سينما المغرب: صمتٌ يفضحه واقعٌ منكوب

22 سبتمبر 2020
الصورة
دار "الفن السابع" (عبد الحق سنة/فرانس برس)

منذ أسابيع، يُثار جدلٌ على شبكات التواصل الاجتماعي في المغرب، بخصوص عدم قدرة المؤسّسات الفنية المغربيّة على إعادة فتح أبواب صالات السينما، لضخّ نبضٍ جديد في الحياة السينمائية المغربيّة، بعد أشهر عدةٍ من الحجر، بسبب تفشّي كورونا. فالمغاربة تأكّدوا من عدم جدوى التقوقع في منازلهم ومُشاهداتهم الافتراضية، مُعتبرين أنّ الخروج منها ضروري، كضرورة ممارسة حياة عامة، والتمتّع بما تمنحه لهم الفضاءات العمومية، من مقاهٍ ثقافية وفنون شارع ومهرجانات موسيقية وصالات سينمائية.
هذه الأخيرة، بوصفها ضرورة مُلحّة، لا تنأى بنفسها عن الصناعة الثقافية، ويجب إعادة فتحها كما يحصل في دول أخرى، لاعتبارها خطة ناجعة للتقليل من حدّة تأثير كورونا على نفوس الناس، وجعلهم يجرّبون المُشاهدة السينمائية مجدّداً، بعد أشهر من مُشاهدات افتراضية غير كافية، بحكم العلاقة الساحرة التي ينسُجها المُشاهد مع الصالات، التي تغمُره بعتمتها، وتجعله يحلم عبر شاشاتها الكبيرة، بعيداً عن وطن مأزومٍ، وواقع يزداد بؤساً. بالإضافة إلى ذلك، هناك تأكيدٌ لممثّلين ونقّاد على ضرورة تجديد هذه العلاقة، وأهميّة فتح أبواب الصالات اليوم، في وقت بدأت تزداد الهوّة بين المُشاهد والأفلام المغربيّة، ما أثّر سلباً على الصناعة السينمائية، خاصّة أنّ صالات كثيرة تضرّرت بسبب الإغلاق، وهذا دافعٌ إلى التفكير بإغلاقها النهائي، أو بتحويل بعضها إلى محلاّت تجارية، مع بدء موجة ثانية من كورونا، فرضت على الصالات صمتاً وموتاً، قريباً أو مُؤجّلاً.
عن إعادة الجمهور إلى الفضاءات الفنية، ومن ضمنها صالات السينما، يقول الناقد سليمان الحقيوي لـ"العربي الجديد" إنّه "خيار ملحّ بالنسبة إلى دول كثيرة، ليس فقط لاعتبارات اقتصادية، بل أيضاً لما يستطيع الفنّ السابع تقديمه في الأزمات الكبرى". فالسينما، بالنسبة إليه، "قادرة دائماً على انتشال المرء من همومه، وصالات السينما تلعب هذا الدور في الأزمات التي أصابت العالم". أضاف الحقيوي أنّ "تقدير دَوْر السينما في تحقيق هذه المهمّة يُعجّل بإيجاد حلولٍ تلائم أوضاع كلّ بلد"، ففي إيطاليا مثلا "أُقيم "مهرجان فينيسيا"، في دورة انتصارٍ للحياة، وإعلانٍ قوي لعدم الخضوع أمام نمط الحياة التي يدفعنا إليه كورونا".

أضاف الحقيوي أنّ الأسباب المُضمرة، التي تجعل المؤسّسات الرسمية تستمر في إغلاق صالات السينما، "تؤكّد الكيفية التي يفكر بها المسؤول المغربي في الفنون عموماً، والسينما خصوصاً، ووجودها أسفل سلّم أولويات البلد، وهذا لا يتلاءم مع الوجه الذي يُقدّم المغرب نفسه به، كبلدٍ داعم للفنّ ومستثمر فيه، في الأعوام الأخيرة على الأقلّ". ورأى "أنّ التأخّر في وضع خطّةٍ لعودة الحياة إلى صالات السينما ينذر بكسادٍ، ستتراكم نتائجه أعواماً طويلة، وبحدّة تفوق ربما ما سيُصيب قطاعات أخرى، ما يُكبّد صناعة السينما وأصحاب الصالات انتكاسة تُضاف إلى سلسلة انتكاساتٍ يعانيها الفنّ في المغرب".
وقال أيضاً إنّ "قرار إغلاق صالات السينما بعيدٌ عن أيّ منطق"، مستحضراً حقائق متعلّقة بفضاء صالة السينما نفسه، "فالسينما توفّر إمكانية التحكّم في أعداد من يأتي إليها، بتحقيق شرط التباعد، وتتبّع عدد التذاكر، وسلاسة دخول الجمهور وخروجه، وساعات الإغلاق، وهذا لا يُمكن تحقيقه في فضاءات أخرى مكتظّة كلّها، كالمقاهي والساحات والأسواق". وأكّد الحقيوي "أنّ صالات السينما لا تعرف اكتظاظاً من الأساس، واستمرار إغلاقها يؤكّد بؤس حكاية الفنّ في المغرب، وفيها شدّ وجذب كثيرين. حكاية لا تزال ترى السينما ترفاً، لا فرق بين وجودها وعدم وجودها".
من جهته، أكّد الناقد عبد الكريم واكريم أنّ القطاع السينمائي المغربي عرف، بسبب كورونا وتطبيق الحجر الصحي،  وتالياً إيقاف الأنشطة السينمائية كلّها (تصوير الأفلام وتشغيل الصالات)، "أزمة كبيرة لا تزال ترخي بظلالها إلى اليوم، رغم العودة الخفرة لتصوير أفلامٍ ومسلسلات". أضاف: "لكنّ قرار السلطات المغربية بسريان إغلاق الصالات، رغم تصريحها بفتح مرافق أخرى، كالمقاهي والمطاعم والحانات والمساجد والمؤسّسات التعليمية وأماكن عامة أخرى، جعل أهل الميدان، الذين لم يعود أحدٌ منهم يتحمّل الأزمة الاقتصادية التي ضربت قطاعهم، ينتفضون ويحتجّون ويُطالبون بفتح صالات السينما والمسرح، وبالعمل على عودة الروح للفعل السينمائي والفني والثقافي عموماً".
ورأى واكريم أنّ "السلطات لم تُولِ اهتماماً إلى الآن بهذه المطالب، التي بدأت خافتة، وأصبح الصوت يعلو من أجلها يوماً تلو آخر، مع انضمام قطاع كبير من أهل المهنة والمهتمين بالميدان". ويطرح واكريم أسئلة تفرض نفسها في هذا السياق، وتؤرق أصحاب الميدان: هل أنّ الفعل الفني والسينمائي لم يعد حاضراً في أجندات الدولة المغربية؟ هل بالخبز وحده يحيا الإنسان؟ ما المدّة التي ستظلّ خلالها الجهات المعنية غير عابئة بفداحة هذا الفعل؟".
أضاف: "كمهتمّين ومتدخّلين في الميدان، نؤكّد الضرورة الآنيّة لفتح صالات السينما في المغرب، مع تطبيق الشروط الضامنة للأمن الصحي، وأبرزها فرض العمل بنسبة 50  في المائة من الطاقة الاستيعابية للصالات، علماً أنّ الإقبال على الصالات تدنّى مستواه في الأعوام الماضية، ما يعني عدم إحداث مشاكل في هذا السياق".
ويُذكّر واكريم أنّ القطاع السينمائي في المغرب "يُعاني قبل حلول الوباء، في توزيع الأفلام في الصالات، وتَدنِّي عددها (الصالات) بشكل كبير ومخيف، مقارنةً بما كان الأمر عليه في العقود الماضية". أضاف: "عندما حَلَّ الوباء، تضاعفت الأزمة، وإذا استمر الحال كما هو الآن، فعلى السينما في المغرب السلام، خصوصاً أنّ أهل الميدان كانوا يطمحون إلى وصولها إلى مرتبة الصناعة السينمائية، الأمر الذي لم يتحقّق إلى اليوم. لهذا، على الجهات المسؤولة عن السينما، وأوّلها وزارة الثقافة، أن تعجِّل في إعادة فتح أبواب الصالات السينمائية في أقرب وقتٍ ممكن، للتخفيف من ثقل الوضع وخطورته".

أما الناقد سعيد المزواري، فيتعبر أنّ هناك جانبَين في قراءة المسألة: "الاقتصادي، المتمثّل بالظروف الصعبة التي يعيشها المشتغلون في القطاع، مباشرةً كموظّفي الصالات، وغير مباشرة كالفنانين والتقنيين المشتغلين في السينما، نظراً إلى ارتباط حركتهم بدينامية إنتاج الأفلام وإطلاق عروضها. 
عن هذا الوضع، عبّرت بحرقة الرسالة المفتوحة لـ"هولدينغ أطلس سينما"، الموجّهة إلى وزير الثقافة، التي تُناشِده البحث عن صيغة لدعم شغيلة الصالات، على غرار القطاع السياحي، وكيف أنّ القطاع فَوّت فرصةً ذهبية لاستدراك الخسائر، من خلال أفلام حقّقت إقبالاً مهماً في الخارج، في الشهرين الأخيرين، كـ"تينيت (Tenet) لكريستوفر نولان".

ويستدرك المزواري كلامه قائلاً: "المُقلق أنْ يؤدّي استمرار الإغلاق إلى مضاعفات لا رجعة فيها، تفضي إلى إغلاق صالات عدّة نهائياً، كما حصل مع قاعة "لانكس"، إذ كان صادماً خبر التشطيب على الشركة المُسيّرة للقاعة، نظراً إلى مكانتها التراثية والـ"سينفيلية" الخاصة في قلوب أبناء الدار البيضاء، والمغاربة عموماً". أضاف: "الخوف كلّه أن نشهد موجة إغلاقات نهائية أخرى، ما من شأنه الإجهاز على قطاع الاستغلال، الهشّ أصلاً".
أما الجانب الثاني فذو بُعد ثقافي يتجلّى، بحسب سعيد المزواري، "في أنّ الإبقاء على إغلاق الصالات السينمائية، والفضاءات الثقافية عامة، يُترجم حقيقة النظرة الدونية التي تطبع رؤية المسؤولين السياسيين والأمنيين للشأن الثقافي، وكيف يعتبرونه هامشياً، ويضعونه في آخر سُلّم اهتماماتهم، على نقيض دولٍ تعرف أهميّته ودوره المهمّ في التوازن الروحي للفرد، خصوصاً في ظلّ الأجواء الراهنة، المفعمة بالضغوط النفسية".
ويُنهي المزواري كلامه بالقول إنّ "الثقافة مُتعامل سخي، يكافئ من اهتمّ به ـ ولو بالقليل ـ بكرمٍ بالغ، لكنّه يُقابل هجره وتهميشه بخسارات لا تعوّض، وفي القطاعات كلّها".