شبان عراقيّون يعيشون في عالمٍ موازٍ... بعيداً عن السياسة

30 أكتوبر 2020
الصورة
شباب يلهون على نهر شط العرب (حسين فالح/فرانس برس)
+ الخط -

في العراق، المنطقة التي تشتد فيها الصراعات السياسية والأمنية وتتوتر فيها الأجواء الاجتماعية ولا سيما خلال السنوات الثلاث الماضية، التي أفشت الفشل الإداري وتغول الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة على مقاليد الحكم، الأمر الذي حرّك الشباب العراقي إلى اعتماد الاحتجاجات كأسلوب للرفض والمطالبة بالحقوق، هناك شبّان بعيدون كلياً عن السياسة ويعيشون في أوساط صنعوها لتفويت الفرصة على اليأس من الاستمكان.

وعُرف عن شباب العراق خلال السنوات الماضية، ولا سيما العام المنصرم، حراكهم الجماهيري في صناعة التظاهرات الرافضة لاستمرار نهج المحاصصة الحزبية والطائفية التي تتمسك بها الأحزاب والكيانات السياسية التي ظهرت بعد عام 2003، وباتت تتحكم بالبلاد، وتهمل شريحة الشباب التي تُعد الكبرى في العراق. ولكن على نفس الضفة، شبّان اتخذوا من مجاميع خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي وحلقات ومقابلات واقعية متنفساً لهم في ظل استمرار أزمة بلادهم المركبة.

وينشط شبان على مواقع التواصل الاجتماعي في مجالات متعددة، تبدأ بالاهتمام بالأفلام السينمائية القديمة والحديثة، وأخرى عن بيع وشراء الحيوانات ورعايتها، فضلاً عن مجاميع الكتب وشرح مضامينها التي عادة ما تتضمن مسابقات وجوائز، وتضم هذه المجموعات المئات من شباب العراق ومن كلا الجنسين، من دون التطرق إلى موضوعات جدلية مثل السياسة أو الدين. ولعل أكبر الصفحات في العراق، التي تمنع الحديث عن السياسة، ويبرز جمهورها كواحد من جماهير الشبان غير المتابعين للأحداث السياسية والأمنية، يصل بعضهم إلى مرحلة عدم الاكتراث بأي مما يحدث، هي صفحة "تجمع أفلام العراق"، التي يديرها شبّان وظيفتهم مواكبة أبرز الأعمال السينمائية العالمية وتحليلها.

ينشط شبان على مواقع التواصل الاجتماعي في مجالات متعددة، تبدأ بالاهتمام بالأفلام السينمائية القديمة والحديثة، وأخرى عن بيع وشراء الحيوانات ورعايتها

ويقول عزيز البكري (27 عاماً)، وهو أحد أعضاء التجمع إن "الهواية الأبرز لدى أعضاء التجمع هي متابعة الأفلام وتحليلها وإبداء الآراء بالممثلين والأساليب الفنية والإخراجية فيها، إضافة إلى تقييمها، وقد بلغ بعض الأعضاء مرحلة أن يدركوا صفة الخبرة في هذا المجال"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "السياسة والدين من الملفات المحظورة في التجمع، إذ لا يمكن الحديث بهما، وأي عضو يتجاوز المحظور ويبدي رأياً سياسياً أو ترويجاً لفكرة دينية، يتم طرده من التجمع مباشرة".
ويلفت إلى أن "المشاكل السياسية في العراق لا تهمنا كثيراً، ونحن لا نعلم بصراحة ماذا يدور في العراق، ولا نعرف أيضاً من هي الجهات التي تؤثر بصورة مباشرة على الحكومة العراقية وتدفعها إلى عدم تقديم الخدمات للمواطنين"، مشيراً إلى أن "بعض أعضاء التجمع شاركوا في تظاهرات العراق خلال العام الماضي، ولكن من أجل صناعة مواد فيلمية ومصورة".
ومن خلال البحث والسؤال عن المجاميع الخاصة التي لا تقبل صحافيين، ولا سيما العاملين في مجال كتابة التقارير السياسية والمقابلات، تبيَّن وجود مجاميع سرية على "فيسبوك"، ومنها "نادي القراءة الأصلي" و"تصفح أون لاين" و"شرح الرواية"، وهي مختصة بتداول الكتب وشرح مضامينها، إضافة إلى نقدها.

وتفيد جمانة سعد، وهي مسؤولة في مجموعة متخصصة بالكتب، بأن "السياسة ملف معقد، ونحن لا نرغب في الحديث عنها، ومهمتنا هي القراءة والتعرف على أحدث إصدارات دور النشر العربية والعراقية، واستضافة الكتّاب في مجاميعنا من أجل التعرف عليهم أكثر ومقابلتهم عبر خاصية (البث المباشر) وطرح الأسئلة عليهم". وتكمل في اتصالٍ مع "العربي الجديد" أنها "لا تريد التعرف إلى مشاكل البلد، لأنها تعرف مسبقاً أنها عقيمة، وذلك من خلال ما تسمعه من أهلها وإخوانها، كما أنها تبدو حائرة أمام بعض المشاهد التي تراها في (فيسبوك) و(تويتر) التي تؤكد انحطاط كثير من القيم والأخلاق الإنسانية، ولعل أبرزها حوادث الجرائم والعنف المنزلي".

بدوره، يلفت الباحث في الاجتماعي، والأستاذ في جامعة بابل صدام مشكور، إلى أن "المشاكل السياسية في العراق وتأخر التطور في وسائل الحياة العامة في البلاد، دفعت إلى خلق جيلين لا يشبهان بعضهما البعض في العراق، الأول هو الجيل الثوري الذي يصنع التظاهرات ويحرك الجماهير ضد الحكومات والأحزاب، وهو جيل يحمل حساً وطنياً عالياً ويتابع التطور العالمي ويقارنه بأوضاع بلاده، فيجد أن الفجوة بينهما لا تعالج إلى بمعالجة النظام الحاكم".