سورية تطلق مدونة سلوك إعلامية... تساؤلات حول استقلالية المهنة
- تم إعداد المدونة من قبل لجنة مستقلة وتهدف إلى فتح نقاش حول المعايير المهنية، مع التركيز على مخاطر خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، وتشمل وسائل التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى.
- أثار إعلان المدونة جدلاً حول استقلالية المهنة، حيث اعتبرت رابطة الصحافيين السوريين أن صدورها عن الوزارة يتعارض مع استقلالية المهنة، ولم تُحدَّد آلية واضحة لتطبيقها حتى الآن.
في محاولة لإعادة ضبط المشهد الإعلامي وسط تحديات النزاهة والاستقلالية، أعلنت وزارة الإعلام في سورية، اليوم الأحد، إطلاق مدونة سلوك جديدة تهدف إلى وضع إطار مهني وأخلاقي موحّد للعمل الصحافي، مع التركيز على الشفافية والمصداقية وحماية حقوق الجمهور.
وقال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، خلال حفل الإطلاق، إن إعداد المدونة شارك فيه نحو ألف صحافي، معتبراً أنها تمثل "نقطة بداية" قابلة للتطوير، وأنها موجّهة إلى جميع الصحافيين السوريين، مع التوجّه لعقد مؤتمر سنوي لمراجعتها وتحديثها. ورأى المصطفى أن وجود صحافة "مسؤولة وبنّاءة" خلال المرحلة الانتقالية يشكّل ضمانة لنجاح العمل الإعلامي، محذّراً من أن غياب المعايير المهنية قد يقود إلى الفوضى. وأشار إلى أن توقيع مديري المؤسسات الإعلامية على المدونة يمثّل تعهداً مهنياً بمضامينها، مع تأكيد أنها لا تحمل صفة الإلزام القانوني بصيغتها الحالية. وأضاف أن سورية شهدت خلال العام الماضي تزايد حضور المؤسسات الصحافية الأجنبية، مع خطط لافتتاح مكاتب جديدة، ورأى ذلك مؤشراً على اتساع هامش حرية التعبير.
وحضر الحفل وزير العدل مظهر الويس الذي أكد أن المدونة وثيقة استرشادية لا تشكّل بديلاً عن القانون.
من جهته، أكد رئيس لجنة الإشراف على صياغة المدونة، علي عيد، أنّ الوزارة لم تتدخل في صياغة أي كلمة منها، مشيراً إلى أن لجنة مستقلة من الصحافيين تولّت إعدادها، فيما اقتصر دور الوزارة على تسهيل اللقاءات وتوفير القاعات والمواصلات واللوجستيات. وأوضح عيد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن لجنة الإشراف لم تتولَّ الصياغة، بل اضطلعت بدور إشرافي مهني، مؤكداً أن معظم أعضائها من الصحافيين المستقلين، وأن مئات الصحافيين من القطاعَين العام والخاص ومن مختلف المحافظات شاركوا في إعداد المدونة خلال عملية استمرت ستة أشهر ووثِّقت بمحاضر رسمية. كما أشار عيد إلى أنّ أهمية المدونة تكمن في فتح نقاش عام حول المعايير المهنية والأخلاقية، وتسليط الضوء على مخاطر خطاب الكراهية والمعلومات المضلّلة، وإتاحة المجال للصحافيين لوضع معايير إنتاج الأخبار والتقارير والتحقيقات، إضافة إلى أسس التعامل مع الضيوف على الشاشة.
تولي المدونة اهتماماً بالفئات الحساسة، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة والنساء والأطفال، مع مراعاة الخصوصية وحفظ كرامة الضحايا والشهود. وقال عيد إنّ الصحافيين السوريين "وضعوا المدونة بأنفسهم ووقّعوا عليها لتكون أداة التزام ذاتي، على أن تتطور تدريجياً لتصبح أساساً يُبنى عليه لاحقاً عند صياغة البيئة التشريعية للعمل الصحافي".
ولفت عيد إلى الصعوبات اللوجستية التي واجهت جمع الصحافيين، خصوصاً في شمال شرق سورية، إذ اقتصرت المشاركة على الحسكة، وكذلك في السويداء، مؤكداً أن اللجنة تعاملت مع هذه التحديات من منظور الوصول الجغرافي لا الطائفي، مع ضمان مشاركة المؤسّسات الإعلامية الرسمية والخاصة والصحافيين المستقلين.
تشمل المدونة وسائل التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى والمؤثرين، بهدف دمج جميع الأطراف الفاعلة في إنتاج المحتوى الإعلامي، سواء في الإعلام التقليدي أو الرقمي، بوصفها خطوة أولى نحو إعلام مسؤول يحافظ على الحريات ويعزز الالتزام المهني.
وتشكّلت لجنة صياغة المدونة في الخامس من أغسطس/آب الماضي، وأُطلقت أولى الورشات في دمشق في 14 سبتمبر/أيلول، قبل أن تمتد إلى محافظات عدة لجمع آراء الصحافيين وتطوير المدونة بما يتناسب مع الواقع الإعلامي المحلي. تتألف المدونة من نحو 100 صفحة تتضمن تفصيلاً للمعايير الأخلاقية والمهنية وميثاق شرف وملحقاً خاصاً بصنّاع المحتوى، وقد تسلّمتها الوزارة من دون أي تعديل وتبنّتها كما خرجت بها اللجنة الوطنية.
وكان وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، قد أكد أن النقاشات حول تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية لمواجهة المحتوى التحريضي أظهرت الحاجة إلى حلول أكثر توازناً بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية. وأوضح، في مقال نشرته صحيفة الثورة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أنّ قانون 2022 يواجه عوائق أخلاقية وإجرائية تحدّ من تطبيقه بعدل، ما دفع الوزارة إلى البحث عن بدائل عملية. أضاف أن إعداد المدونة اعتمد مقاربة "من الأسفل إلى الأعلى" عبر إشراك الصحافيين والنقابات والمؤسسات الإعلامية، مع تشكيل لجنة من عشرة خبراء أغلبيتهم من المستقلين إلى جانب ممثلين عن الوزارة واتحاد الصحافيين، وأشار إلى أن المدونة تستند إلى تجارب إسكندنافية وبريطانية وأوروبية لتحقيق التوازن بين حرية التعبير والمصلحة العامة. ولفت إلى أن المصادقة عليها ستكون شرطاً للحصول على الترخيص والبطاقة الصحافية، مع تطبيق تدريجي يقوم على مبدأ التصحيح والتقويم قبل العقاب، وأكد أنها ليست بديلاً عن القانون، بل هي إطار مهني لحل الخلافات داخل الوسط الإعلامي قبل الوصول إلى القضاء، متوقعاً أن تتحول إلى "دستور مهني" يمهّد لمؤتمر عام لمراجعتها دورياً.
في المقابل، أثار إعلان المدونة سجالاً داخل الوسط الصحافي، إذ أعلنت رابطة الصحافيين السوريين رفضها إطلاق مدونة سلوك "صادرة عن وزارة الإعلام"، معتبرة ذلك تدخلاً تنفيذياً يقوّض مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة. قالت رئيسة الرابطة، مزن مرشد، لـ"العربي الجديد" إنّ الاعتراض لا يطاول فكرة الأخلاقيات المهنية بحدّ ذاتها، بل الجهة التي أطلقت المدونة والإطار الذي صدرت عنه، معتبرة أن صدورها عن جهة حكومية يتعارض مع استقلالية المهنة ويفتح الباب لتحويل الأخلاقيات إلى أداة رقابية بدلاً من التزام طوعي، وأضافت أن هذا المسار يخالف الإعلان الدستوري والالتزامات الدولية لسورية ويعيد إنتاج منطق الوصاية على الإعلام.
وأوضحت أن جوهر الإشكال يرتبط بمرجعية القرار، إذ عيّنت الوزارة لجنة الإشراف ودعت المشاركين ووجّهت الدعوات باسمها، ما يجعل المرجعية النهائية تنفيذية لا مهنية مستقلة، وأكدت أن المدونة كانت ستلقى ترحيباً لو جاءت بمبادرة من المؤسسات الإعلامية المستقلة وبإشراف اتحاد الصحافيين، مشدّدة على أن الرابطة لا تعارض الوزارة بل تطالب باحترام حدود دورها والعمل نحو إعلام حر ومسؤول.
وقال الصحافي السوري ثابت سالم إن إصدار مدونة السلوك عن وزارة الإعلام يطرح إشكالية مبدئية، باعتبار أن الإعلام "سلطة رابعة لا ينبغي أن يخضع للسلطة التنفيذية". وأضاف سالم، لـ"العربي الجديد": أن المدونة يفترض أن تُبنى على قانون إعلام يصدر أولاً عن السلطة التشريعية وبمشاركة الصحافيين، لا العكس. وأشار إلى أن قانون الإعلام الصادر عام 2011، والذي شارك في صياغته، كان متقدماً في مضمونه قبل أن تُضاف إليه بنود جعلت التراخيص بيد مجلس الوزراء ووسّعت مفهوم "المساس بالأمن القومي" بصيغة فضفاضة تسمح بملاحقة الصحافيين.
من جهته، قال الصحافي فؤاد عبد العزيز إن محاولات مشابهة جرت عام 2018 في تركيا في ظل غياب دولة قادرة على سنّ قانون إعلام، "أما اليوم فلا مبرر لغياب قانون ينظّم العمل الإعلامي"، متسائلاً عن مدى صحة مشاركة ألف صحافي في إعداد المدونة، مؤكداً أن كثيرين لم يُستشاروا فيها.
بدوره تساءل الصحافي حسن عبدالله الخلف عن سبب عدم صدور المدونة عن اتحاد الصحافيين بدلاً من وزارة الإعلام، لافتاً إلى غياب رئيس الاتحاد عن حفل الإطلاق.
ويأتي هذا السجال في ظل فراغ تشريعي منذ توقف العمل بقانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، من دون إلغائه رسمياً أو إصدار بديل عنه.
ولم تُحدَّد آلية واضحة لتطبيق المدونة حتى الآن، لكن مصدراً في وزارة الإعلام أشار إلى أن الحصول على البطاقة الصحافية سيُشترط بالخضوع لدورات تدريبية في أخلاقيات المهنة والتوقيع على المدونة، مع طرح أفكار لتشكيل لجنة شكاوى مستقلة أو لجنة لرصد الانتهاكات، على أن تتبلور هذه الآليات لاحقاً.
بدوره، قال الصحافي يعرب العيسى، لـ"العربي الجديد"، إنه شارك في اجتماعات إعداد المدونة، واعترض على أي دور يتجاوز دعم الوزارة وتسهيلها، معتبراً أن المدونة شأن نقابي توافقي يفقد معناه إذا تدخلت فيه جهة تنفيذية، لأنّ من لا يوقّع عليها لن يكون ملزماً بها، فيما تملك الوزارة أصلاً صلاحية إصدار القوانين والقرارات الناظمة للعمل الإعلامي.