبر تسخيفها وجعلها تنطبق على النساء.
قد تبدو معاناة امرأة من "الذكورية السامة" نكتة سمجة، لكن التأمل في المسلسل وشخصياته يتركنا أمام موقف سياسي وثقافي يتبناه المخرج جيمس غان، يدلل على فكرة التمييز الذي يتعرض له الرجل الأبيض في أميركا. يتضح ذلك حين لا يجد صانع السلام عملاً حتى مع فريق أبطال خارقين أقل شهرة منه، والسبب أنه "ممل" و"ليس عصرياً".
نحن أمام صورة كاريكاتيرية عنيفة تنتصر للرجل الأبيض؛ فهو سام، وعنيف، ومفتول العضلات، ولا يجد عملاً. كان في السجن، ثم يهرب نحو الكحول وعوالم متخيلة ليعيش فيها بطولة "مثالية" لا يكرهه أحد فيها ولا ينتقده أحد على القتل. ربما المسلسل يحوي درباً أو أسلوباً للخلاص أو العلاج، لكن القراءة الهوياتية له لا يمكن تفاديها، خصوصاً مع تضييع المسلسل الكثير من الفرص لبناء حبكة أو تقديم شخصيات جديدة، تظهر مرة ثم تختفي من دون أثر. لكن الإصرار دوماً على عواطف الرجل مفتول العضلات .