شاحنة التعرف إلى الوجوه: شرطة لندن تختبر حدود المراقبة الذكية
استمع إلى الملخص
- أثارت التقنية جدلاً بسبب تقرير عن تحيز عرقي في الخوارزميات، مما دفع هيئة حماية البيانات البريطانية لطلب إيضاحات من وزارة الداخلية.
- تواجه التقنية انتقادات حقوقية لخطر استخدامها في مراقبة واسعة دون إذن، مع دعوات لوضع إطار قانوني صارم لتنظيم استخدامها.
ازدحم شارع تجاري في منطقة ساتن جنوبي لندن بمشهد لا يشبه يوميات المدينة المعتادة: شاحنة حمراء صغيرة تحمل شعار الشرطة توقفت بثبات عند زاوية الطريق، فوقها صفّ من الكاميرات الدوّارة، وعلى جانبها لافتة تقول بوضوح: "التعرف إلى الوجوه المباشر قيد التشغيل". بدت المركبة كأنها غرفة عمليات متنقلة، تعكس شاشاتها حركة المارة لحظة بلحظة.
اقتربتُ من عناصر الشرطة عند الشاحنة التعرف إلى الوجوه حيث كانوا يقفون عند الباب الخلفي لها، ويتوزع فريق بلباس مدني داخل المركبة بين شاشات وأسلاك وأجهزة تبريد تحافظ على دقّة المعدّات. بدا المشهد عملياً بالكامل، وليس عرضاً تجريبياً أو حملة إعلامية، بل كان جزءاً من روتين يومي تقوده شرطة العاصمة. أمام الشاحنة، تحدّثتُ مع الشرطي كيفن براون، الذي كان يرتدي زيّاً مدنياً ويعمل ضمن فريق تشغيل النظام.
قدّم براون شرحاً واضحاً عن آلية عمل تقنية التعرف إلى الوجوه مؤكداً أنّ النظام لا يخزّن وجوه المارّة، ولا يحتفظ بأي بيانات عن الأشخاص الذين يمرّون أمام الكاميرات، بل يكتفي بمقارنة اللقطات المباشرة بقائمة محدّدة لأشخاص مطلوبين أو خاضعين لرقابة قضائية. وفي حال عدم حدوث أي تطابق، تُمحى الصورة فوراً من دون تسجيل أو أرشفة.
تحدّث براون عن قدرات الكاميرات التي تفوق ما يتوقعه كثيرون. قال إن النظام قادر على التقاط ملامح الوجه من مسافة قد تصل إلى عشرين متراً أو أكثر، وإن ارتداء النقاب أو الكمامة أو النظارات الشمسية لا يمنع المحاولة، لأن الخوارزمية تعتمد على عناصر تفصيلية في بنية الوجه تتجاوز الجزء المكشوف منه. خلال مراقبة الشاحنة من الخارج، كانت الشاشات الداخلية تُظهر وفق ما شرحه براون تدفّقاً مستمراً لصور الشارع وتنبيهات مرجّحة للتطابق.
وأكّد أن العنصر البشري يبقى حاضراً في كل خطوة، موضحاً: "إذا ظهر تطابق محتمل، نخرج ونتحدث مع الشخص أولاً. ليس كل تطابق يعني أن الشخص مطلوب، لذلك نتحقق من ذلك وجهاً لوجه قبل اتخاذ أي خطوة". وعن وجود الشاحنة تحديداً في منطقة ساتن، يشرح براون أن المركبة تتنقل بين مناطق مختلفة من لندن وفق خطة عمل يومية: "اليوم نحن في ساتن، وعادة نقضي أربع أو خمس ساعات في كل منطقة قبل الانتقال إلى موقع جديد. الهدف هو تغطية أكبر قدر من المواقع".
التعرف إلى الوجوه متحيّز
بحسب الشرطة، الهدف من هذه التقنية هو تعقّب المطلوبين أو ذوي الخطورة العالية في الأماكن المزدحمة، وتوفير أداة سريعة تساعد في تنفيذ أوامر القبض. لكن تزامناً مع المشهد الميداني في ساتن، صدر تقرير لافت من صحيفة ذا غارديان بتاريخ الخامس من ديسمبر/كانون الأول الحالي، كشف عن أزمة جديدة تهزّ الإطار التنظيمي لتقنيات التعرف إلى الوجوه في بريطانيا.
وطلبت هيئة حماية البيانات البريطانية ICO "إيضاحاً عاجلاً" من وزارة الداخلية بعد اعتراف رسمي بأن الخوارزمية المستخدمة في قاعدة بيانات الشرطة كانت أميَل إلى إنتاج تطابقات خاطئة ضد الأشخاص السود والآسيويين مقارنة بالبيض. ووفقاً لاختبارات "المعمل الوطني للقياسات" NPL، بلغت نسبة الخطأ لدى النساء السود نحو 9.9%، في واحدة من أعلى مستويات التحيّز التي يُكشف عنها في نظام حكومي خلال السنوات الأخيرة.
في هذا الشان، قالت نائبة المفوض في الهيئة، إميلي كيني، إن من "المخيّب للآمال" عدم إبلاغهم بهذه المشكلة رغم الاجتماعات الدورية مع الشرطة والوزارة، مشيرةً إلى أن الخطوات المقبلة قد تشمل أوامر قانونية بوقف استخدام الخوارزمية أو فرض غرامات. وذهب مفوضو الشرطة في عدد من المقاطعات إلى التحذير من خطة التوسّع الوطني في تثبيت الكاميرات داخل المراكز التجارية والملاعب ومحطات النقل من دون ضمانات واضحة، خصوصاً بعدما وصف وزراء في الحكومة التقنية بأنها "أكبر اختراق منذ اكتشاف الحمض النووي" قبل ساعات فقط من نشر نتائج الاختبار.
وتتقاطع هذه التطورات مع ما نشرته "ذا غارديان" في اليوم نفسه، إذ كشفت وثائق رسمية أنّ نتائج الاختبارات التي أظهرت التحيّز العرقي لم تُعلن للجمهور في وقتها، ولا حتى للمجتمعات السوداء والآسيوية الأكثر تأثراً بالتطابقات الخاطئة. ووفق بيان صادر عن رابطة مفوضي الشرطة والجرائم، فإن الأعطال "كانت معروفة منذ فترة"، لكن الجهات المعنية لم تشاركها مع أصحاب المصلحة أو مع الفئات التي طاولها الخطر مباشرة.
يأتي هذا في وقت تعمل فيه الحكومة على إطلاق مشاورة عامة تمتد لعشرة أسابيع لاستطلاع الرأي حول توسيع صلاحيات الشرطة للوصول إلى قواعد بيانات حساسة، تشمل صور جوازات السفر ورخص القيادة، توازياً مع مشروع لإنشاء نظام وطني جديد للتعرف إلى الوجوه يضم ملايين الصور. يحذّر ناشطون من منظمة ليبرتي من أن آلاف عمليات البحث الشهرية، باستخدام خوارزمية متحيّزة، تُثير أسئلة جدية حول عدد الأشخاص الذين واجهوا تطابقات خاطئة، وما يمكن أن يكون قد ترتّب عليها من آثار.
هذا القلق الحقوقي تردد صداه سياسياً، إذ شبّه الوزير السابق، ديفيد ديفيس، التوسّع المخطط له بـ"بريطانيا الأخ الأكبر"، داعياً إلى نقاش برلماني كامل قبل المضي في نشر الكاميرات داخل المراكز التجارية والملاعب ومحطات النقل. وعلى الرغم من تعهّد وزارة الداخلية باختبار خوارزمية جديدة بعيدة عن التحيّز مطلع العام المقبل، يبقى النظام الحالي مستخدماً على نطاق واسع، ما يعيد طرح الأسئلة حول الضمانات الغائبة والشفافية المطلوبة في واحدة من أكثر تقنيات المراقبة حساسية في الفضاء العام.
مع ذلك، يبقى المشهد في ساتن مرآة لمرحلة أوسع تعيشها بريطانيا. الناس يعبرون الطريق والأطفال يركضون نحو المتاجر والعيون الإلكترونية تراقب الوجوه واحداً تلو الآخر. تبدو اللحظة جزءاً من مستقبل تتداخل فيه التكنولوجيا مع الحياة اليومية، وتعيد رسم العلاقة بين الأمن والخصوصية.
سلطة التعرف إلى الوجوه
انتشار هذه التقنية أثار موجة انتقادات في الأوساط الإعلامية والحقوقية. وبحسب ما ورد في "ذا غارديان" بتاريخ 23 أغسطس/آب الماضي، رفض عدد من الخبراء إعلان شرطة العاصمة أن نظام التعرف إلى الوجوه خالٍ من التحيّز، معتبرين أن الاختبارات التي استندت إليها الشرطة محدودة ولا تكفي لإطلاق مثل هذا الاستنتاج. أما صحيفة ذي إندبندنت، في تقرير نُشر في 14 فبراير/شباط الماضي، فرأت أن انتشار الفانات المزوّدة بهذه التقنية "يُحوّل كل عابر إلى مشتبه به محتمل"، وحذّرت من غياب تشريع واضح ينظم استخدام الخوارزميات في الفضاء العام.
وتعبّر منظمات حقوقية عن خشيتها من أن توفر هذه الأنظمة سلطة واسعة لمسح وجوه الناس من دون إذن قضائي مباشر، داعيةً إلى وضع إطار قانوني صارم لمنع أي توسيع غير منضبط. وتضيف أن الاعتماد على خوارزميات قد تُخطئ يفتح الباب أمام توقيف أشخاص لا علاقة لهم بالتحقيقات، ما يضع مواطنين أبرياء في دائرة الاشتباه بصورة غير عادلة. وتترك هذه النقاشات المتصاعدة انطباعاً بأن الشاحنة الحمراء التي ظهرت في ساتن ليست مركبة عابرة، بل علامة على تحوّل تقني يتقدم بخطوات ثابتة، بينما يتواصل الجدل حول الحدود الفاصلة بين حماية المجتمع وحق الناس في الشارع العام من دون مراقبة دقيقة لملامح وجوههم.