شارات علي الحجار: محطّات من ذاكرة الدراما المصرية

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:42 (توقيت القدس)
ركز الحفل على عدد من تترات الدراما التي ارتبطت بوجدان المشاهد العربي (صفحة الفنان/فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أقام علي الحجار حفلاً في دار الأوبرا المصرية، حيث أعاد إحياء شارات المسلسلات الشهيرة مثل "المال والبنون" و"الشهد والدموع"، مما يعكس أهمية هذه الشارات كأعمال موسيقية مستقلة.
- تميزت شراكات الحجار مع شعراء وملحنين مثل سيد حجاب وعمار الشريعي، مقدمة أعمالاً موسيقية تعبر عن الهوية الشرقية والدرامية، مثل "الأيام" و"الليل وآخره"، مما أتاح له مجالاً واسعاً للأداء الصوتي الدرامي.
- حافظ علي الحجار على بصمته الفنية عبر عقود، متكيفاً مع تطورات الموسيقى والدراما، كما في "جزيرة غمام"، مؤكداً دوره كجسر بين الفن الماضي والإبداع المعاصر.

على خشبة المسرح الكبير في دار الأوبرا المصرية، وقف المطرب علي الحجار ليقدم حفلاً مختلفاً، ينشط به ذاكرة أجيال ممن ارتبطوا بصوته عبر شارات المسلسلات التي غناها على مدار رحلته الفنية الطويلة، وصارت جزءاً من الوجدان الجمعي للمصريين والعرب.
مثّل الحفل، الذي أقيم الأحد الماضي، إقراراً ضمنياً بقيمة الشارة الغنائية باعتبارها شكلاً فنياً مستقلاً، ونقلها من خانة الأغاني المرافقة إلى مصاف الأعمال الموسيقية الكبرى الجديرة بالتقديم في أهم صرح ثقافي رسمي، ما يكرّس دوره باعتباره أهم موثّق موسيقي لتاريخ مصر الاجتماعي والسياسي والوجداني خلال نصف قرن. ركز الحفل على عدد من تترات الدراما التي ارتبطت بوجدان المشاهد المصري والعربي على مدار عقود، مثل "المال والبنون"، و"الشهد والدموع"، و"بوابة الحلواني". في كثير من هذه الأعمال، تحول التتر على يد الحجار وملحنيه إلى مرثية أو ملحمة صوتية، تختصر السرد الدرامي الطويل في دقائق معدودة، وتُمهد للمشاهد لاستقبال الثقل المعرفي أو التاريخي للعمل. كان نجاح أغاني الشارات بصوت الحجار نتيجة شراكات فنية رصينة ودقيقة صاغت مدرسة خاصة جداً في الغناء الدرامي. وربما شكل الشاعر سيد حجاب، والموسيقيان عمار الشريعي وياسر عبد الرحمن، أهم أركان هذه الشراكات. كان حجاب النواة الفكرية واللغوية لمعظم كلاسيكيات الحجار، كان يكتب عامية فلسفية تجمع بين بساطة اللغة اليومية وعمق القضايا الوجودية والاجتماعية. في أعمال مثل "المال والبنون"، و"الشهد والدموع"، و"الأيام"، صاغ حجاب قصائد تحذيرية ورثائية وتأملية، مكثفاً الحكاية والدرس الأخلاقي للمسلسل في أبيات قليلة. هذا الثقل المعنوي واللفظي تطلب مؤدياً فريداً ببراعة علي الحجار ليمنحه القدرة على التنفس العميق والإلقاء الدرامي، ليتحول الشعر من نص مقروء إلى رؤية صوتية.
مثلت ثنائية الحجار وعمار الشريعي نموذجاً للالتزام بالهوية الشرقية مع التعبير الدرامي. في مسلسل "الأيام"، كانت الموسيقى بمثابة مرثية عميقة لرحلة كفاح طه حسين، إذ اعتمد الشريعي على المقامات والإيقاعات التي توحي بالزمن الطويل والصراع، فكان اللحن يشي بالبؤس ثم الأمل، متناغماً مع صوت الحجار الذي جسّد البعد الإنساني في رحلة عميد الأدب العربي. في "الشهد والدموع"، استخدم الشريعي توزيعه الموسيقي المعقد الذي يميل إلى الأوركسترا الشرقية مع الإيقاعات الحزينة، ليصور الصراع الأزلي بين الخير والشر، وصراع الأجيال. هذا التكوين الموسيقي منح الحجار مجالاً واسعاً للأداء الصوتي المتصاعد والدرامي.
عبر صوت الحجار، قدّم ياسر عبد الرحمن الصيغة الأكثر استمرارية وتطوراً في تلك المسيرة الدرامية، خاصة في حقبة التسعينيات وبدايات الألفية، ووصلت إلى ذروتها في "المال والبنون" و"الليل وآخره". في "المال والبنون"، قدم عبد الرحمن لحناً أوركسترالياً اتسم بالقوة الملحمية والبساطة اللحنية في آن، ما سمح لكلمات حجاب بالانتشار وتكريس العبارات الفلسفية، مثل "المال تجيبه الريح". اعتمد عبد الرحمن على التوزيع الذي يمنح الأغنية طابعاً ملحمياً مهيباً. في "الليل وآخره"، تعمقت الثنائية في الجانب النفسي والوجداني، فجاء اللحن أكثر شجناً وتأملاً، يميل إلى التعبير عن الحزن المستبطن، ما يتوافق مع قدرة الحجار على تقديم الموال القروي العميق بصوته المدني الرصين.
ومثلت شارة مسلسل "بوابة الحلواني" نقطة التقاء مهمة بين الحجار والموسيقي الراحل بليغ حمدي، بكلمات سيد حجاب أيضاً. على الرغم من أنه كان لقاءً وحيداً في هذا السياق، إلا أنه أنتج عملاً وطنياً بامتياز، فجاء لحن بليغ مباشراً وحماسياً ومهيباً، مستخدماً إمكانات صوت الحجار العالية في إطلاق نداءات وطنية خالدة "اللي بنى بنى مصر كان في الأصل حلواني". كانت هذه الشارة النموذج الملحمي العابر للزمن الذي يختلط فيه التاريخ بالوطنية. هكذا، كونت هذه الثنائيات، باختلاف مدارسها، الأساس الفني الذي مكن الحجار من أن يُصبح مطرب المقدمات الدرامية بلا منازع.
يمثل صوت علي الحجار، بما يتميز به من عمق طبقي وقدرة درامية عالية على إيصال الشجن والفخامة ومرونة بين الأداء الأوبرالي والموال الشعبي، أرضية خصبة لتطبيق رؤى موسيقية شديدة الاختلاف. لم يكن مجرد مؤدٍ لألحان جاهزة، وإنما كان "أداة" فنية مرنة وثرية سمحت لهؤلاء المبدعين بتطبيق رؤاهم الموسيقية المتباينة على قضايا الدراما المصرية، ليصبح صوته هو القاسم المشترك بين مدارس متباينة في الرؤية والأسلوب.
يمتد مشوار علي الحجار في غناء التترات الدرامية لأكثر من أربعة عقود بدأت بـ"الأيام" عام 1979 وحتى "جزيرة غمام" عام 2022، ما يجعله شاهدا حيا على تحولات الدراما المصرية والموسيقى المصاحبة لها. منذ بداياته، مثل الحجار صوت الراوي الوطني، الذي يحمل هموم الناس ويقدمها بوقار وشجن. هذه الفترة أرست قاعدة لا يمكن تجاوزها تتمثّل في أن التتر يجب أن يكون عملاً فنياً مكتملاً وليس مجرد خلفية سريعة. لكن مع أواخر التسعينيات بدأت الموجة الدرامية السريعة وظهور أنماط موسيقية أكثر عصرية وميلاً إلى التوزيع الإلكتروني. ورغم هذا، حافظ الحجار على نهجه عبر الإبقاء على ثنائية سيد حجاب وياسر عبد الرحمن في أعمال مثل "الليل وآخره" و"مسألة مبدأ". كان هذا التمسك بمنزلة "خط دفاع" عن فن يتسم بالجدية والرصانة في مواجهة الانزلاق نحو التترات الخفيفة.

تمثّل شارة مسلسل "جزيرة غمام" (2022) نقطة محورية في مسيرة التطور الزمني للحجار. ففي هذا العمل، كسر الرجل الثنائيات الكلاسيكية الطويلة ليعمل مع جيل جديد تماماً: الشاعر إبراهيم عبد الفتاح والملحن شادي مؤنس. كان غياب سيد حجاب عن الكلمات يعني أن الحجار قبل التكيف مع لغة شعرية جديدة قد تكون أقل كثافة فلسفية وأكثر انشغالاً بالسرد الشعبي والغموض المكاني. كما جاء لحن مؤنس أكثر بساطة وإيقاعية، وأقل اعتماداً على الزخم الأوركسترالي، وأقرب إلى الموسيقى الفلكلورية/الروحانية.
لكن التحدي الأكبر للحجار تمثّل في تطويع صوته الملحمي ليخدم لحناً أهدأ وأخفض في طبقاته؛ فأثبت قدرته على التخفف من "ثقل" الماضي وتجنب الوقوع في فخ التكرار، محافظاً على سلطة صوته ورصانته حتى في الألحان العصرية، مؤكداً أن "صوت المدرسة الجادة" يمكن أن يتحدث بأي لغة فنية من دون أن يتنازل عن معاييره.
شكّل علي الحجار حالة فريدة من الثبات داخل التغير، واستطاع أن يعبر عقوداً فنية متعددة، محتفظاً بالبصمة الذهبية التي وضعها في الثمانينيات، وفي الوقت نفسه، مبدياً مرونة لاستقبال ألحان وأفكار الجيل الجديد، ما يضمن خلود أعماله جسراً يربط بين أساتذة الفن الماضي وروح الإبداع المعاصر. على المسرح الكبير، قدم الحجار التترات بتوزيعات أوركسترالية حية، تبرز الثراء اللحني والتوزيعي لعمار الشريعي وياسر عبد الرحمن وبليغ حمدي، ما يُحيي جماليات العزف والآلات الحقيقية.

لا يمكن فصل القيمة الفنية لهذه التترات عن عائدها الاجتماعي والنفسي على المشاهد. لقد تجاوزت هذه الأعمال وظيفتها الأساسية لتصبح "محطات ذاكرة" ترسخت في الوجدان الجمعي، ليس فقط لارتباطها بنجاح المسلسلات، ولكن لأنها قدمت تفسيراً شعرياً للحياة المصرية وقضاياها الشائكة. فعبارات مثل "مين اللي قال إن الحياة وقفت على دول" أو "إيه تيجي في باله إيه"، أصبحت مقولات شعبية مأثورة تُستخدم في الحياة اليومية، ما يؤكد نجاح التتر في النفاذ إلى الثقافة الشفهية. هذا التحول من أغنية إلى "ميراث شعبي" هو ما منح حفل الحجار على المسرح الكبير أهميته التوثيقية؛ فالمؤسسة الرسمية تُكرم المطرب، وأيضا تكرم المادة الفنية الثقافية التي أثرت مباشرةً في تكوين الوعي الجمالي واللغوي لعدة أجيال.

المساهمون