استمع إلى الملخص
- تضمن الحفل عرضاً نظرياً عن حياة عبد الحي، مشيراً إلى إصراره على الأساليب الموروثة ورفضه للتجديد، وتناول ظروف تسجيله التلفزيوني الوحيد.
- قدمت فرقة الأفندية وصلتين غنائيتين من أعماله، بمشاركة المستشرق فريدريك لاغرانغ، مما أبرز أهمية الطرب الشرقي الكلاسيكي ودعا لإعادة النظر في جداول العروض الموسيقية.
في محفل استثنائي وفعالية نادرة، لم يعتدها النشاط الفني بالقاهرة، نظم مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) والمعهد الفرنسي للآثار الشرقية (IFAO) أمسية ثقافية وغنائية احتفاءً برائد الطرب الشرقي صالح عبد الحي (1896 - 1962).
تميزت الأمسية التي استضافها أخيراً بيت السناري الأثري، التابع لقطاع التواصل الثقافي في مكتبة الإسكندرية، بحضور جماهيري لافت. لا يلقى أعلام الطرب التقليدي من عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته اهتماماً يذكر من المؤسسات الثقافية والإعلامية المصرية. وباستثناء سيد درويش، لا تكاد المسارح ولا المراكز الثقافية الحكومية تتذكر أحداً من أعلام الغناء أو التلحين في ما يُعرف بعصر النهضة.
ومنذ سنوات، وربما منذ عقود، لم تتوقف مسارح وزارة الثقافة عن تقديم ليالي "الكلثوميات" و"الوهابيات"، والسهرات المخصصة لفريد الأطرش، أو عبد الحليم حافظ، أو وردة الجزائرية، أو بليغ حمدي، ومعهم عدد محدود ممن برزوا غنائياً أو تلحينياً خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مع إحالة "الطرب القديم" إلى فرق التراث، التي تقدم اختيارات عشوائية لا رابط بينها، لا في القالب ولا المقام ولا الإيقاع ولا الروح، وبالطبع لا تقدم سهرات كاملة مخصصة لرواد ذلك الطرب، من أمثال محمد عثمان أو يوسف المنيلاوي أو عبد الحي حلمي، أو إبراهيم القباني أو أبو العلا محمد أو داود حسني.
ولكل هذا، جاء الاحتفال بصالح عبد الحي ليشكل مفاجأة كبرى، تعمقت بالحضور الجماهيري الكبير، وتجاوب الشباب مع فقرات الحفل، مع استفهام صامت عن مدى صدقية التعلل بانصراف الجماهير أو مللها من اللون الكلاسيكي القديم.
انقسم الحفل إلى قسمين رئيسيين، أولهما نظري، واستُهل بعرض تقديمي للباحث محب جميل، مؤلف كتاب "صالح عبد الحي"، استعرض فيه أهم محطات الرحلة الفنية والإنسانية للمطرب، ونشأته الفنية، وصعوده السريع في العشرينيات والثلاثينيات، ومشاركاته في المسرح الغنائي، وتعاونه مع شركات الأسطوانات، وعلاقته بالإذاعة والصحافة والسينما ثم التلفزيون، والأسرة المالكة، وإصراره على الغناء بالأساليب الموروثة، ورفضه كل الضغوط التي تستهدف تغيير طريقته الغنائية.
أكد جميل أن عبد الحي لم يكن يوماً من أنصار "التجديد الموسيقي"، وكان يرى أن الشعب مسؤول عن "التدهور" الذي أصاب الغناء، وأنه يجب الارتقاء بالثقافة الفنية للشعب، حتى يستوعب جماليات الغناء القديم، كما رفض دائماً كل أشكال الاقتباس التلحيني أو إدخال أي عناصر غربية في الموسيقى الشرقية.
أشار جميل إلى ظروف التسجيل التلفزيوني الوحيد لصالح عبد الحي، وقد جاء هذا التسجيل بعد عدة سنوات من الوحدة والمرض، وبعد أن تكاتف عدد من أصدقائه وعارفي مكانته لإقناعه بالتصوير، ويبدو أن المسؤولين عن الغناء والموسيقى قد أصابهم القلق من أن يغني الرجل شيئاً من القصائد القديمة، أو الأدوار العتيقة؛ فاشترطوا أن يقتصر التسجيل على أغنية "ليه يا بنفسج" وأغنية "لما انكويت بالنار"، وكلتاهما من ألحان رياض السنباطي.
لم يكن صالح عبد الحي قادراً على الغناء بسبب الظروف الصحية التي كان يمر بها، فكان الاتفاق على أن يكون الغناء بأسلوب المزامنة الشفوية (Lip Syncing). وبالفعل، وصل الرجل المريض إلى مبنى التلفزيون محمولاً، يساعده أقاربه، ليفاجأ بعشرات المعجبين يقفون أمام المبنى لتحيته، والإعراب عن تقديرهم لـ"حارس الطرب"، وتأكيدهم لبقائه في ذاكرتهم رغم طول سنوات الانقطاع. يوضح محب جميل ظروف التسجيل التلفزيوني الوحيد لهذا المطرب، فيقول: جلس أفراد التخت في الاستوديو بالترتيب نفسه لمقاعدهم التي اعتادوها أيام العمل مع عبد الحي: العواد على اليمين والقانونجي على اليسار، وخلفهما عازفاً الكمان والإيقاع ثم المرددون.
وعندما وصل عبد الحي إلى الاستوديو، قام إليه العازفون يعانقونه ويقبلونه، ثم جلسوا جميعاً لضبط دوزان آلاتهم. في هذه اللحظة، ترنّم الرجل الكبير المريض بمذهب: "ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين"، ليتوقف كل العازفين، وينخرطوا في بكاء عميق، بعد أن ذكرهم صوت صالح بالأيام الخوالي. بعد أسابيع قليلة من هذا "التوثيق" التلفزيوني، رحل صالح عبد الحي.
توقف المستشرق الفرنسي فريدريك لاغرانغ، أستاذ اللغة العربية والموسيقى الشرقية في جامعة السوربون، أمام الانطباع الذي يتسرب إلى أغلب من يسمعون باسم صالح عبد الحي، حيث الشعور بالعتق والقدم والإيغال في الزمن، بالرغم من أن الرجل مجايل لعبد الوهاب وأم كلثوم، وفارق السن لا يتعدى سنوات قلائل، لكن هذه السنوات تتحول إلى عقود في المخيال الجماعي.
قال لاغرانغ إن عبد الحي كان يسبح ضد التيار، ولم يكترث بأن ينحصر مستمعوه في قلة من "المحافظين"، ورغم صموده، إلا أنه لم يكن لبقاً، ولم يكن يحسن الحديث، فلم يستطع أن يعرض وجهة نظره كما يعرض عبد الوهاب رأيه وموقفه.
رأى المستشرق الفرنسي المهتم بالموسيقى الكلاسيكية أنه لا يمكن إدراك الصورة الكاملة لفن صالح عبد الحي، ولا إدراك قدراته الفنية، التي لم تكن تظهر مكتملة إلا في المحافل، وبين الجماهير، في السرادقات أو المسارح، ويؤكد لاغرانغ أنه لم تُسجل حفلة واحدة لعبد الحي، ما يعني أن المهتمين بالغناء لن يعرفوا أبداً أسلوب تصرف عبد الحي في الغناء أمام جمهوره، وستبقى دراسته محصورة في قرابة 115 أسطوانة، سجلها لعدد من الشركات خلال الفترة بين عامي 1914 و1931، مضافاً إليها تسجيلاته الإذاعية التي تمتد من أواخر الثلاثينيات إلى أواخر الخمسينيات، وكلها كانت في استوديوهات الإذاعة المصرية، أو هيئة الإذاعة البريطانية.
قدم لاغرانغ عرضاً مدعماً بالأمثلة الصوتية من تسجيلات عبد الحي، أوضح فيه أن المطرب الصاعد منذ أوائل العشرينيات قد وزع أداءه بين اللون الطربي الموروث من المدرسة النهضوية، متمثلاً بالغناء المتقن من القصائد والأدوار، وبين الغناء الخفيف، متمثلاً بالطقاطيق ذات الطابع الاجتماعي الساخر، مثل طقطوقة "أبوها راضي" التي ترفض محاولة الدولة المصرية تعيين حد أدنى لزواج الفتيات، أو طقطوقة "يكون في علمك" المدافعة عن تعدد الزوجات، أو طقطوقة "لسه طالعة من البيضة" التي ترفض اندماج الفتيات في الحياة العصرية، ما يؤدي إلى انحلال مفترض.
وإجمالاً، عبّر عبد الحي بطقاطيقه عن مواقف ذكورية، تتعارض مع دعوات حقوق المرأة. لكن لاغرانغ يؤكد أن هذه الطقاطيق -بغض الطرف عن موضوعها- حملت دائماً جماليات غنائية كثيفة، وعكست جمال صوت عبد الحي الأخاذ.
في القسم الثاني من الأمسية، قدمت فرقة الأفندية، التي يقودها المطرب الشاب محمد ربيع، وصلتين غنائيتين من أعمال صالح عبد الحي. استهلت الفرقة وصلتها الأولى بعزف تحميلة من مقام الراست، يتداخل فيها المرتجل بالمقولب، ويتبارى فيها العازفون: أكرم عبد العال (قانون)، وأحمد وجيه (عود)، وتامر صالح (كمان)، ورامي شمروخ (ناي)، وعلاء عصام (رق). شملت الوصلة الأولى موشح "صحت وجداً" من ألحان سيد درويش، ثم موال "يا عين ليه تنظري"، ثم دور "بستان جمالك" من ألحان محمد عثمان. كان واضحاً حرص الفرقة على أن يكون أداؤها مقارباً لأداء عبد الحي.
في الوصلة الثانية، قدم مطربو الفرقة لميس أمين، وأحمد صبري، وغزوان زعيم، عدداً من الطقاطيق ذات الطابع الاجتماعي، والتي اشتهر بها عبد الحي في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، ومنها طقطوقة "أبوها راضي"، و"بكالورية إيه يا أبو بكالورية" و"خفيف خفيف" و"قدر ده وده" و"لابس جبة وقفطان" و"يكون في علمك" و"اكمنه خفيف".
لكن المشهد اللافت تمثل بجلوس فريدريك لاغرانغ بين المطربين، ومشاركته في ترديد مذاهب الطقاطيق، قبل أن تأتي المفاجأة الكبيرة بتصديه لغناء طقطوقة: "يكون في علمك أنا مش فاضي"، ثم طقطوقة: "أظن باردة". نبهت مشاركة المستشرق الفرنسي في الغناء أكثر الحاضرين إلى أهمية الطرب الشرقي الكلاسيكي عموماً، وقيمة أعمال صالح عبد الحي خصوصاً.
قدمت الأمسية نموذجاً عملياً أثبتت به أن الغناء الشرقي الكلاسيكي قابل للعرض الجماهيري، بل والتجاري، متى وجد من يُقدمه تقديماً أميناً جذاباً، وليس تقديماً متحفياً ساخراً، كذلك أثبتت أن ما يُعرف بـ"الذوق العام" لا يمكن أن يُختزل في لون واحد، وأن شخصية صالح عبد الحي كانت جديرة بتلك الفعالية التي تعاون في إنجاحها عدد من الجهات الأجنبية والمحلية، الحكومية والخاصة. إن هذه الأمسية تنادي على مسارح وزارة الثقافة وعلى كل مؤسسات العرض الموسيقي أن تعيد النظر في جداولها المتكررة، وانحصارها الضيق في عدد محدود من نجوم الحداثة الغنائية.
حملت أمسية صالح عبد الحي دعوة ضمنية إلى إعادة النظر في طرائق التعامل مع التراث الموسيقي الكلاسيكي في مصر، إذ يستحق هذا التراث أن يجد المساحة اللائقة، وأن تتوفر له أساليب العرض التي تظهر سماته المميزة، وجمالياته الفائقة. وقد كان غناء فرقة الأفندية، والتجاوب الجماهيري معها أشبه بطقس لاستدعاء روح صالح أفندي، فانبعث من جديد، ليؤكد أن الذهب يبقى ذهباً وإن طال الزمن.