استمع إلى الملخص
- يروي الفيلم قصة غزو سمك اللامبري البحري للبحيرات العظمى نتيجة لتعديلات قناة ويلاند، مسلطاً الضوء على الإرث الاستعماري وتفضيل البنية التحتية على التوازن البيئي.
- يبرز الفيلم استخدام مبيد TFM للقضاء على اللامبري، مع تجاهل التلوث الناتج، مما يعكس الفخر بالقضاء على 90% من اللامبري وفلسفة عنصرية تجاه الكائنات غير المرغوب فيها.
في فيلم The Fish Thief: A Great Lakes Mystery، ثمّة مفارقة فنيّة لافتة: كيف يحوّل فريق الإنتاج قصةً علميةً معقدة، إلى ملحمة بصرية وسمعية تجعل من البحيرات العظمى في الولايات المتحدة الأميركية شخصيةً دراميّةً حيّة؟ لا نستطيع اعتبار هذا العمل فيلماً وثائقياً فحسب، بل كولاج بصريّ وسمعيّ يَخرج من قاع البحيرات، ويُخرج معه الكثير من الأسئلة الأخلاقية.
منذ أن أحكم الإنسان قبضته على الأرض، تحولت الموارد الطبيعية إلى ساحة لصراعٍ وجوديّ بين الجشع البشري وتوازن الأنظمة البيئية، وبوصف السينما مرآة للطبيعة، يقدم العمل نموذجاً لهذا الصراع، لكنه يفشل في إدانة الجاني الحقيقي، ويكتفي بالتلميح إلى أن العقلية الأميركية تعامل الطبيعة بوصفها عدواً يجب إخضاعه، وليس شريكاً يستحقّ الفهم، ويكرّر سردية انتصارية تُخفي تحت عباءة العلم والدبلوماسية جرائم بيئية ارتُكبت باسم إنقاذ النظام البيئي.
يروي الفيلم عبر تعليق صوتي يؤديه جي كي سيمونز، وأرشيف بصري كبير ومقابلات فرديّة، غزو سمك اللامبري البحري للبحيرات العظمى وقضائِهِ شبه التام على الأسماك فيها. ذلك الغزو لم يكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لتعديلات قناة ويلاند عام 1919، إذ فتحت الطريق أمام الأنواع الغازية لدخول ذلك النظام البيئي الهشّ. هذا التفصيل يلمح إلى الإرث الاستعماري لأميركا الشمالية، إذ البنيةُ التحتية الصناعية مقدَّمَة على التوازن البيئي. يتجاهل العمل الإشارة إلى أن النخب السياسيّة والصناعيّة لم تر في البحيرات إلا ممراً مائياً لتعزيز التجارة، ومكاناً ترمي فيه شبكة الصيد لتُخرج ذهباً.
يعتمد المخرج، توماس ليندسي هاسكين، على لقطات جويّة بانوراميّة للأفق الشاسع. المشهد الأكثر جمالاً هو رحلة هجرة اللامبري الذي التقطته كاميرات صغيرة تتابع تحركاتها الثعبانية تحت الماء، والإضاءة الخافتة تعكس قسوة البيئة المائية. اللقطات الأرشيفية لصيادي الأربعينيات بالأبيض والأسود تخلق تناقضاً مع الصور الحديثة عالية الدقة، كأنّ الفيلم يربط بين دمار الماضي وهشاشة الحاضر.
المؤثرات الصوتية تُستخدم بذكاء، فصوت مصِّ اللامبري لدماء فرائسها يُضخَّم ليصبح كصرير آلة صناعيّة، إذ لا فرق بين الحدثين، كما يبالغ الفيلم في استخدام الموسيقى الدراميّة خلال المقابلات، ما يخنق صوت الضيوف. مشاهد الأنيميشن التي تعيد تمثيل غزو اللامبري عبر القنوات تُقدَّم بوصفها شرحاً علمياً. وفي المقابل، يقدم الإعلام الحكومي السمكة وحشاً خيالياً بأسنانٍ متوهجة وعيون حمراء. هذا يعزز الصورة النمطيّة عن الأنواع الغازية بوصفها أعداء، هذه الخيارات الفنيّة تخدم السرد الدرامي بالتأكيد، لكنها تُفقد العمل موضوعيته.
القفزة الزمنية من أربعينيات القرن الماضي إلى يومنا الحالي تحدث من دون حضور للمشاهد، وهذا شوّشَ على التسلسل الدرامي. الاستثناء الوحيد هو مشهد تطبيق مبيد TFM، هذا المبيد السام اختارته الحكومات الأميركية والكندية للقضاء على اللامبري وإنقاذ صناعة الصيد (قيمتها سبعة مليارات دولار). هذا التعاون كرّس مبدأً يقدِّم الحلول التكنوقراطية بوصفها الحل الأمثل والأوحد، ويتغاضى عن حقيقة أن استخدام هذه المادة يومياً منذ عام 1958 يُشكل تلوثاً مستمراً، وإن كان مقبولاً وفق المعايير الأميركية، ونقَعُ بعدها جميعاً في حلقة مفرغة من العنف البيئي.
الفخر المُعلن بالقضاء على 90% من أعداد اللامبري يعكس فلسفةً عنصريةً تجاه ما هو غير مرغوب فيه. نفس النوع الذي يُباد في البحيرات العظمى يُعتبر مهدداً بالانقراض في موطنه الأطلسي، وهو جزء لا يتجزأ من السلسلة الغذائية. الفيلم ومن خلفه السياسة الإباديّة، يغض الطرف عن هذه الازدواجية الأخلاقية كأنّ حقاً إلهياً يُمنح لأميركا لتصنّف الكائنات بين مفيد ومضر بحسب قيمتها الاقتصاديّة.
صحيح أن فيلم "سارق الأسماك" قصة عن إنقاذ البحيرات، لكنه أيضاً وثيقة إدانة لعقلية ترفض وضع حدود للسيطرة البشرية، ولا أهمية تذكر لمراجعة النموذج الحضاري السائد.
اللافت أيضاً أن العالِم/البطل الذي اكتشف المبيد، قفز من المختبرات العسكرية إلى ساحة المعركة البيئية، حاملاً نفس العقلية الاستعمارية التي جندته في الحرب العالميّة الثانية.