ستوديو مصر: سيرة تسعين عاماً تهدّدها النيران

02 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:21 (توقيت القدس)
من فيلم "وداد" أول إنتاجات ستوديو مصر السينمائية في عام 1936 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأسس ستوديو مصر قبل 90 عامًا على يد طلعت حرب، ولعب دورًا محوريًا في تطوير صناعة السينما بمصر، حيث وفر الاستقرار المهني للسينمائيين وساهم في تشغيل أعداد كبيرة من العمالة، وقدم أول إنتاج له من خلال فيلم "وداد" عام 1936.

- لم يقتصر نشاط الاستوديو على الأفلام الروائية، بل شمل الأفلام التسجيلية والمشاركة في مهرجانات دولية، وساهم في بزوغ نجم العديد من الفنانين والمخرجين، وأرسى نظامًا يحاكي شركات هوليوود.

- واجه الاستوديو تحديات مثل التأميم عام 1961 وحريقين كبيرين، لكنه ظل رمزًا تاريخيًا وثقافيًا في صناعة السينما المصرية.

بدأت السلطات المصرية حصر آثار التدمير في موقع ستوديو مصر الذي تعرض لتدمير أجزاء كبيرة من مكوناته، إثر اندلاع النيران به للمرة الثانية خلال عقدين. كلفت النيابة العامة خبراء المعمل الجنائي بإجراء تحليل فني حول أسباب اشتعال النيران، في الاستوديو الشهير، وسط مخاوف من تكرار الكارثة، التي وقعت من قبل في ستوديو الأهرام القريب منه في منطقة أهرامات الجيزة، وأدت إلى تدميره كاملاً ومحو آثار فنية كبيرة.
بنى ستوديو مصر الاقتصادي المصري طلعت حرب قبل 90 عاماً، ليصبح واحداً من أهم صروح السينما في البلاد، ومؤسسة لعبت دوراً محورياً في تطوير الصناعة وتغيير شكلها العشوائي الذي كان يعاني منه السينمائيون قبل ذلك التاريخ. كان طلعت حرب مؤمناً بأهمية السينما ودورها، وأثبت بعقليته أن فرداً واحداً يستطيع التأثير في تاريخ بلد بأكمله، وهو ما تحقق من خلال مشروعه.
تعود إرهاصات فكرة إنشاء ستوديو مصر إلى فترة وجود طلعت حرب في ألمانيا وفرنسا، إذ لفت نظره النظام الذي تعمل به الاستوديوهات هناك، بفضل خبرات العاملين وإدارة العملية الفنية باحترافية. هذا ما دفعه إلى إرسال بعثات من القائمين على الفن في مصر لدراسة الإخراج والتصوير أكاديمياً، وتطبيق تجاربهم لاحقاً داخل البلاد. كانت البداية مع المخرجين أحمد بدرخان وموريس كساب اللذين أرسلهما إلى باريس لدراسة الإخراج احترافياً، بينما أرسل محمد عبد العظيم وحسن مراد إلى ألمانيا لدراسة فنون التصوير. وبعد إتمام دراستهما، تغيّرت رؤيتهما تجاه الفن عموماً والسينما خصوصاً، وهو ما كان يبحث عنه طلعت حرب لإنشاء شركة مصر للتمثيل والسينما، التي عُرفت لاحقاً باسم ستوديو مصر.
ساهم هذا الاستوديو في تغيير أوضاع صناع السينما في مصر، فبعد أن كانوا يعملون عشوائياً من دون عقود رسمية، انتقلوا إلى مرحلة توقيع العقود التي منحتهم الاستقرار المهني. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل عمل العديد منهم داخل الاستوديو نفسه موظفين مشاركين في إنتاج وإخراج ومونتاج الأفلام التي كان ينتجها. كان لهذا التحول أثر عميق عليهم، إذ ضمن لهم العمل بدلاً من الجلوس لسنوات يرتدون ثوب البطالة. ساهم الاستوديو في تشغيل أعداد كبيرة من العمالة، إذ لم يقتصر دوره على التصوير فقط، بل شمل معامل لتحميض وطباعة الأفلام وتسجيل الصوت، إلى جانب دار عرض سينمائية خاصة.
جاء أول إنتاج لـ"ستوديو مصر" من خلال الفيلم الغنائي الاستعراضي "وداد" من بطولة أم كلثوم في عام 1936، بمشاركة الفنانين محمود المليجي وأحمد علام وكوكا ومختار عثمان، وإخراج فريتز كرامب. حقق الفيلم نجاحاً جماهيرياً كبيراً، واختير للمشاركة في مهرجان فينيسيا، ليسجل في التاريخ أوّل فيلم مصري يشارك في مهرجان دولي.
توالت بعد ذلك إنتاجات ستوديو مصر، إذ واصل طلعت حرب الإنتاج برأس مال مصري خالص، عبر عدد كبير من الأفلام الناجحة، مثل "سلامة في خير" و"العزيمة" و"سي عمر" و"الحل الأخير" و"إلى الأبد" و"الحياة كفاح" و"أرض النيل" و"لحن الخلود".
لم يقتصر نشاط ستوديو مصر على إنتاج الأفلام الروائية الطويلة، بل امتد أيضاً إلى إنتاج الأفلام التسجيلية القصيرة التي شاركت في مهرجانات دولية. لجأ كثير من صناع السينما إلى استئجار بعض أماكن الاستوديو لتصوير مشاهد من أعمالهم، كما حدث في أفلام "ميرامار" لكمال الشيخ عام 1970، و"فجر الإسلام" عام 1971، و"حمام الملاطيلي" لصلاح أبو سيف عام 1973، و"المومياء" لشادي عبد السلام عام 1975.
في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، ظل ستوديو مصر حاضراً في تصوير عدد من الأفلام المهمة، مثل "البحر بيضحك ليه" لمحمد كامل القليوبي عام 1995، و"امرأة هزت عرش مصر" لنادر جلال في العام نفسه، و"الناظر" لشريف عرفة عام 2000، إضافة إلى فيلمي "النعامة والطاووس" و"حريم كريم" لعلي إدريس، و"دم الغزال" لمحمد ياسين عام 2005.
كان لهذا الاستوديو فضل كبير على عدد من الفنانين والمخرجين، مثل أنور وجدي وعقيلة راتب اللذين عملا موظفين إلى جانب نشاطهما الفني. ساهم في بزوغ نجم المخرج الراحل صلاح أبو سيف، الذي بدأ مسيرته في الاستوديو مساعداً للإخراج ومحرراً في جريدته، ثم تولى رئاسة قسم المونتاج، وكان آنذاك وجهاً جديداً. في عام 1946، فُتحت أمامه أبواب الإخراج من خلال فيلمه الأول "دايماً في قلبي"، ثم توالت أعماله، ليقدم مجموعة من أهم أفلام السينما المصرية، مثل "شباب امرأة" لشكري سرحان وتحية كاريوكا، و"الفتوة"، و"الأسطى حسن" لفريد شوقي، و"الصقر" لعماد حمدي وسامية جمال. ساهم ستوديو مصر في ظهور جيل آخر من المخرجين البارزين، مثل عبد الفتاح حسن، وإبراهيم عمارة، وكامل التلمساني، وأحمد كامل مرسي.
في كتابه "قصة السينما" الصادر عام 1969، خصص سعد الدين توفيق فصلاً كاملاً بعنوان "ستوديو مصر... مدرسة" للحديث عن إسهامات هذه المؤسسة، إذ كتب: "قبل ظهور ستوديو مصر، كانت صناعة السينما تعتمد على منتجين أفراد بإمكانيات محدودة، ومخرجين يعملون بنظام القطعة، إذ يظل المخرج من دون عمل بعد إنجاز فيلمه حتى يتعاقد مع منتج آخر، وهو حال طاول الفنيين والفنانين كافة، فلا عقود دائمة ولا دخل ثابت".
أضاف: "مع تأسيس شركة مصر للتمثيل والسينما (ستوديو مصر)، تغير المشهد كلياً، فامتلكت الشركة مصنعاً ضخماً للاستوديو، ومعامل للتحميض وطبع الأفلام وتسجيل الصوت، إضافة إلى دار عرض خاصة لأفلامها، سينما ستوديو مصر، وهي إمكانيات لم تتوافر لأي شركة أخرى آنذاك".

أوضح أن الاستوديو أرسى نظاماً يحاكي كبريات شركات هوليوود، فأصبح الفنانون والفنيون موظفين بعقود رسمية، وضم نخبة من المخرجين وكتاب السيناريو ومهندسي الديكور والمصورين والمونتيرين، وامتد الأمر إلى التعاقد مع نجوم التمثيل. أتاح هذا النظام بيئة إبداعية للمخرجين، فلم يعد المخرج مضطراً إلى حذف مشاهد تحتاج إلى ديكورات ضخمة، أو التنازل عن الممثل الأنسب للدور لأسباب مادية، كما توفر له العدد المطلوب من الكومبارس، ما أسهم في ظهور أفلام ذات مستوى فني رفيع، شكّلت ما عُرف لاحقاً بـ"مدرسة ستوديو مصر".

غادة عبد الرازق (تيم بي. وايتبي/ Getty)
سينما ودراما
التحديثات الحية

ورغم هذا الدور الكبير الذي لعبه ستوديو مصر في تطور السينما المصرية، واجه صعوبات، أبرزها تأميمه عام 1961 تزامناً مع صدور قوانين التأميم، إذ آلت ملكية بنك مصر، الذي أنشأه طلعت حرب، وما يتبعه من مشروعات، إلى الدولة وإدارة القطاع العام، وكان من بينها ستوديو مصر.
تعرض الاستوديو على مدار تاريخه للحريق مرتين، الأولى في أغسطس/آب عام 2009، إذ شب الحريق في العديد من الديكورات والملابس والمعدات، وكشفت التقارير الرسمية آنذاك أن سببه يعود إلى ماس كهربائي. أما المرة الثانية، فكانت في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إذ تعرضت ديكورات مسلسل "الكينج"، الذي يؤدي بطولته محمد عادل إمام وتخرجه شيرين عادل، والمقرر عرضه في شهر رمضان المقبل، لحريق هائل، ولم تُكشف حتى الآن الأسباب التي أدت إلى اندلاعه.