استمع إلى الملخص
- يتميز عبيد بأسلوب يمزج بين الرياضيات والسياسة، وشارك في العرض الكوميديان شايتانيا شارما، مما أضفى طرافة إضافية، خاصة مع وجود أقارب عبيد.
- يتناول عبيد قضايا سياسية واجتماعية، محولًا خيبات الأمل إلى مادة كوميدية، وواصل جولته في مدن أخرى بعد بيروت.
في الليلتين الأخيرتين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، استقبلت بيروت للمرة الأولى الكوميديان سامي عبيد في إطار جولته العالمية بعنوان "السائح المحلّي". عبيد من مواليد العاصمة اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يهاجر والداه إلى الولايات المتحدة هرباً من الحرب الأهلية. ينحدر من عائلة لبنانية ويفتخر بانتمائه اللبناني ــ الفلسطيني نسبة إلى جدّته اليافاوية، إلى جانب كونه أميركياً.
الإقبال على حفلاته في بيروت كان لافتاً، إذ امتلأت المقاعد بالكامل واضطر المنظّمون إلى إضافة عرضين إضافيين خلال 48 ساعة، ومع ذلك لم يتمكّن كثير من معجبيه من الحصول على تذاكر. وكانت المحطة البيروتية مقرّرة أساساً في أكتوبر/تشرين الأول 2024، لكنها أُلغيت آنذاك بسبب التوتر الأمني في لبنان قبيل العدوان الإسرائيلي الشامل الذي استمر قرابة شهرين.
عاد سامي عبيد هذا العام ليقدّم عرضه في KED، بتنظيم من نادي الكوميديا Awkword Comedy الذي يُعدّ من أبرز الداعمين للكوميديين الشباب في لبنان، ومن مساحاته انطلقت أسماء معروفة مثل ستيفاني غلبوني، ونور حجار، وشادن فقيه، ووسام كمال، وشاكر بوعبد الله. سبق للنادي أيضاً أن استضاف فنانين من جنسيات مختلفة، من بينهم الكوميديان الروماني فيكتور باتراسكان المعروف بمناصرته الشعبين الفلسطيني واللبناني، وذلك في إبريل/نيسان الماضي.
افتُتحت سهرة عبيد في بيروت بعرض للكوميديان الأميركي الشاب شايتانيا شارما (شاي)، رفيق عبيد في جولاته الذي نجح في كسب ضحكات الحضور عبر محتوى متنوّع وقصير، أبرز ما فيه إشارته إلى ذوي البشرة السمراء بطريقةٍ خلقت جسر تماهٍ مع الجمهور اللبناني، قبل أن يمازحهم قائلاً إنه يشعر بالأمان في لبنان رغم تحذيرات السفارة الأميركية من السفر إليه. بهذه اللمسة، مهد شاي لاعتلاء عبيد المسرح وسط ترحيب حارّ من الحضور.
المفاجأة في تلك الليلة كانت وجود عدد من أقارب عبيد في القاعة من دون علمه المسبق، ما أضفى طرافة إضافية على العرض وقدّم مادة حيّة أغنت محتواه. على مدار ساعة كاملة، فرض عبيد حضوره بعرضٍ بالإنكليزية اتسم بخفّة الأداء وذكاء الطرح. ويتميّز عبيد عن غيره من الكوميديين بتخصّصه الأكاديمي في الرياضيات، وهو ما ينعكس بوضوح في أسلوبه الكوميدي القائم على منطقٍ رياضيٍّ صارم يجعل من النكتة معادلة فكرية ذات نهاية غير متوقعة.
يمكن تصنيف محتوى عبيد ضمن ثلاث فئات رئيسة؛ الأولى: نكات تُبنى بالكامل على نظريات رياضية، تتطلّب من الجمهور معرفة مسبقة بمفاهيم من الجبر والهندسة، من أمثلتها سؤاله للجمهور عن المثلث متساوي الساقين، قبل أن يعقب ممازحاً: "أنا بذلك أقف على مسافتين متساويتين من الطرفين، Equal sides". الثانية: نكات سياسية يستخدم فيها الرياضيات لتأكيد وجهة نظره، كما في حساباته الساخرة لاحتمال تورّط زوجة الناشط اليميني الأميركي تشارلي كيرك في اغتياله: "هناك احتمال 86% أنها متورطة فعلاً، وإن كنت مخطئاً فأنا آسف بنسبة 14%". الثالثة: بناء رياضي للأفكار، يظهر في مجمل محتواه حتى حين لا تكون النكتة رياضية مباشرة، إذ تتبع بنيةً منطقيةً تصاعدية تنتهي دوماً بخاتمة غير متوقعة، وهو ما يتجلّى أيضاً في منشوراته على منصات التواصل.
يبرع كذلك في تحويل خيبات الأمل إلى مادة كوميدية تخدم فنه. فقد شارك الجمهور تجربته مع الرقابة والمنع، منها إلغاء عرضه في سنغافورة بسبب إشاراته إلى القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، رغم محاولته تقديم نسخة "مخفّفة" من النص تتضمن تنبيهاً للمحتوى السياسي، إذ قال مازحاً: "أنا غير موظّف حالياً، ولا أحب جميع أنواع المهن... I hate all kinds of occupations"، في تلاعبٍ بالكلمة الإنكليزية occupation التي تعني في آنٍ واحد "المهنة" و"الاحتلال". كما تحدّث عن منعه من تقديم عرض في مدرسة ثانوية أميركية للأسباب نفسها.
بدأ سامي عبيد مسيرته المهنية أستاذاً لمادة الرياضيات قبل أن يتفرّغ للكوميديا، ومن أشهر نكاته القديمة تلك التي تناولت زعيم حزب الليكود، بنيامين نتنياهو، حين سخر من إصابته بسرطان البروستات قائلاً إنها "عدالة قدرية" مقابل ما ارتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين.
في عرضه البيروتي، تجنّب الخوض في السياسة اللبنانية واصفاً نفسه بـ"الفتى الغربي"، ومشدداً على أنه لا يملك الحق في الحديث باسم اللبنانيين أو الفلسطينيين الذين يعيشون في قلب الحدث، وموجّهاً التحية لشجاعتهم في مواجهة الاحتلال على بعد أمتار قليلة.
غادر سامي عبيد بيروت متوجهاً إلى عمّان، ثم إلى إسطنبول، فعدّة مدن أوروبية، قبل أن يختتم جولته في كندا والولايات المتحدة منتصف ديسمبر/كانون الأول المقبل. في بيروت، روى عبيد ضاحكاً أنّ جَدَّيه كانا طبيبين جرّاحين، وأنه بدوره "جرّاح نكات" بالوراثة، يشرّح المواقف بالمبضع الكوميدي نفسه الذي يواجه به هجمات الصهاينة على وسائل التواصل الاجتماعي.