استمع إلى الملخص
- حب زياد لموسيقى باخ نبع من عبقرية باخ في الجمع بين التعقيد الرياضي والألحان العذبة، مما دفعه لتأليف مقطوعة "إلى باخ" تكريمًا له.
- في حفلاته، مثل حفل باريس 2019، يظهر تأثير الجاز والباروك في موسيقى زياد، مستلهمًا من عازف البيانو غلين غولد.
لعلّ ما من أحدٍ، سوى قلّةٍ نادرةٍ ممّن تابعوا الموسيقي الراحل زياد الرحباني (1956 - 2025) وتعمّقوا في إرثه الفنّي، قد تنبّه إلى الصلة الحميمة التي جمعته بخاتم الحقبة الباروكية، المؤلّف الألماني يوهان سباستيان باخ (1685-1750).
عادةً، تُعقَد المقارنات بين زياد وأبيه وعمّه، عاصي ومنصور الرحباني، وتُجرى البحوث والتحليلات حول كم تأثّر بهما وكيف تميّز عنهما. كذلك كان الفلكلور اللبناني وصدى المُلحّن فيلمون وهبي، حاضرين في موسيقاه، حتى وإن غاب عنها.
ينسحب الأمر على الموسيقى المصرية، بدءاً من سيّد درويش ومسرحه الغنائي، مروراً بالشيخ زكريا أحمد، ولاحقاً الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، في فترة "الموسيقي العضويّ" زمن الحرب الأهليّة اللبنانيّة، حين صارت أغانيه، مثل "أنا مش كافر" ناقلاً عاطفيّاً وحاملاً فكريّاً لنشاطه السياسيّ.
ثمّة أيضاً زياد الرحباني وموسيقى الجاز، وقد سبق له أن تحدّث بنفسه عن وثاقة ارتباطها بمسعاه الموسيقيّ، على الأخصّ جاز اللاتينو، أي المنبثق من القارّة الأميركيّة الجنوبيّة، بنجومه البرازيليّين، أمثال الثنائي غيلبرتو وأنتونيو كارلوس جوبيم.
كثرة المشارب وتنوّعها ليست بالأمر الغريب في سيرة فنّانٍ كبُر في كنف عائلة موسيقيّة، كانت بدورها متعدّدة المشارب، إذ نشطت في بيروت الخمسينيّات والستينيّات، حينئذ كانت الحاضرة العربيّة الأكثر كوزموبوليتيّة، تتميّز بانفتاحٍ ثقافيٍّ على جهات الأرض الأربع. وبدورهم، أثّر أعلام الموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة في وعي زياد وتكوينه، حتى إنّ بعضاً من مقطوعاته تضمّن اقتباساتٍ مباشرةً من مؤلّفاتهم.
أمّا حبّه لموسيقى باخ، فلعله يعود إلى ثلاثة أسبابٍ. أوّلها الريبرتوار، أي تلك القائمة الطويلة من المقطوعات الكلاسيكيّة التي شكّلت، لقرون، عماد أيّ منهاجٍ جادٍ لدراسة آلة البيانو، التي تعلّمها منذ سنٍّ مبكرة، فكانت أعمالُ باخ، كـ"كورال" و"سويت"، ومجلّدي البيانو المعدَّل، ركناً أساسيّاً فيها.
ثانياً، موسيقى الجاز؛ وإن لا يبدو أنّ ثمّة ما يجمعها بحقبة الباروك الممتدّة من القرن الخامس عشر إلى السابع عشر، فإنّ عدداً من نجومها الكبار كانوا قد تأثّروا بموسيقى باخ تحديداً وكرّموه على طريقتهم: فرقة The Modern Jazz Quartet، بالتعاون مع عازف البيانو جون لويس، أصدروا سنة 1973 ألبوماً بعنوان Blues on Bach، إذ وزّع لويس خمس مقطوعاتٍ لباخ توزيعاً جازيّاً.
كذلك، عازف بيانو الجاز ديف بروبِك، قد أصدر تسجيلاً سنة 2007 بعنوان Brubeck Meets Bach، وفيه أُعيد تخيّل عمل باخ الشهير كونشرتو براندنبورغ كما لو أنّه مقطوعة بلوز. عازف بيانو جاز آخر هو كيث جاريت (Keith Jarrett)، كان قد سجّل مؤلَّف باخ لآلة الهاربسكورد "تنويعات غولدبرغ" سنة 1989 في اليابان.
ثالثاً، تكمن عبقرية باخ الخارقة للعادة في أنه جمع بين ضدّين موسيقيين: الحساب الرياضي بالغ التعقيد، والألحان المستساغة شديدة العذوبة، التي صيغت خطوطاً لحنية تتداخل ضمن صرح موسيقي شُيِّد وفق منهج تعدد الأصوات (Polyphony).
وبهذا، لم يكتف ببلوغه قمّة الهندسة الموسيقية، بل سما بها، بأنسنة عناصرها، ما أكسب موسيقاه القدرة على إحداث الطرب الشعوري والفكري، لدى المؤدّي والمتلقي على حدٍّ سواء.
لذا، كان لا بدّ لعبقريٍّ مثله أن يترك أثراً عميقاً في موسيقيٍّ مثقّفٍ ومرهف الحسّ مثل زياد الرحباني. بلغ ذلك الأثر حدّاً جعله يؤلّف مقطوعةً موسيقيّةً آليّةً أطلق عليها اسم "إلى باخ"، أدرجها ضمن فقرات حفلاته الأخيرة، أهداها إلى روح المؤلّف الباروكيّ الخالدة التي أسهمت في كتابة سيرة كلّ فنّانٍ جادٍّ على مدى القرون الأربعة الماضية.
لدى الاستماع إلى تسجيلٍ نادرٍ للمقطوعة، مأخوذٍ من حفلٍ في العاصمة الفرنسيّة باريس سنة 2019، يمكن التقاط الجاز بوصفه محدِّداً للإطار العام. ذلك أنّ العرض قد أُقيم تكريماً لعازف البيانو ومؤلّف الجاز الأميركيّ جو سامبل (1939 - 2014)، الذي كنّ له زياد محبّةً وتقديراً كبيرَيْن، ومثّل واحداً من مصادر إلهامه المهمّة.
كما تتّضح أيضاً، من خلال الافتتاحيّة الخاصّة بآلة البيانو، سماتُ الهويّة الموسيقيّة للمؤلِّف باخ وسائر موسيقيّي الحقبة الباروكيّة. وإن بدا العزف، للوهلة الأولى، ارتجالاً، إلّا أنّ الموضوعات اللحنيّة، أو الموتيفات، صُمّمت على الطريقة الباروكيّة، فيغلب الأسلوب الهندسيّ الزخرفيّ على تشكيلات الأنغام، التي ما إنْ ترتفع في المنسوب الصوتيّ حتّى تهبط على درجاتٍ سلّميّة.
عند تنفيذها، يستلهم زياد عازفَ البيانو الكندي غلين غولد، الذي اشتُهر بطريقة أدائه لموسيقى تلك الحقبة، عبر النقر على مفاتيح الآلة من دون تزويدها بالصدى، فتتناهى نافرةً ميكانيكيّةً، ما يُبرز تكوينها الفراغي.
قبل أن تنقلب المقطوعة جازاً صرفاً عند الدقيقة (01:23)، يُمرِّر زياد، في الثانية (00:45)، لحنَ الافتتاحيّة لآلة الترومبيت، لتعيده حرفيّاً. وقد لعبت تلك الآلة النفخيّة النحاسيّة دوراً بارزاً في كلٍّ من العالمَيْن الموسيقيَّيْن، الباروك والجاز.
إلى جانب ثلاثة أعمالٍ من فئة الكونشرتو، عمد باخ إلى إسناد كثيرٍ من الأدوار الموسيقيّة لها، ضمن مؤلّفاته الأوركستراليّة والغنائيّة ذات الطابع الاحتفاليّ والحماسيّ، خصوصاً تلك المرتبطة بالشعائر الكنسيّة، مثل القدّاس والأوراتوريو. أمّا "مقدّمة 83" التي أدّاها زياد، موزّعةً على طاقم أوركسترا كبيرة، ضمن حفله التاريخيّ في قلعة دمشق سنة 2008، فكأنّي بها وجهة معكوسة للمقطوعة سابقة الذكر.
تبدأ أوّلاً بموسيقى جازٍ صرفة، تُذكّر بطراز Fusion الذي راج منتصف السبعينيّات والثمانينيّات، ثم تتّخذ لها طابعاً باروكيّاً لفاصلةٍ قصيرةٍ عند الدقيقة (02:23)، على شكل حواريّة بين آلات الكمان الوترية وآلةٍ نفخيّةٍ منفردةٍ هي الفلوت، على أن تنضمّ الترومبيت لاحقاً.
يخضع التداخل والتقاطع المتولّد عن التحاور إلى مبدأ تعدّد الأصوات (Polyphony) المرتكز على التقابل بين النغمات (Counterpoint) والمصاغ وفق قواعده النظرية الصارمة، فلا يمكن فرز الموسيقى إلى صوتٍ سائسٍ وآخر تابع، وإنّما تتعادل جميع الأصوات ضمن تصميمٍ زخرفيٍّ يصهر الوحدة بالكثرة.