- انتقد ماركس منصات التكنولوجيا الكبرى لدفاعها عن "حرية المتعصبين" وقمعها للأصوات المعارضة، مشيراً إلى التحولات السياسية المتطرفة لحماية مصالحها وعلاقتها المتجذرة مع الحكومة الأميركية.
- دعا ماركس إلى إعادة التفكير في أسس صناعة التكنولوجيا، مشيداً بالاتحاد الأوروبي لفرضه معايير تنظيمية، ومؤكداً على ضرورة تشريعات تحد من هيمنة الشركات وتقلص جمع البيانات.
في وقت تتزايد المخاوف العالمية من تغوّل شركات التكنولوجيا الكبرى وتحوّلها إلى قوى سياسية واقتصادية عابرة للدول، حذّر الكاتب والباحث الكندي المتخصص في شؤون التكنولوجيا، باريس ماركس، من أن الخطاب الذي روّجت له شركات وادي السيليكون لعقود حول "حرية التعبير" و"تحرير الإنترنت" لم يكن سوى "كذبة"، وأكد أن التحالف المتنامي بين عمالقة التكنولوجيا والتيارات اليمينية المتطرفة يهدد الحريات العامة والديمقراطية على مستوى العالم.
جاءت تصريحات ماركس، وهو مؤلف كتاب "الطريق إلى اللامكان: كيف يخطئ وادي السيليكون في فهم مستقبل النقل، ضمن مقابلة نُشرت عبر المجلة الأوروبية الخضراء، قبيل مشاركته في ندوة مشروع الإعلام من أجل المواطنين والديمقراطية في العصر الرقمي (M4CD) المخصصة لمناقشة الذكاء الاصطناعي، في 19 مايو/أيار الحالي.
وقال ماركس إن مليارديرات التكنولوجيا "منشغلون أساساً بحريتهم الشخصية"، أي القدرة على التصرف بلا قيود حكومية أو مجتمعية، ورأى أن هذا ما يفسر الانزياح اليميني المتزايد داخل قطاع التكنولوجيا، والسعي إلى دعم قوى سياسية تضمن عدم فرض ضرائب أو قوانين احتكارية صارمة على شركاتهم. وأشار إلى العلاقات الوثيقة التي أقامها مالك منصة إكس، إيلون ماسك، مع زعماء من اليمين المتطرف في دول عدة، لا في الولايات المتحدة فقط، في إطار مساعٍ لحماية مصالح شركات التكنولوجيا الأميركية ومنع تقييد نفوذها.
وفي انتقاد مباشر لخطاب حرية التعبير الذي تتبناه منصات التكنولوجيا الكبرى، قال ماركس إن هذه الشركات لا تدافع فعلياً عن حرية التعبير، بل عن "حرية المتعصبين في قول أي شيء من دون تبعات"، فيما تقمع الأصوات اليسارية أو المعارضة وتدفع خارج المجال العام الرقمي.
وأضاف ماركس أن التحولات السياسية داخل قطاع التكنولوجيا ترتبط أيضاً بحجم النفوذ والثروة اللذين راكمتهما هذه الشركات خلال العقدين الماضيين، وأوضح أن الحكومات بدأت أخيراً تدرك مخاطر نماذج الأعمال التي بنتها شركات التكنولوجيا، سواء على مستوى الاحتكار أو جمع البيانات أو التأثير السياسي، الأمر الذي دفع هذه الشركات إلى تبني برامج سياسية أكثر تطرفاً لحماية مصالحها.
ورأى ماركس أن مفهوم "التحررية التكنولوجية" الذي رافق صعود شركات الإنترنت كان "أداة تسويقية أكثر منه موقفاً حقيقياً"، مشيراً إلى أن العلاقة بين قطاع التكنولوجيا والحكومة الأميركية قديمة ومتجذرة، لكنها أصبحت اليوم أكثر علنية مع انتقال شخصيات نافذة من وادي السيليكون إلى مواقع مباشرة داخل مؤسسات الحكم والأمن القومي. وضرب ماركس مثالاً بشركة بالانتير ومؤسسها بيتر ثيل الذي يدفع باتجاه إعادة تشكيل منظومة التعاقدات العسكرية الأميركية، تحت شعار حماية التفوق الأميركي في مواجهة الصين.
وفي ما يتعلق بالرقابة الرقمية، رأى ماركس أن التركيز الغربي على "الاستبداد الرقمي" في دول مثل الصين وروسيا يتجاهل المخاطر الموجودة داخل الولايات المتحدة وأوروبا نفسها، لافتاً إلى أن شركات التكنولوجيا الخاصة بنت "أوسع منظومة مراقبة في التاريخ"، عبر نماذج أعمال تقوم على جمع البيانات على نطاق هائل، ما أتاح للأجهزة الأمنية والاستخباراتية استخدام هذه البنية لمراقبة الأشخاص داخل بلدانهم وخارجها.
وقال إن الإنترنت الذي كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه مساحة للتحرر والتبادل المفتوح للأفكار، بات اليوم خاضعاً لمنصات كبرى تهيمن عليها الخطابات اليمينية والمحتوى المثير للكراهية، موضحاً أن المنصات الحالية لم تعد تعطي الأولوية للتواصل الإنساني أو المنفعة العامة بقدر ما تسعى إلى تعظيم الأرباح وتعزيز نفوذ الشركات المالكة لها.
ورغم إشارة ماركس إلى وجود بدائل رقمية أكثر انفتاحاً، مثل التطبيقات اللامركزية والأدوات مفتوحة المصدر، فإنه رأى أن تعقيد استخدامها يحدّ من انتشارها، ما يجعل غالبية المستخدمين "عالقة" داخل المنصات التجارية الكبرى. لذلك دعا إلى التفكير بجدية في إنشاء مؤسسات وخدمات رقمية عامة لا تخضع لمنطق الربح أو تقييمات السوق، على غرار هيئات البث العام والخدمات البريدية والبنوك العامة.
شركات وادي السيليكون الخاصة بنت "أوسع منظومة مراقبة في التاريخ"
وفي تقييمه للسياسات الأوروبية تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى، قال ماركس إن الاتحاد الأوروبي نجح في فرض معايير تنظيمية أثرت عالمياً، لكنه اعتبر أن التشريعات الحالية، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، لا تزال تركز أكثر من اللازم على الحقوق الفردية بدلاً من الحد الجذري من هيمنة الشركات العملاقة أو تقليص جمع البيانات على نطاق واسع.
كما دعا إلى مزيد من التعاون الدولي لمواجهة نفوذ شركات التكنولوجيا الأميركية، خصوصاً في ظل ما وصفه بـ"الإدارة الأميركية العدوانية" بقيادة دونالد ترامب، ولفت إلى أن مواجهة هذا النفوذ تتطلب تحالفات أوسع بين الدول الراغبة في فرض قيود أكثر صرامة على الشركات الرقمية العملاقة.
وختم ماركس بالتشديد على أن الإنترنت بشكله الحالي "لا يضمن الحريات ولا يضع المنفعة العامة في الأولوية"، داعياً إلى إعادة التفكير جذرياً في الأسس التي بُنيت عليها صناعة التكنولوجيا الحديثة، وفي طبيعة الحريات الرقمية التي ينبغي الدفاع عنها مستقبلاً.
وتتقاطع تصريحات ماركس مع قراءات نقدية أوسع داخل الولايات المتحدة، ترى أن وادي السيليكون لم يعد يكتفي بتقديم نفسه بوصفه مركزاً للابتكار التقني، بل بات يطوّر خطاباً أيديولوجياً يضع التكنولوجيا، وخصوصاً الذكاء الاصطناعي، في موقع "الخلاص" القادر على إعادة تشكيل المجتمع والسياسة والعلاقات الإنسانية.
وفي هذا السياق، كتب الصحافي الأميركي تيموثي نواه، في مقال تحليلي نشره موقع ذا نيو ريبابليك الشهر الماضي، أن نخبة التكنولوجيا الأميركية تحولت من طليعة ثقافية كانت تدّعي تمكين الأفراد إلى طبقة أوليغارشية تعيد إنتاج علاقات الهيمنة نفسها التي وعدت بتقويضها، بل تتعامل مع أي محاولة لتنظيم القطاع بوصفها تهديداً لـ"المستقبل" نفسه. كما استعاد نواه الجذور المبكرة للخطاب التحرري الذي رافق صعود الحواسيب الشخصية والإنترنت في سبعينيات القرن الماضي، حين جرى تقديم التكنولوجيا بوصفها أداة لتحرير الأفراد من سلطة الحكومات والشركات الكبرى.
لكنه أشار إلى أن هذا التصور أخفى منذ البداية العلاقة العميقة بين التكنولوجيا الأميركية ومؤسسات الدولة والأمن القومي، إذ خرجت أجزاء أساسية من البنية الرقمية الحديثة من مشاريع ممولة من وكالة ARPA التابعة للبنتاغون. ورأى نواه أن صعود شركات التكنولوجيا إلى موقع الاحتكار لم يواجه رقابة جدية من واشنطن، باستثناء محدود تمثّل في قضية مكافحة الاحتكار ضد "مايكروسوفت"، قبل أن يمنح "القسم 230" من قانون آداب الاتصالات عام 1996 المنصات الرقمية حصانة قانونية واسعة ساهمت، بحسبه، في انتشار المعلومات المضللة والمحتوى المؤذي على نطاق غير مسبوق.