سينما الانتفاضات العربية (2/ 3): المشهد كئيبٌ والنقدُ مُلحٌّ

سينما الانتفاضات العربية (2/ 3) المشهد كئيبٌ والنقدُ مُلحٌّ

17 فبراير 2021
الصورة
إبراهيم البطوط و"الشتا اللي فات": اختراق الممنوع (شون غالّوب/ Getty)
+ الخط -

بعد حلقة أولى (15 فبراير/ شباط 2021)، يُقدّم الناقد المصري عصام زكريا والكاتب والناقد السوري علي سفر والناقد العراقي كاظم مرشد السلوم (تُنشر الإجابات وفقاً للترتيب الأبجدي للأسماء الأولى)، في الحلقة الثانية هذه، تحليلاتٍ مختلفة، تتناول كلّها واقع النتاج السينمائي ومساره ومصيره، بارتباطه مع سياق الثورات والانتفاضات ومصائرها.

 

عصام زكريا:

لا تغيير يُذكر

بعد 10 أعوام على الانتفاضات العربية، يبدو المشهد أكثر كآبة وبؤساً مما كان عليه قبلها. من دون الخوض في الأسباب، ولا في رصد المؤامرات وتحليل الخيبات التي أدّت إلى هذا الوضع، يُمكن القول إنّ ما نال المجتمعات العربية طاول سينماها أيضاً. الإنتاج السينمائي في معظم البلاد العربية يتراجع. صناعة السينما في سورية مثلاً تعرّضت للانهيار. في مصر، لم يحدث تغيير كثير، والأسماء الموجودة قبل عام 2011 لا تزال هي نفسها موجودة الآن. الإنتاج انخفض لأسبابٍ لها علاقة بالأوضاع الاقتصادية العامة، وبتراجع صناعة السينما عموماً.

مستوى الأفلام المنتجة في العالم العربي متواضع، في غالبيته. يندر جداً ظهور فيلمٍ على مستوى الأفلام الكبيرة العالمية. من ناحية المواضيع التي تناقشها هذه الأفلام، لا تختلف كثيراً عما كانت تناقشه منذ عشرة أعوام.

في الأعوام الأولى بعد 2011، حدثت طفرة في حرية التعبير والوعي الشعبي وحركة المثقفين والناشطين لتغيير مجتمعاتهم. فيها، أنتجت السينما العربية، المصرية خاصة، أفلاماً عدّة، تتناول ما حدث من منظور مؤيّد للثورة، ومعظمها منتمٍ إلى النوعين الوثائقي والروائي القصير. الأفلام الوثائقية لها نصيب الأسد، وأحد أسباب ذلك شروع شبكة "الجزيرة" في إنتاج وشراء ودعم أفلامٍ كثيرة منها. الأفلام الروائية القصيرة معظمها مستقلّ، وقليل التكلفة، وبمبادرات ذاتية، أو ضمن مشروع أفلامٍ قصيرة عدّة تُدمج معاً، كما في "18 يوم" (10 مخرجين مصريين) و"تحرير 2011: الطيّب والشرس والسياسي" (3 مخرجين مصريين: تامر عزت وآيتن أمين وعمرو سلامة). القليل جداً من هذه الأعمال روائي طويل، أبرزها من مصر: "الشتا اللي فات" (2012) لإبراهيم البطوط، و"بعد الموقعة" (2012) ليسري نصرالله، و"نوّارة" (2015) لهالة خليل، و"اشتباك" (2016) لمحمد دياب؛ ومن تونس: "ما نموتش" (2012) لنوري بوزيد، و"على حلة عيني" (2015) لليلى بوزيد، و"نحبك هادي" (2016) لمحمد بن عطية.

الأفلام التي تناولت الحراك السياسي الكبير عام 2011 قليلة جداً، لا تبلغ عظمة الحراك وحجمه. إنّها نتاج مجتمعات لم تهضم بعد أهمية هذا الحراك وعظمته. مجتمعات انقسمت على نفسها وتفتّتت، كما يحدث عادة بعد هذه الطفرات الكبيرة. مجتمعات تحتاج إلى وقتٍ طويل لتلتئم ثانية، أو ربما تدخل في ثقبٍ أسود من انهيار لا رجعة عنه.

 

 

في مقابل الأفلام الحماسية "الصادقة"، التي صنعها شباب شاركوا في الثورة، هناك أفلام "رجعية"، بعضها اتّخذ من الثورة مطية ليطعن بها، من منطلق تجاري: "تك تك بوم" (2011) لأشرف فايق (تمثيل محمد سعد)؛ أو من منطلق تابع لفكر الدولة، كـ"عيار ناري" (2018) لكريم الشناوي.

فنياً، لم تترك الانتفاضات تغييراً يُذكر في السينما العربية، سرداً أو أفكاراً أو أساليب أو مواضيع. ربما تحرّر صنّاع السينما التونسية قليلاً من وطأة النظام السابق، وأصبح الشباب يشعرون بثقة أكبر في النفس، ويناقشون قضايا لم يكن مسموحاً لهم مناقشتها قبلاً. لكنْ في مصر، حدث العكس، فهامش الحرية المسموح به في عهد حسني مبارك أكبر بكثير من الهامش المتاح حالياً. هذا غريبٌ.

 

علي سفر:

التدقيق النقدي واجبٌ وضرورة

انتهاء هذا العقد ـ الذي شهد تفجّر ثورات "الربيع العربي"، بكل ما احتواه من تفاصيل ولحظات مؤلمة وفرحة، وسرديات وحكايات متباينة ـ يفرض على الناقد أنْ يُعيد، بعد فوضى الآراء وتفحّص الزبائن ذوي الأهواء المتباينة، وضع المنتجات السينمائية في رفوفها الخاصة.

يحتاج الأمر إلى دراية ومعرفة، وقبل ذلك إلى جرأة، فبعض الرأي، وربما أغلبه، يضعه في تناقض مع التيار العام، إذا توفّرت لديه معطيات نقدية تضع ملاحظات حول هذا النتاج الفيلمي. خلقت الجماهير الثائرة مزاجاً خاصاً، يتعلّق بالانحياز إلى، ودعم كلّ الأفلام الروائية والوثائقية، التي تجول في الشوارع الثائرة نفسها: الأفلام المعروضة بعد تجربة ميدان التحرير، كـ"الميدان" (2018) لجيهان نجيم و"اسمي ميدان التحرير" (2011) لعلي الجهيني وغيرهما، تمّت محاكاتها في تجارب مختلفة في غير بلد عربي، كـ"تهريب 23 دقيقة ثورة" (إنتاج "مؤسّسة الشارع للإعلام والتنمية")، الذي تجوّل مع الثائرين في مدينة حماة السورية عام 2011، أو "حاضنة الشمس" (2011) لعمّار البيك.

توالت هذه التجارب. لكنّ لحظة الحقيقة أتت، مع التراجع الدراماتيكي للثورات نفسها، أو لنقل هزائمها، فبات على صنّاع الأفلام، الذين صنعوا المبهجات، أنْ يذهبوا إلى الضفّة الأخرى، أقصد إلى ساحات الألم والانكسار والموت والمجازر، فصارت سلالات الأفلام متراصفة، بعضها وراء بعض، كتتالي الأحداث.

التوصيف السابق للأفلام يتعاطى مع الظاهرة بكونها مساراً يتوازى مع الوقائع على الأرض، فتكون (الأفلام) نتاجاً لها في لحظة ما، وربما يكون كثيرٌ منها جزءاً من البروباغندا، التي تتماهى مع أطرافه. طبعاً، هناك ما هو غير ترويجي، يحمل رؤية تعارض أحد الأطراف، أو ترفض الواقع الذي فرضه إيقاع الحروب في البلدان التي شهدت الثورات.

لكنّ الغائب الحقيقي، في سياق العقد المنصرم، كان التعاطي مع المنتج السينمائي، الروائي أو الوثائقي، بوصفه حالة فنية ذات بنية مركبة، يختلط فيها الفني والتقني، وما يصطلح على تسميته بالشكل، مع الخطاب الذي تطرحه، والمضامين التي تقدّمها.

وفقاً لهذا، نستطيع إعادة رسم المشهد على الشكل التالي: أدّى النهوض الثوري في بلدان الربيع العربي إلى تفجّرٍ في جانب من الصناعة السينمائية: مختبر الوثائقيات. لم يحدث الأمر نفسه في السينما الروائية. بينما تمّ تخليق أفلامٍ تسجيلية مهمّة، طفت في مجراها الذي حفل بالمقابل بالكثير من العاديّ، أو الموظّف في سياق التلفزة والمتابعات الإخبارية. لم يؤدّ واقع الثورات إلى حدوث ما يشبه هذا في الروائيّ.

 

سينما ودراما
التحديثات الحية

 

إلى الآن، بقينا نقع على فيلمٍ، كـ"ستموت في العشرين" (2019) للسوداني أمجد أبو العلا وتجارب قليلة أخرى، كأنّنا عثرنا على خاتم سليمان. لعلّ ذلك يعود إلى أنّ صناعة الفيلم الروائي الجاد والمختلف، بوصفها عملية تجارية في جانبٍ منها، تتأثّر بسيطرة الأنظمة على مؤسّسات الإنتاج والصالات، وقبل ذلك على المحطات التلفزيونية.

بينما كانت الحاجة إلى مؤسّسات التمويل، في عالم صناعة الأفلام الوثائقية، أقلّ، مادامت عملية إنتاجها، في ظلّ الحروب والثورات، فرضت عليها أنْ تكون مخفية غير علنية، تعمل تحت الضغط والخوف من الموت والاعتقال؛ تراجع احتياجها إلى الأدوات نفسها المستخدمة في الأوقات العادية، فلم يعد اهتزاز اللقطات عيباً، ومثله الاهتمام بالإضاءة والألوان والصوت، وصار تتبّع الحكاية والخطاب، وما ينتج عنهما من سردية تدخل الصراع، أهمّ بالنسبة إلى المُشاهد.

هذا أشار إليه وصول أفلام سورية، أو تتحدّث عن مواضيع مرتبطة بسورية، إلى المراتب الأولى في المهرجانات العالمية. لكنْ، هل كان توافر عناصر، كالمدن المدمّرة والنازحين واللاجئين والقصف والهرب بحثاً عن النجاة، كافٍ لوضع كلّ المنتجات المماثلة في قائمة الأفلام التي تستحق المُشاهدة؟ الجواب بالتأكيد: كلا.

اختراع، أو ادّعاء وجود الوصفة الجاهزة لنجاح الفيلم الوثائقي السوري في المهرجانات، قوبل بتنديد من رأوا المسألة كعملية تسويقية وتجارية، وغاب عنهم أنّ مقوّمات الوصفة ليست مخترعة، بل نتاج واقع ونظام يأبى أنْ يغادر السلطة من دون تدمير كلّ شيء. طبعاً، كان لمؤيديه رأي مشابه في هذه الأفلام، التي اتُّهمت بأنّها جزءٌ من المؤامرة، طالما أنّها ـ وفوق ما تتضمّنه ـ تُموَّل من مؤسّسات غربية.

طبيعيٌّ أنْ يكون التخندق مع الثائرين والنازحين واللاجئين مُسيطراً ومحمياً بالسند الأخلاقي، طالما أن الجهة المقابلة لم تنتج، حتى اللحظة، وثائقياً وروائياً، سوى أفلام دعائية ساذجة. لكنّ هذا لا يعفي صنّاع الأفلام المنحازة إلى الثورات، وكذلك نقّادها، من تحليلها وإقامة مبضع النقد فيها. فمن أجل حمايتها كتيارٍ، خرج من قلب الرغبة في التغيير، يتوجب التدقيق في الخطاب الذي تقدّمه.

لذا، كان ضرورياً أنْ يُصبح الوعي بتحوّلات الثيمات الآنية جزءاً من عمل صنّاع هذه الأفلام. هنا، نتذكّر الأسئلة القاسية التي طرحها "عن الآباء والأبناء" (2017) لطلال ديركي عن تحوّلات الثائرين، وندقّق في طبيعة التكوين المجتمعي وتحوّلات الفضاء، الذي دارت فيه قصص أفلامٍ كـ"الكهف" (2019) لفراس فياض و"إلى سما" (2019) لوعد الخطيب، وغيرهما من أفلامٍ سورية تعالج الثيمات نفسها، كي لا يُصبح المضمون ـ غير الممسوك، أو المُرسل على عواهنه ـ مُضاداً للثورات نفسها. فاللهاث وراء تقديم الواقع، الذي يتعرّض لقسوة الحرب، يعني فيما يعنيه ألاّ يمسك صنّاع الأفلام بريشة تجميل كلّ تفاصيله، بحجّة ضرورات الثورة. وفي الوقت نفسه، ينبغي ألاّ يستغرق بعض هؤلاء في لوم الذات، والصراخ: "هذه ليست ثورتي"، كما حدث في غير فيلمٍ عُرض على بعض الشاشات، أو إلقاء تبعات الأزمات المجتمعية على كاهل الثورات، كما في فيلم "في سبع سنين" (2019، إعداد وتقديم محمد ماهر عقل، إخراج محمد رشيدي).

 

 

ربما يُصبح ضرورياً أيضاً مراجعة الشكل الفني، وآلية إنتاج الأفلام. فهذه عناصر كاشفة، لا يمكن تجاهل طريقة بنائها، للوصول إلى اليقين بأنّ إنتاج الوثائقيات لم يكن مجرّد فورة ترافق الحدث، بل نزوع دائم إلى إطلاق مارد الطاقات من قمقمه.

 

كاظم مرشد السلوم:

الفعل السينمائي غير موازٍ للحراك

رافقت السينما ثورات الربيع العربي منذ البداية، فأُنتِجت أفلام سينمائية بالتزامن، تقريباً، مع أحداثها، كـ"بعد الموقعة" (2012) للمصري يسري نصرالله، و"18 يوم" (2011). السينما المصرية كانت الأغزر إنتاجاً ومتابعة. لكنْ، مع مرور الوقت، تراجع الإنتاج. فإذا افترضنا أنّ الأفلام الأولى متأثّرة، بشكلٍ أو بأخر، بقوّة الحراك، يُفترض بالإنتاج اللاحق أنْ يكون أفضل بكثير، باعتبار أنّ الحراك خفّ كثيراً، وبعضه حقّق أهدافه، وبعضه الآخر لم يحقّق المطلوب. كما أنّ أسباب ومسببات ونتائج الحراك باتت معروفة، وأصبحت الرؤية أوضح.

السينما التونسية مثلاً فعلت ذلك، في فيلمين مهمين: "ولدي" (2018) لمحمد بن عطية و"فتوى" (2018) لمحمود بن محمود.

أعتقد أنْ الفعل السينمائي لم يكن موازياً لفعل الحراك، فنتائج كثيرة تمخّضت عنه يُمكن أنْ تكون مادة درامية مهمّة للأفلام السينمائية.

تقييم الفعل السينمائي اليوم، ومدى مرافقته للثورات العربية، يكشف أنّه قليلٌ جداً بالنسبة إلى حدثٍ كبير كهذا. أنظمة سياسية لم يكن ممكناً أنْ تتغيّر لولا الثورات، ويبدو أنْ سينمائيين كُثرا لم يبحثوا في ولم يشتغلوا على الأسباب الدافعة إليها، وعمّا إذا قُدّمت تضحيات توازي ما تحقّق أو ما لحق بشعوب البلدان التي شهدتها. الهدوء الذي أعقب الحراك، والاستقرار الذي شهدته بعض بلدانه، لا يعني أنْ تتوقّف السينما عن متابعة هذا الفعل المهم.

بالنسبة إلى مستوى الأفلام السينمائية التي تناولت الحراك، فنياً وجمالياً ودرامياً وتوثيقياً وبصرياً، هناك تفاوت عائد الى اختلاف قدرات المخرجين، ومستوى الإنتاج. لكنْ، هناك أفلام ذات جودة في نواحٍ مختلفة: "ما نموتش" (2012) للتونسي نوري بوزيد، و"الشتا اللي فات" (2012) للمصري إبراهيم البطوط، و"على حلة عيني" (2015) للتونسية ليلى بوزيد. توثيقياً، كلّ الأفلام التي تناولت الحراك ساهمت، بمستويات مختلفة، في توثيق الحدث. درامياً، معظم الأفلام الأولى أقرب الى التوثيق منها إلى الفعل الدرامي الروائي، خصوصاً تلك المنتجة على عجل. الأفلام اللاحقة مختلفة، فهناك من أشار إلى الحراك من خلال حكاية جانبية، كالمصري محمود كامل في "خارج الخدمة" (2015)، رغم أنّ البعض لا يعتبره من أفلام الحراك، لكنّ تناول حياة الناس ـ الذين لا يعنيهم الحراك وينتظرون النتائج فقط ـ مهمّ أيضاً إلى حدّ تناوله سينمائياً.

أما بخصوص سؤال الصدق أخلاقياً وسينمائياً في أفلام الثورات، وعمّا إذا كانت هناك أفلام ضد الثورات، فهذا مهمّ جداً. صنّاع السينما ليسوا بعيدين عن المواقف السياسية، المناصرة لهذه الجهة أو لتلك، أو إنْ كان المخرج مع الحراك أو ضده. لذلك، لاحظنا وجود إسقاطات سياسية وفكرية على بعض الأفلام، والسورية منها خير مثل على ذلك، فما أنتجته "المؤسسة العامّة للسينما" في سورية اعتبره البعض مناصراً للنظام وضد الحراك، كـ"مسافرو الحرب" (2018) لجود سعيد، بينما اعتبر كثيرون أنّ "عن الآباء والأبناء" (2017) لطلال ديركي داعمٌ للإرهاب.

وبخصوص موضوع الصدق في تناول حدثٍ ما، حراكاً أو غيره، في الأفلام بشكل عام، فالسينما لا تخضع لهذه الأخلاقيات، بل لإرادة الجهة المنتجة.

المساهمون