استمع إلى الملخص
- بعد انهياره النفسي إثر تغطيته للإبادة الجماعية في رواندا، عاد إلى البرازيل وأطلق مع زوجته مشروع إعادة تشجير المزرعة العائلية، مما أدى إلى تأسيس "معهد تيرا" وزراعة ملايين الأشجار.
- ركز في سنواته الأخيرة على توثيق الطبيعة في مشاريع مثل "جينيسيس" و"أمازونيا"، وحصل على جوائز دولية عديدة، تاركاً إرثاً فوتوغرافياً يبرز هشاشتنا وعظمة كوكبنا.
في اليوم الذي غابت فيه عدسة سيباستياو سالغادو، فقدت الإنسانية شاهداً نادراً على وجعها وجمالها، وصوتاً ملهماً عبّر بالصورة عن مآسي البشر وجلال الطبيعة، وأيقونة تركت وراءها تراثاً فوتوغرافياً غزيراً ومتنوعاً. توفي المصور البرازيلي الفرنسي (يوم الجمعة الماضي) عن عمر ناهز 81 عاماً، تاركاً خلفه مسيرة تمتد لنصف قرن، حافلة بلحظات جمعت بين الألم والدهشة.
ولد سالغادو عام 1944 في ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل، ودرس الاقتصاد في ساو باولو قبل أن يضطر إلى مغادرة بلاده مع زوجته ليليا وانِك بسبب الاضطهاد السياسي خلال الديكتاتورية العسكرية (1964 - 1985). لم يكن التصوير الفوتوغرافي في مخططاته الأولى، حتى التقط كاميرا زوجته في أواخر العشرينيات من عمره، ليبدأ رحلة غير متوقعة قادته إلى مصاف كبار المصورين العالميين.
منذ بداياته، لم يتعامل سالغادو مع التصوير فناً بصرياً فحسب، بل أداة توثيق وتحقيق إنساني. جاب أكثر من 130 بلداً، ووثّق بكاميرته مجاعات أفريقيا، ومذابح رواندا، وهجرة اللاجئين، وعمال المناجم في أماكن مثل سيرّا بيلادا، وهو منجم يقع في شمال البرازيل، حيث التقط مجموعة من أشهر صوره لرجال مغطّين بالطين يتسلقون حفراً شبيهة بأعشاش النمل. كانت صوره بالأبيض والأسود، ذات الإضاءة الدرامية والتكوين الحاد، تنقل الألم بجمال لافت. غير أن هذا الأسلوب أثار الجدل حول أعماله، فاتهمه البعض بتجميل البؤس.
لم يكن سالغادو يوماً مجرد مراقب خارجي للحروب والكوارث، بل كان يغوص بكامل روحه وعدسته في تفاصيلها، وهو ما جعله ينهار إنسانياً بعد تغطيته لأحداث الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. هناك، وسط المقابر الجماعية والمعسكرات المزدحمة بالناجين، وبين وجوه الأطفال والجثث المتناثرة، أدرك سالغادو حدود طاقته النفسية. لم يعد يحتمل المشهد، ولا الصورة. أصيب باكتئاب عميق، وانهارت صحته تدريجياً وتوقف عن ممارسة التصوير.
في أثناء هذه المحنة، قرر سالغادو العودة مع زوجته ليليا إلى مسقط رأسه في البرازيل، حيث كانا يبحثان عن الشفاء وعن هدوء يعيد لهما التوازن، لكنهما فوجئا بأن المزرعة العائلية، التي كانت ذات يوم غابة غنية بالحياة، قد تحوّلت إلى أرض قاحلة بسبب التصحّر وسوء الاستخدام. وبدلًا من الهروب من الألم، قرّرا مواجهة الخراب، وشرعا معاً في مشروع إعادة تشجير المزرعة، ثم تحوّل المشروع إلى "معهد تيرا"، وهي مبادرة بيئية أسهمت في زراعة ملايين الأشجار، وإعادة الحياة إلى تربة أنهكها الجفاف في مناطق عدة في البرازيل. كانت تلك الأزمة لحظة انبعاث جديدة، فمن قلب هذه الأزمة، ولد مشروع يحيي الأرض ويعيد للمصور علاقته بالعالم.
في السنوات الأخيرة من حياته، كرّس سالغادو عدسته للطبيعة، إذ وثق في مشروعه الفوتوغرافي "جينيسيس" (2013) مناطق بكر على سطح الكوكب، مصوراً جبال آلاسكا، وقمم الجليد في القطب الجنوبي، وتجمعات الكائنات البرية المهددة بالانقراض، مثل طيور البطريق والنمور النادرة. أما مشروعه الآخر "أمازونيا" (2021 )، فكان رسالة حب وتحذير في آنٍ واحد. لإنجاز مشروعه الأخير أمضى سالغادو ست سنوات وسط قبائل الأمازون، متعلماً لغاتهم وعاداتهم، ووثّق تفاصيل حياتهم بدقة واحترام.
لم يكن سالغادو مجرد مصور يُلاحق اللقطة المثالية، بل كان صاحب رؤية أخلاقية تجاه مهنته. في زمن طغت فيه الصور الاستهلاكية على جوهر الصورة الإنسانية، أصرّ على أن تكون عدسته منبراً لمن لا صوت لهم. هو لم يوثق فقط، بل حاور العدسة والموضوع والمشاهد معاً، ليطرح أسئلة عميقة عن العدل، والانتماء، والتفاوت الطبقي، والهجرة، والهوية.
مع انتقاله لتوثيق الطبيعة، لم يتخلَّ سالغادو عن رسالته، بل وسّعها نحو بُعد كوني. في أعماله المتأخرة، مثل "جينيسيس" و"أمازونيا"، يبدو وكأنه يبحث عن الجمال البدائي، ذلك الذي لم تبلغه يد الإنسان بعد. لكنه لم يفعل ذلك بدافع الهروب، بل للتأكيد أن هذا الكوكب، رغم كل الخراب، لا يزال يملك من الجمال ما يستحق أن نكافح من أجله. كانت عدسته تمشي بخطى شاعرٍ أكثر منها خطوات مصور، تعكس دهشة طفل يكتشف للمرة الأولى هشاشة الحياة وعظمة الطبيعة. خلف كل هذه الإنجازات، كانت ليليا، شريكته في الحياة والمهنة، هي القوة التنظيمية والإبداعية الخفية. كانت منتجة ومعمارية ومصممة معارض ومحرّرة لكل كتبه.
حصل سالغادو على عشرات الجوائز الدولية، وانضم إلى أكاديمية الفنون الجميلة في فرنسا، واحتفى به رؤساء دول ومتاحف عالمية. لكن رغم كل هذا، ظل مثيراً للجدل في بعض الأوساط الغربية، التي رأت في مشروعه "Exodus" خطاباً سياسياً أكثر من كونه فنياً. إلا أن الزمن أنصفه، واعتبرته شريحة واسعة من النقاد والمثقفين واحداً من أهم من استخدم الصورة لرواية قصة الحياة على هذا الكوكب.
Exodus هو مشروع فوتوغرافي ضخم أنجزه سالغادو بين عامي 1994 و2000، يوثّق الهجرة الجماعية والنزوح البشري حول العالم. تنقل خلاله بين عشرات الدول، والتقط صوراً لأشخاص أجبرتهم الحروب، والفقر، والاضطهاد السياسي أو التغيرات البيئية على مغادرة أوطانهم. تضمن هذا المشروع صوراً لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية ولبنان والأردن.
حتى آخر أيامه، ظل سالغادو يعمل على أرشفة نصف مليون صورة، ويستعد لمعارض جديدة، منها معرض ضخم كان من المقرر إقامته في مؤتمر المناخ المقبل (COP30/ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025) في مدينة بيليم البرازيلية، يضم أكثر من 250 صورة من مشروع "أمازونيا".
توفّي سالغادو بعد معاناة مع اللوكيميا، وهي إحدى مضاعفات الملاريا التي أُصيب بها في أثناء عمله في إندونيسيا، تاركاً لنا إرثاً فوتوغرافياً يذكّرنا بمدى هشاشتنا وعظمة كوكبنا في آنٍ واحد. وبرحيل سيباستياو سالغادو، نخسر عيناً إنسانية نادرة استطاعت أن ترى العالم كما لم نره نحن؛ إذ كانت صوره فعلَ تأمل، وصرخة، وأحياناً صلاة.