"شاعر" ميسا سوتو: أداء باهر في فيلمٍ يعكس نضجاً واضحاً

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:39 (توقيت القدس)
"شاعر" سيمون ميسا سوتو: لا إدانات بل وقائع (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "شاعر" للمخرج سيمون ميسا سوتو يستعرض حياة الشاعر أوسكار ريستريبو، الذي يعيش في عزلة وإدمان، وعلاقته المعقدة مع تلميذته يُرْلادي، مما يعكس هشاشة الفنان في مجتمع لا يقدّر الشعر.

- يتميز الفيلم بمزيج من الكوميديا السوداء والدراما الواقعية، مع أداء مذهل لأوبيمار ريوس في دور أوسكار، مما يُظهر قدرة المخرج على توجيه ممثليه لاستخراج أفضل ما لديهم.

- يُعتبر الفيلم صرخة ضد الزيف والتقدم المفرط، مُبرزاً التحديات في عالم مادي، ويُظهر الشعر كمنارة تضيء عتمة العالم المتغير.

بكل حرفية، يُفكّك الكولومبي سيمون ميسا سوتو البنيتين النفسية والجسدية لما يمكن أن يكون عليه الشاعر، انطلاقاً من همّ إنساني يحمله، أو من عذابات نفسية يتعرّض لها ويواجهها، بشكل شبه يومي، بسبب الأسرة أو المجتمع، او غيرهما.

فعل سوتو ذلك، لا لامتلاكه مرجعية جاهزة، أو جرداً مُحدّداً لما يمكن أن يكون عليه الشاعر، بل انطلاقاً من نقاط يشترك بها شعراء كثيرون، خاصة الذين صقلتهم التجارب الكبرى، وحفرت عميقاً في ذواتهم، فتركت فيهم مواجع وآهات مكبوتة كثيرة.

"شاعر" كلمة اختارها سوتو عنواناً لفيلمه (السيناريو له أيضاً)، الفائز بنجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، بالدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة السينمائي: أوسكار ريستريبو (أوبيمار ريوس) شاعر من ميديين، كان ذات مرة صوتاً أدبياً واعداً، واليوم يعيش بطالة ووحدة وإدماناً. حين يُعيَّن مؤقّتاً في مدرسة، يلتقي يُرْلادي (ريبيكا أندْرَادي)، تلميذة مُراهقة تمتلك موهبة شعرية فطرية، يراها انعكاساً لحلمه الضائع، فيحاول عبرها استعادة ذاته المبدعة. لكنّ العلاقة بينهما تكشف التباساً بين الإلهام والاستغلال، والأمل والإحباط، في قصة تمزج الكوميديا السوداء بالدراما الواقعية، وتصوّر هشاشة الفنان في مجتمع لا يعترف كثيراً بقيمة الشعر.

أبان سوتو عن مستوى متقدّم من النضج السينمائي في "شاعر" (2025)، كما في مجمل أفلامه السابقة، القصيرة والطويلة، مؤكّداً موهبته فيه، ما يعني أنّ النجاح الذي حقّقه هذا الفيلم لم يأتِ من فراغ أو مصادفة، بل نتيجة تراكم ومسار طويل من البحث والنجاح. جديده، المشبع بمنطلقات واقعية وكوميدية وتراجيدية، نسيجٌ واضح من تيارات متداخلة، تجمعها المواقف الإنسانية المتولّدة من مسارات أوسكار، وصفاته وتصرّفاته، هو الذي تحالفت عليه الوقائع وحاصرته في زاوية ضيقة، لتختبر إنسانيته ومواقفه ومنطلقاته التي تدرّب عليها روحياً بالشعر الذي يكتبه، والذي لم يعد يُحرّك ساكناً، ولا يُستَمَع إليه، ولا يُعترَف بشاعريته وإنسانيته.

 

 

صار أوسكار غريباً عن عصره، فقط لأنّه لم يسر على الطريق نفسه الذي سلكه الآخرون. قرّر أنْ يكون مُبدعاً لا تابعاً، فغابت عنه الأضواء، وتنكّرت له الأسماء، وتحالفت عليه الظروف. مع ذلك، أصرّ على البقاء كما هو، بصفاته وشعريّته، وسلبياته، لا لشيء إلا لأنّه شاعر حقيقي وغير مزيّف.

أدّى ريوس دوراً مُركّباً ومُعقّداً إلى درجة الإبهار، إذْ استطاع مزج النفسي بالجسدي، متوحّداً في صفة الشاعر بكل تجلّياته، حتى لم تعد هناك أي مسافة بين الممثل والدور، فصار الاثنان شخصاً واحداً، إلى حدّ يصعب معه التمييز بين أوسكار وأوبيمار. كأنّ ما يجمعهما ليس مهنة السينما فقط، بل مصير إنساني واحد. كما يُحسَب الأداء للمخرج أيضاً، الذي عرف كيف يوجّه ممثله، ويستخرج أفضل ما فيه، نفسياً وجسدياً.

من جهة أخرى، لم يضع المخرج سوتو شاعره على كرسي النزاهة والتقديس، بل صوّره شخصية اتكالية مليئة بالعيوب، وغير منزّهة، ولا تتحمّل مسؤولياتها الأسرية والمجتمعية كما ينبغي. ورغم كِبَر سنّه، لا يزال يعتمد على والدته المحتضرة تيريسيتا (مارغَريتا سوتو)، وأخته الكبرى يولاندا (أدريانا أوبغوي). كما أهمل ابنته المُراهقة دانيلا (ليسون كوريا)، التي تعيش بعيداً عنه مع والدتها. رغم هذا، ينتصر أوسكار للشعرية، وللحظات الصفاء، وللذات المتحرّرة من عيوب الشعرية الحديثة وشوائبها، التي انجرفت إلى التمييع والسطحية.

رسم سوتو منطلقات أدبية وإنسانية، ووضع المتلقي أمام صورة الحداثة المتوحّشة، التي تتنصّل حتى من الفنون، مُمثلةً بالشعر الذي يسمو بروح الإنسان. كأنّ قدرنا أن نتّجه إلى الهاوية التي يفرضها العصر، وأن نتلذّذ بسقوطنا فيها، ونستمتع بقاعها المظلم.

"شاعر" صرخة مُدوّية في وجه الزيف والتقدّم المفرط والانهيارات المتتالية للإنسان، الذي تجرّد من روحه ومنطلقاته الفنية، لصالح عالم مادي تحكمه الخوارزميات والتكنولوجيا. عالم يتنصّل من إنسانية الإنسان، ويساهم بفعالية في انهيار القيم والمعنى، ليتشابك مع منظومة جديدة، تُقاس فيها القيمة الإنسانية بمؤشّرات الصعود والنزول على شاشات البورصات العالمية.

إنه إشارة قوية إلى إنقاذ ما يُمكن إنقاذه من هذا العالم، ومحاولة للّحاق بما تبقى من أرواح هائمة، لوضعها في سياقها الصحيح، للمحافظة على ما تبقى من روح الإنسان، ذلك الكائن الذي لم يعد الشعر يحميه من الخراب، لكنه لا يزال آخر منارة تضيء عتمته.

المساهمون