سعد عبد الوهاب... ليست ريشةً في الهواء

23 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:03 (توقيت القدس)
رحل في 23 نوفمبر من عام 2004 (صفحة الفنان على فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التحديات والنجاحات الفنية: واجه سعد عبد الوهاب تحديات بسبب المقارنة مع عمه محمد عبد الوهاب، لكنه أثبت استقلاليته بتقديم أعمال غنائية مميزة وتعاون مع كبار الملحنين، مما جعله رائداً في الأغنية الخفيفة المرحة.

- المسيرة السينمائية والإذاعية: قدم سبعة أفلام ناجحة وعمل مذيعاً في الإذاعة المصرية، وقرر لاحقاً الابتعاد عن الأضواء ليعمل كمستشار للأغنية الوطنية، حيث لحن السلام الوطني لدولة الإمارات.

- الإرث الفني والتأثير: ترك إرثاً فنياً غنياً بأغانيه المبهجة، وتميزت ألحانه بالتجديد واستخدام الآلات الغربية، ورحل في 2004 تاركاً بصمات مميزة في الذاكرة الفنية.

بالرغم من امتلاك المطرب والملحن سعد عبد الوهاب (1929 - 2004) موهبةً، إلا أن بزوغ نجمه على الساحة الفنية المصرية لم يكن سهلاً، لأن مجهر المقارنة بعمه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب كان قاسياً، ولم يكن هناك سبيل للفرار منه، ولا سيما أن صوت سعد كان بالفعل يشبه صوت العم.

أصر الرجل على حمل لقب الأسرة، ولم يلجأ إلى اسم فني يستتر خلفه من شمس عبد الوهاب التي تسطع وتتوهج فلا تُبقي في سماء الفن نجماً ولا كوكباً. كان التحدي الأكبر أمام سعد يتمثل في إثبات أن اسمه وفنه يصدران عن أصالة واستقلال، وقد استطاع أن يقدم البرهان تلو البرهان لتأكيد تلك الحقيقة، وتمكن من انتزاع اعتراف الوسط الفني غنائياً وتلحيناً.

قدم له كبار الملحنين أعمالهم، بمن فيهم العم محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي. وانتزع الاعتراف التلحيني عبر أعماله التي تغنى بها نجوم الطرب في عصره: صباح وشادية وفايزة أحمد ونجاة وفايدة كامل ومحمد قنديل. لعل أبرز براهين هذا الاعتراف كان تلحين محمد عبد الوهاب نفسه لبعض من أنجح أغانيه، مثل العمل الشهير "الدنيا ريشة في هوا" وأغنية "فين جنة أحلامي".

في هذا التعاون، وضع موسيقار الأجيال ثقله الفني في خدمة صوت ابن أخيه الشاب، لتأكيد دعمه له، لكن اللحن حمل رسالة ضمنية مفادها: لا تنافس في الأغنية الدرامية الكبرى أو الأغنية الأوبرالية، بل أبدع في هذا اللون الخفيف السريع المرح الذي تحتاج إليه الساحة الآن.

وفعلاً، كان هذا هو الخط العام الذي سار فيه سعد عبد الوهاب غناء وتلحيناً، وكانت الاستثناءات قليلة أو نادرة. توازياً، جاءت تجربته السينمائية عبر سبعة أفلام ناحجة.

يكشف مسرد أعمال سعد عبد الوهاب عما يقرب من 100 أغنية، أكثرها من ألحانه، أما ألحانه لغيره من المطربين والمطربات فيصعب حصرها. يكشف الإنصات لتلك الأغاني عن أن الرجل اختار بكامل إرادته أن يقف في منطقة الأغنية الخفيفة المرحة، وألا يدخل في أي شكل من أشكال المنافسة مع كبار الملحنين، من أصحاب النفس الطويل، والأعمال الثقيلة. اتسمت ألحان الرجل بجرأة إيقاعية، وحرص على الابتعاد عن الرتابة والتقليد.

ومع الإيقاعات النشطة، وخفة الأغنية، انحاز سعد عبد الوهاب إلى النصوص المرحة، وغلبت البهجة على معظم النصوص التي تصدى لغنائها أو تلحينها. هذا التوجه وضعه في موقع ريادي لما يعرف بأغنية الـJovial Mood، أو المزاج المرح. ابتعد الرجل عن كلمات الأسى والبكاء والهجران والحزن والفراق، مع استثناءات تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

في السينما، لم تكن رحلة سعد عبد الوهاب طويلة، ظهر فيلمه الأول "العيش والملح" عام 1949، وكان فيلمه الأخير "علموني الحب" عام 1957، لكن هذه الأفلام اتسمت بثراء غنائي، وجاءت انعكاساً لشخصيته الحقيقية المتسمة بالرقي والهدوء.

في مرحلة زمنية كانت السينما المصرية تعتمد خلالها على "المطرب البطل" ليكون قاعدة تسويقية، قدم سعد عبد الوهاب نفسه في صورة "الفتى اللطيف" الذي تتسم شخصيته بالخفة والرومانسية المعتدلة، مبتعداً عن أدوار الشجن المبالغ فيه.

لم يكن يمتلك الكاريزما الجسدية الطاغية التي امتلكها بعض معاصريه، لكنه حاز جاذبية الأداء الصادق والمهذب الذي جعل الجمهور يتقبله باعتباره ممثلاً ومطرباً يرسخ صورة البطل الذي يغني بصدق وهدوء.

لذا، لم يحاول يوماً أن يقدم دور "الفتى الشقي" أو "الرجل القوي"، بل ركز على أدوار الشاب المثقف والمغني الرقيق، ما خلق تناغماً بين الأغاني التي يلحنها والأداء الذي يقدمه.

تخرج عبد الوهاب في كلية الزراعة بجامعة القاهرة عام 1949، واجتاز اختبارات العمل في الإذاعة المصرية؛ فالتحق بها مذيعاً لنحو ست سنوات، كان صوته متحدثاً في الراديو لا يقل جمالاً وعذوبة عن صوته مغنياً، وقد أعانته ثقافته الواسعة، وتأسيسه المتين في اللغة العربية على مزاملة الرواد الإذاعيين الأوائل.

لكن رغم انشغاله بالعمل الإذاعي، لم يتوقف عن هوايته الأولى، وهي التلحين والغناء، ثم السينما. وعلى الرغم من النجاحات التي حققها في فترة وجيزة نسبياً في الخمسينيات، في أفلام مثل "علموني الحب" و"أماني العمر"، قرّر سعد عبد الوهاب الابتعاد عن الأضواء والوسط الفني في مصر، وهي خطوة مفاجئة جاءت في أوج نجوميته.

كان هذا الابتعاد بمثابة تتويج لرحلة قصيرة ومكثفة، اختار بعدها أن يتجه إلى العمل الإذاعي مستشاراً للأغنية الوطنية. لقد استغل موهبته التلحينية والتنظيمية في مسيرته الجديدة، إذ عمل مستشاراً للأغنية الوطنية في بلدان عدة عربية مثل المملكة العربية السعودية ثم الإمارات العربية المتحدة، والكويت. ولعلّ أهم بصماته في هذه المرحلة هي تلحينه للسلام الوطني لدولة الإمارات.

يمكن النظر إلى ابتعاده على أنه "اعتزال واع"؛ فقد ترك إرثه الفني باقياً في الذاكرة، ولم يستمر في محاولات قد تضعف من قيمة إنجازاته المبكرة، مفضلاً أن يتحول من فنان تحت الأضواء إلى صانع محتوى ومدير إعلامي في كواليس الإذاعة. ولعل هذا الانسحاب المفاجئ هو ما منح مسيرته السينمائية القصيرة والأغنيات القليلة التي قدمها قيمة خاصة، إذ جعل كل عمل منها بمثابة قطعة نادرة لا يمكن استبدالها.

يكشف الأكاديمي الموسيقي المصري سعيد عبد الفضيل محمود، في بحث محكم، عن أن تجربة سعد عبد الوهاب اكتسبت معالم تطويرية متعدة، من أبرزها: استخدام الآلات الغربية في العزف المنفرد، وتوظيف الأسلوب الأوركسترالي في حوار بين الوتريات وآلات النفخ، واستخدام الضروب الغربية فارغة بلا موسيقى، وكثرة القفزات اللحنية و"الأربيجات" في اللوازم الموسيقية الصغيرة وأيضاً في الغناء، والإكثار من التتابعات اللحنية والنغمات السلمية في الفواصل بين الجمل الغنائية، وأيضاً استخدام النبر على الوتريات، وإعادة اللوازم بطبقات مختلفة، واستخدام التحويل المباشر بين المقامات والأجناس، وكثرة إقفال العمل على جواب المقام، وليس على قراره كما هو معتاد.

أثبت سعد عبد الوهاب أن الهروب من مظلة عمه الضخمة لا يكون بالصراع المباشر، بل بخلق مساحة جديدة تماماً. ففي زمن كان فيه الطرب مرادفاً للشجن والدراما، قدّم هو أغنية التفاؤل والبهجة الراقية، ليصبح رائداً لمدرسة "الأغنية الفيلمية المبهجة" التي تزرع الإيجابية في النفس.

إذا كان الغناء قد وضعه في منطقة المقارنة الصعبة، فإن التلحين كان ميدان استقلاله الفني المطلق وإثبات هويته المتفردة. هنا، فرض سعد عبد الوهاب أسلوبه المتميز الذي يميل إلى السرعة الإيقاعية والتجديد، وهو ما كان سبباً في نجاح أعماله التي اتسمت بالخروج عن القوالب التقليدية. كان سعد ملحناً "يسبق عصره"، كما وصفه كثير من النقاد، فكانت ألحانه خياراً مفضلاً لأصوات تبحث عن النقلة النوعية، والأداء السهل.

تحتفظ الذاكرة الإذاعية والسينمائية بأهم أعمال سعد: "الدنيا ريشة في هوا"، و"فين جنة أحلامي"، و"أحبكم يا بنات اليوم"، و"الدنيا ترقص وتغني"، و"شبابك أنت وعيونك"، و"صلّى النبي على سابع جار"، و"يا ساعدة البيه يا جنيه"، و"هل هلالك"، و"الشباب والروح".

وبالرغم من غلبة الطابع المرح على هذه الأغاني، كان صاحبها على قدر من التدين، ولم يدخل في ميدان الغناء والسينما إلا بعد أن اتصل بشيخ الأزهر محمود شلتوت ليستفتيه في حكم الغناء والتمثيل والعمل في السينما. في مثل هذا اليوم عام 2004، رحل سعد عبد الوهاب.

المساهمون