سان جيرمان دي بري: سينما المؤلف و"شانيل" في صالة واحدة

06 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 10:48 (توقيت القدس)
سينما سان جيرمان دي بري (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- استعادت سينما سان جيرمان دي بري في باريس جمهورها بعد غياب ست سنوات، بفضل تعاون بين شركة سينما المؤلف وشركاء من القطاع الخاص، بما في ذلك دار شانيل، بهدف إنعاش السينما المستقلة في فرنسا.
- تاريخ الصالة يعود إلى عام 1969، وقد شهدت عرض أفلام مميزة. قاد مشروع الترميم شركة "أفلام لوزانج" بدعم مالي من جهات متعددة، بما في ذلك المركز الوطني للسينما ودار شانيل.
- تسعى الصالة لتقديم برنامج يجمع بين الأفلام الحديثة والكلاسيكية، وتهدف لتكون ملتقى للسينما والأدب والفلسفة، مع التركيز على تجربة سينمائية فريدة.

استعادت سينما سان جيرمان دي بري جمهورها في الثالث من يونيو/حزيران الماضي، بعد أكثر من ست سنوات، ابتعدت خلالها عن العروض السينمائية، وتحولت تدريجياً إلى مساحة تستضيف المطاعم والمناسبات الخاصة، لكن إعادة افتتاح الصالة الباريسية لم تكن مجرد عودة لدار عرض تاريخية، بل جاءت أيضاً نتيجة مشروع جمع بين شركة متخصصة في سينما المؤلف وشركاء من القطاع الخاص، تتقدمهم دار شانيل للأزياء، في نموذج يعكس محاولات جديدة لإنعاش دور السينما المستقلة في فرنسا.

لا تختصر مديرة الصالة، ماتيلد لامور، أهمية هذه العودة في عمر المكان وحده. تقول لامور، لـ"العربي الجديد"، إن الصالة بقيت، رغم ابتعادها عن العروض العامة، "محبوبة لدى سكان الحي والمغرمين بالسينما في باريس"، وإن إعادة ضخ الحياة فيها بدت ضرورية في وقت تشهد فيه العاصمة إغلاق عدد من دور العرض. وتضيف أن الهدف لم يكن استحضار الماضي كما هو، بل دمج الصالة في المشهد السينمائي في المدينة، وبناء برنامج يجمع بين مخاطبة جمهورها القديم وجذب جيل جديد إليها.

تعود ولادة صالة سان جيرمان دي بري إلى عام 1969، حين جرى تحويل ملهى "بيلبوكيه" إلى دار سينما حملت اسمه. ويوم افتتاحها، عرضت فيلم "زد" لكوستا غافراس الذي كان قد طرح في صالات باريسية أخرى قبل شهر، ثم استمر عرضه فيها 22 أسبوعاً. وفي العام التالي، عرضت "الطفل المتوحش" و"منزل الزوجية" لفرانسوا تروفو، قبل أن يشتريها فريديريك ميتيران عام 1979 ويغير اسمها إلى "أولمبيك سان جيرمان". غير أن صلتها الأقوى بسينما المؤلف ترسّخت، على وجه الخصوص، مع إريك رومير، أحد مؤسسي "أفلام لوزانج"، الذي كان يختارها لعرض أفلامه على مدى عقود.

وأبقى مصمم الديكور فابريتسيو كازيراغي شيئاً من تاريخ الصالة في التصميم الجديد. ففي قاعة العرض، التي تضم 208 مقاعد وشاشة يبلغ عرضها سبعة أمتار، حافظ على المقاعد الزرقاء والإضاءة الخافتة، واستعاد نقوشاً على السجّاد مشابهة لتلك التي كانت موجودة نهاية الستينيات. ويمتد الجو المقمّش الهادئ نفسه إلى الممر والمدخل الخارجي، حيث تتوزع نسخ صغيرة من رسوم لجان كوكتو، فيما اختار المصمم إضافة حانة صغيرة خلف الشاشة، تُستخدم خلال اللقاءات والمناسبات.

سينما سان جيرمان دي بري (العربي الجديد)
يمتد الجو المقمّش الهادئ نفسه إلى الممر والمدخل الخارجي (العربي الجديد)

وقادت "أفلام لوزانج" مشروع الترميم بعد شرائها الصالة، قبل انضمام عدد من المستثمرين العاملين في مجالات تمتد من السينما والنشر إلى التأمين والمصارف. ومن بين المستثمرين مدير نشر مجلة "دفاتر السينما" إريك لونوار الذي بات رئيساً للشركة التي تتولى إدارة الصالة. كما حصلت أعمال الترميم، التي تجاوزت تكلفتها نصف مليون يورو، على دعم من المركز الوطني للسينما، ومنطقة إيل دو فرانس، وبلدية باريس. وانضمت دار شانيل إلى المشروع بصفتها الشريك الرئيسي، من دون أن تعلن الشركة أو إدارة الصالة عن قيمة مساهمتها.

وعن طبيعة هذه الشراكة، تقول لامور إن "شانيل ساعدتنا على ترميم الصالة، وتساعدنا أيضاً على تنشيطها طوال العام". ويشمل هذا الدعم، إلى جانب أعمال الترميم، المشاركة في تنظيم بعض برامج الصالة ولقاءاتها. ومن أمثلة ذلك استضافة المخرج الياباني هيروكازو كورييدا، في يوليو/ تموز الماضي، في لقاء أعقب عرض فيلمه "هذا الشبل من ذاك الأسد"، وأمسية الافتتاح التي عُرض خلالها فيلم "روما إلاستيكا"، بحضور مخرجه برتران مانديكو، وبطلته ماريون كوتيار، وهي من سفيرات "شانيل".

ويستند اختيار "شانيل" هذه الصالة إلى علاقة قديمة بالسينما، بدأت مع عمل مؤسستها، غابرييل شانيل (كوكو شانيل)، على أزياء أفلام في فرنسا وهوليوود، وامتدت إلى علاقاتها بكتّاب ومخرجين، من بينهم جان كوكتو، لكن الرعاية تندرج أيضاً ضمن استراتيجية ثقافية وسينمائية وسّعتها "شانيل" خلال الأعوام الأخيرة. فمنذ عام 2018، ساهمت في ترميم أفلام بالتعاون مع السينماتيك الفرنسية، ثم أصبحت من كبار رعاتها، إلى جانب دعم أفلام معاصرة ومهرجانات وبرامج موجّهة إلى المخرجين الشباب.

سينما ودراما
التحديثات الحية

وتعود هذه الشراكة بفائدة واضحة على الطرفين، فقد حصلت الصالة على الدعم المالي اللازم للترميم، وتستفيد من إمكانات أكبر لتنظيم لقاءات يصعب على سينما مستقلة تحمل تكلفتها وحدها. في المقابل، تربط "شانيل" اسمها بذاكرة باريس الثقافية وسينما المؤلف، وتضيف إلى صورتها حضوراً يتجاوز الجانب التجاري والأزياء.

أما عن الخط الذي تتبعه لإعداد البرنامج، فتقول لامور إنها تبحث عن "أفلام متطلِّبة، سواء في خياراتها الفنية أو في سيناريوهاتها"، هادفة في الآن نفسه إلى تعريف الجمهور بأعمال قد لا يذهب إليها من تلقاء نفسه، مع الجمع بين الأفلام الحديثة وكلاسيكيات السينما.

وافتتحت صالة سان جيرمان دي بري برنامجها بعرض 11 فيلماً من دورة مهرجان كان السينمائي الأخيرة، بعضها بحضور مخرجيه أو ممثليه. وفي يوليو/ تموز، خصصت سلسلة بعنوان "جرائم تحت الشمس"، عرضت خلالها أفلاماً مثل "المسبح" لجاك دُريه، و"بلان سولاي" لرُنيه كليمان.

وتُعدّ المديرة للخريف مهرجاناً مصغراً عن سينما الموجة الجديدة، يعيد ربط البرنامج الحالي بتاريخ الصالة، إلى جانب نادٍ سينمائي تنظمه مجلة "دفاتر السينما"، وعروض خاصة بالتعاون مع مجلة "نوفيل أوبس" تسبق طرح الأفلام تجارياً. كما تريد، وفق ما تقول، أن "يتقاطع في الصالة كلٌّ من السينما والأدب والفلسفة"، بحيث لا يقتصر دورها على عرض الأفلام. وترى أن اللقاءات مع المخرجين والكُتّاب "هي عصب عمل الصالة اليوم، وهي ما يدفع المتفرجين إلى الحضور".

وبعد نحو شهرين على الافتتاح، تقول لامور إن "الجمهور كان على الموعد"، وإن تذاكر عدد من العروض الخاصة واللقاءات نفدت، كما عاد بعض رواد السينما القدامى، إلى جانب شبان وطلاب يزورونها للمرة الأولى، لكن الإدارة لم تنشر بعد أرقاماً شاملة عن التذاكر المباعة، ولذلك تبقى القاعات الممتلئة في بعض المناسبات مؤشراً أولياً على الإقبال، لا حصيلة للحضور اليومي.

وبحكم اعتمادها على شاشة واحدة، لا تملك صالة سان جيرمان دي بري هامش الخيارات الذي توفره دور عرض قريبة تضم قاعات عدة. يقول توما، وهو طالب يحضّر رسالة في تاريخ الفن، التقته "العربي الجديد" أمام الصالة بعد مشاهدته فيلم "موضوع الجريمة" لأنييس جاوي، إن برنامج الأفلام المستعادة "جيد عموماً، لكن عليك أحياناً أن تنتظر عرض فيلم يناسبك". وقد أعجبه المكان في زيارته الأولى هذه، على الرغم من أن فيلم جاوي خيّب أمله. أما سعر التذكرة العادية فيبلغ 11 يورو، وينخفض إلى ثمانية يوروهات ونصف لمن تقل أعمارهم عن 26 عاماً، وهي أسعار قريبة من المعتاد في الصالات الباريسية.

سينما سان جيرمان دي بري (العربي الجديد)
تعتمد صالة سان جيرمان دي بري على شاشة واحدة (العربي الجديد)

وفي الحديث عن منافسة منصات البث لدور العرض، تقول لامور إنها لا ترى أن المنصات تهدّد الحاجة إلى القاعات، بل تلعب دوراً مكمّلاً لها، حيث "تواصل حياة الفيلم لدى المشاهد، ولا يمنع أحدهما الآخر". وتضيف أن سينما سان جيرمان دي بري تراهن على ما لا توفره المشاهدة المنزلية، من لقاءات مع مخرجات ومخرجين، ونقاشات، وعروض لأفلام قديمة وسط جمهور.

وتفتح صالة سان جيرمان دي بري أبوابها مجدداً في عام تستعيد فيه دور السينما الفرنسية جزءاً من جمهورها. فقد انتهى عام 2025 عند نحو 157 مليون تذكرة، قبل أن تسجل الأشهر السبعة الأولى من هذا العام نحو 108 ملايين تذكرة، بزيادة تقارب 20% عن الفترة نفسها من العام الماضي، و4% عن الفترة نفسها من 2024. سياقٌ مناسب قد يسمح للصالة باستعادة جمهورها بعد أعوام من الغياب.