سعد الله آغا القلعة... عدسة واحدة بعدة محارق

04 مايو 2025   |  آخر تحديث: 04:27 (توقيت القدس)
رحل في نهاية الشهر الماضي (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- سعد الله آغا القلعة كان شخصية متعددة المواهب، حيث جمع بين التدريس الجامعي في الهندسة والبحث في برمجة الكمبيوتر والإحصاء السكاني، بالإضافة إلى تخصصه في الموسيقى العربية، وعزفه على آلة القانون، وتوثيقه للتاريخ الموسيقي. كما شغل منصب وزير السياحة في سوريا لمدة عشر سنوات.

- قدم برنامج "العرب والموسيقى" في الثمانينيات، مستضيفاً شخصيات بارزة مثل فاتح المدرس، وناقش العلاقة بين الموسيقى وميادين إنسانية أخرى، مما أضفى بعداً جديداً على فهم التفاعل بين الفنون.

- تميز البرنامج بتجارب فريدة مثل الحوار الفني بين القلعة والمدرس، مما أظهر تفاعلاً بين الموسيقى والفن التشكيلي، وعكس رؤية تنويرية للفنون في المجتمع السوري.

لا يمكن ذكر الباحث الموسيقي سعد الله آغا القلعة الذي رحل نهاية إبريل/نيسان الماضي، إلا بكونه شخصية استثنائية؛ إذ إن تعدد المجالات التي اشتغل فيها والمنصّات التي أطل من خلالها على الفضاء العام خلال العقود الأربعة الأخيرة قد تدعو إلى الاعتقاد بوجود أكثر من شخصية عامة تحمل الاسم نفسه؛ فهو الأستاذ الجامعي في كلية الهندسة في دمشق. أنتج كمّاً كبيراً من الكتب والدراسات في اختصاصات علمية منفصلة ومتصلة، من برمجة كمبيوتر ومسح جغرافي وإحصاء سكاني، علاوة على تولّيه عدداً من المهام الرسمية ذات الصلة.

توازياً، هو مختص بالموسيقى وباحث فيها، تعلم العزف على آلة القانون في معهد الموسيقى في مدينته حلب، وكان والده من بادر بالأصل إلى تأسيسه، ثم انشغل في التوثيق والتأريخ، وله في تاريخ الطرب والسماع عند العرب في الزمنين، القديم والحديث، العديد من المنشورات. وهو الإعلامي أيضاً، إذ عرفه أكثر السوريين، ومعهم عموم الناطقين بالعربية، مُعدّاً ومقدّماً برامجَ تثقيفية وندوات حوارية حول الموسيقى العربية، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وكما لو أن كل ما سبق لم يكن كافياً، شغل سعد الله آغا القلعة أيضاً منصب وزير السياحة في سورية، استمر فيه قرابة عشرة أعوام.  

لعل من أعمق إطلالاته التلفزيونية أثراً من بين المنشغلين بالتعبير الفني وأكثرها إيقاظاً للحنين، استضافته الفنانَ التشكيلي السوري فاتح المدرس (1922 - 1999) وذلك في معرض واحدة من حلقات برنامج "العرب والموسيقى" سنة 1987، الذي كان يُعدّه ويقدّمه، وقد سجّل موسيقى شارته بنفسه على آلة القانون.

جاء اللقاء ضمن سياق ثيمة طرحها البرنامج تباعاً تحت عنوان "الموسيقى وشيء آخر"، بحث فيها من منظورٍ مقارن العلاقة ما بين الموسيقى وميادين إنسانية، لم تقتصر على الفني والأدبي، كالشعر والعمارة، وإنما تناولت أيضاً الفكري والعلمي، كالطب والفلسفة.

من بين العلاقات الثنائية التي تطرّق إليها، كانت تلك التي بين النغم واللون. لأجلها، وضع إطاراً مفاهيميّاً علمياً شائعاً، وهو اقتران الظاهرة الصوتية واللونية من حيث المنشأ الفيزيائي الموجي؛ فكما أن النغمة الموسيقية تتخذ هويّتها الصوتية من عدد الاهتزازات (لكل ثانية) التي تنتجها موجة محددة دون غيرها، كذلك تُميّز العين البشرية لوناً من الألوان بحسب عدد الاهتزازات التي تنتج عنه.

جانبان علميان آخران أضافهما القلعة إلى التمهيد. أولاً، الأنغام السبعة الأساسية التي تؤلّف السلم الموسيقي، تقابلها سبعة ألوان تُشكّل الطيف اللوني. ثانياً، التماثل لجهة الأثر الحسّي، بين ما يُعرف فيزيائياً بالألوان الحارة والباردة والأصوات المنخفضة والمرتفعة، وكيف تتماثل الاستجابات الشعورية التي تتولّد لدى المتلقّي. ثمة أيضاً جانبٌ أنطولوجيٌّ يتعلق بالإنسان بصفته مركز الاستشعار لكل من اللون والصوت، ووجوده شرط لازم للخبرة الحسّية، بصرية كانت أم سمعية.  

لذا، اختار فاتح المدرس ضيفاً عليه. كان الأخير من مدينة حلب أيضاً. إضافةً إلى كونه مدرساً لمادة اللونيات في كليّة الفنون الجميلة في دمشق، هو رسّامٌ ترك بصمة غائرة في تاريخ الفن التشكيلي السوري، ليس فقط لموهبته الفريدة ومقدرته التعبيرية الفذّة، وإنما أيضاً لشخصيّته الدراماتيكية؛ إذ كان مثقفاً كوزموبوليتيّاً كاريزماتيّاً حادّ الطباع، تربطه بالأدب، والموسيقى على وجه الخصوص، أواصر عضوية، نظر إلى وسيطه التعبيري من زاوية كونية واسعة الانفراج، فلم يكن الرسم مجرد إنتاجٍ للوحات، وإنما سبر عاطفي فكري معمّق، يستبطن الذات ويستكشف البيئة المحيطة.

على غير العادة السورية في الحوارات التلفزيونية آنذاك، لم يكن الصديقان على وفاقٍ تام في الرأي، وأغلب الظن أن ذلك يعزى إلى شخصية المدرس، وإنما خاضَا مناظرة مشوّقة حول طبيعة الصلة التي تربط الفن الموسيقي بالتشكيلي. يبقى المقطع الأشدّ أسراً، حين دُعي الضيف إلى حوار من نوع آخر، لن يجري بالمفاهيم والمصطلحات، وإنما بالألوان والنغمات؛ فبينما همّ سعد الله آغا القلعة بأداء ارتجالية على آلة القانون، وإذ بالمدرس يستوحي تشكيلات لونية، خطّها بريشة رشيقة. وعلى الطريقة الشاعرية في مونتاج الفيديو أيام الثمانينيات، امتزجت اللقطتان، فتزامن مشهد كل منهما على الشاشة، ليلتحم العزف على القانون بالرسم على الورق.  

خاضا ثلاث جولات. كان العزف في الأولى شرقياً على مقام النهاوند الشجيّ، فانعكس على البياض ألواناً مائية صوّرت منظراً طبيعياً. لأجل الجولة الثانية، اقترح آغا القلعة أن يؤدي ارتجالاً غرائبياً يخرج به عن طور مقام الحجاز كار، كانت استجابة المدرس أقرب إلى أسلوب الرسم الحركي (Action painting) الذي تبلور منتصف القرن العشرين بوصفه نوعاً من التشكيل الآنيّ المرتجل، فأبدع لوحة تجريدية، استبدل فيها الريشة بالمجحاف. بيد أن مشاعر وطنية عارمة انتابته، فرضت عليه أن يخرج عن طور التجريد، ليخط عبارة: "الوطن ليس كلمة". وفي الجولة الأخيرة، ختما بلوحة تصوّر الباديّة، استدعت من قانون آغا القلعة مقام الراست.

كان ظل الدولة البوليسية الثقيل وقتامة العيش وسط العقوبات الدولية وسياسة التقشّف تخيّم على أجواء الاستوديو. تؤرخ تلك الحلقة من برنامج العرب والموسيقى لمشهد ثقافي سوري منتصف الثمانينيات، تصدّرته شخصيات استثنائية، مثل سعد الله آغا القلعة وفاتح المدرس. ما جمع بين الاثنين، إلى جانب تعدد المواهب وتنوع المشارب، رؤيتهم التنويرية للفنون وإيمانهم بدورها في رقيّ الإنسان والمجتمع، متأثرين بالحداثة الغربية والصعود الوجيز للطبقة الوسطى في عموم المشرق خلال الفترة الواقعة بين ما بعد الاستقلال وسقوط جدار برلين. 

ففي حين مثّل فاتح المُدرّس الفنان البوهيمي ذا الحساسية المفرطة، والأنا الانفجارية والعواطف الجياشة، المقيم دوماً على حافة الدولة والمجتمع، بالمقابل، فإن سعد الله آغا القلعة ظهر هندامه الأنيق وانضباطه التكنوقراطي ولياقته الدبلوماسية، ومركزيّته العروبية التي حكمت ذائقته الموسيقية وحصرت جلّ اهتمامه بحقبة الكلاسيكية المصرية، جعلت له حظوة لدى دوائر السلطة وكوادر الحزب الحاكم، فكان في زمنه أحد وجوه البلد النادرة النيّرة.

المساهمون